اغلاق

الصفحة البيضاء، بقلم: مفلح أبو جابر

سميرة ... ، استعدّي، دورك التالي . ارتجافة قويّة اجتاحته وأخذت بتلابيب نفسه .. وسَرَت في جسده قشعريرة امتزجت بدمه حتّى وصلت إلى قلبه الّذي انتفض من مكانه،

 
مفلح أبو جابر

  فحاول أن يتشاغل بمواصلة النظر إلى المجلّة الّتي في يده، محاولا إخفاء ملامح وجهه الّتي شابها الاحمرار وراء الكلمات الّتي تحوّلت إلى طلاسم معقّدة لا يفقه منها شيئا . ..لا ..لا، غير ممكن .. لا يمكن أن تكون هي، ربّما هو تشابه أسماء ليس إلّا .. وبعد أن عاوده شيء من الهدوء .. وبدأت السكينة تلتئم في داخله، حاول استراق نظرة خاطفة إليها ليطمئن بأنّها لم تلحظ شيئا ممّا كان فيه، لكنّها كانت منشغلة بالآلام الّتي قاسمتها الأيام والليالي منذ سنين .. تلك الآلام الّتي كانت تنبعث منها في صوت أنّات تتجمّع من جنباتها لتندفع عبر قلبها .. تندفع متعبة مثقلة، وكأنّ خروجها بحدّ ذاته هو معاناة أخرى .. أنّات تُخفي خلفها سنين من الأوجاع والأمراض الّتي غزت مملكتها .. مملكة الجمال، فجعلتها أشلاء ذكريات جميلة.

أيّ مصادفة هذه الّتي يمكن أن تجمعه وإيّاها في هذه الردهة الصغيرة في انتظار الدخول إلى الطبيب ..! وبعد كلّ تلك السنين الطويلة والكفيلة بأن ينسى الإنسان أي شيء، بل وكلّ شيء .. ولكن من قال إنها هي؟ ربّما ! وفي محاولة منه لاستراق نظرة أخرى، التقى بتلك العينيْن الخارقتيْن الّلتيْن سكنتاه منذ ذلك الزمن .. عينيْن يغلب عليهما لون أخضر فاتح يشعّ منهما سحر يأسر كلّ من يقع في محيطه .. سحر لم يتغيّر ولم يتبدّل منذ ذلك الزمن. لقد اخترقت تلك النظرة كلّ حواجز نفسه واستقرّ سهمها في قلب ذلك الزمن الغابر.. ليعلن له بأنّها هي .. ولا أحد سواها .. إنّه ذلك الإشعاع بعينه وقوّته وجبروته، منذ أن كان طالبا في المرحلة الثانويّة ... وفجأة أطلّت الممرّضة مرّة أخرى قائلةً : - سيّدة سميرة، تفضّلي .. الطبيب بانتظارك . وقبل أن تقوم من مكانها أومأت إلى الغلام بجانبها بأن ينتظرها حتّى تخرج. ثمّ قامت بتثاقل وهدوء كان يتابعه هو بطرف عينه .. بنظرة امتدّ طولها إلى ما يقارب أربعة عقود من الزمن .. كيف يمكن أن تُخْتزل كل تلك السنين الطويلة في نظرة واحدة سريعة .. لا ، لا يمكن .. فإنّه على يقين بأنّ هذه المسافة الّتي تفصله عنها تحمل في طيّاتها الكثير الكثير .. بل وتفيض بأحداث يتشوّق هو إلى معرفتها، وتزخر بأمور يتلهّف إلى الكشف عنها .

لقد نظر إلى الغلام، وفكّر أن يبادله بعض الحديث لعلّه يختصر شيئا من تلك المسافة الطويلة الّتي تفصله عنها .. فبادره قائلا : -هل هي أمّك .. أقصد المرأة الّتي كانت تجلس بجانبك ؟
- تقصد السيّدة سميرة .. لا .. إنّها جارتنا من الدوْر الثاني .. لكنّها طلبت منّي أن أرافقها إلى الطبيب.
وقبل أن ينطق لسانه بسؤال آخر .. أدرك أنّه من غير اللائق أن يكون حواره مع الغلام بطريقة طفوليّة .. فلا بدّ إذن أن يغيّر ذلك .. وفي محاولة منه لكسر صمت الغلام .. تابع قائلا :
- مسكينة .. لا شكّ أنّها وحيدة .. ويبدو أنّها قد قاست الكثير في حياتها ..
نظر إليه الغلام وقد أدرك أنّه ينتظر ردّا، فقال :
- نعم .. فمنذ أن جاءت إلى القدس وهي تعيش شبه  وحيدة .. وهي اليوم أحوج ما تكون إلى من يعينها في تدبير شؤونها، وبالذات بعد أن تزوّجت ابنتها الوحيدة قبل سنتيْن وهاجرت مع زوجها .
-هي أيضا من خارج القدس .. غربة الوطن وغربة المرض ..!
- هي في الأصل من القدس، لكنّها عاشت مع زوجها في مدينة بيت- لحم، ومنذ أن توفّي ولم يبقَ لها أحد هناك  قرّرت العودة إلى القدس .. هنا في شارع صلاح الدين ..
عبثا حاول ملاحقة الكلمات على الصفحة .. فانسلّت هاربة تاركة خلفها ذلك البياض الشاسع من الذكريات .. مساحات من الذكريات قد تمدّدت على طول خمس وثلاثين سنة .. يا لمفارقات هذا الزمن ! ويا لقوّة القدر الّتي تبعث كلّ هذا العمر في لحظة واحدة .. ذكريات دفينة في غياهب الماضي تنتفض كأنّها ما زالت حيّة لم ينتقص الدهر من حرارتها شيئا .. ها هو ذلك الظنّ يتحوّل إلى يقين، وبدا ذلك الغيب البعيد واضحا وضوح تلك النظرة الممزوجة بسحرها الأخضر .

إذن فليتمدّد الدهر ما شاء له أن يتمدّد، ولتتقلّب الحياة ما شاء لها أن تتقلّب، إنّه لن ينسى تلك اللحظة الّتي شاع فيها خبر انتقالها إلى مدينة بيت- لحم، حيث أن أباها الّذي أتّم دراسته الجامعيّة في فرنسا قد أراد أن تدرس ابنته اللغة الفرنسيّة في مدرسة تراسنطا في مدينة بيت لحم، وكأنّه يرسم خطواتها الأولى على مسار مستقبلها .. ذلك الخبر الّذي كان بمثابة مفصلا رئيسا في حياته، ثمّ امتدّ أثره عبر فترة كانت كافية بأن تضع بصمتها في بداية صفحة غلام في سنّه ..
لقد كانت خجولة إلى حدّ بعيد.. حيث بالكاد تُسرق من فمها بضع كلمات .. وكان خجلها يُضفي عليها جمالا إلى جمالها، وتواضعا قد كان سببا في تجمّع القلوب حولها وازدياد محبّتها بين المعلّمين والطلبة على حدّ سواء. كان أكثر ما يميّزها تلك النظرة التي تشّع من عيونها الخضر فتكسو ما حولها سكينة وهدوءً، وكانت تأسر كلّ من يقع في محيطها، فسرعان ما يعترف بإحساسه أنّها حوريّة بشريّة .. حورية  كانت دليلا قاطعا على علوّ الجمال فوق الوصف، وعَجْز الخيال أحيانا عن الارتقاء إلى درجة الحقيقة.
وهكذا .. عادت به الذكريات إلى الماضي، فأصبح يراقب بأحاسيسه كلّ حركة وكلّ خلجة في نفسه، وكأنّ القدر قد كشف له حجاب الماضي لحظة بلحظة ... فإذا به ينظر إليها بمنظار آخر .. منظار الحياة الكبيرة الواسعة، والّتي هي أكبر من أن تنحصر في مشاعر تمتدّ على بضعة أشهر، أو تُختزل في بضع نظرات تفيض عطفا وشعورا ..
أمّا هو، وبالرغم من أنّه كان يتميّز بجرأة خاصّة .. إلّا أنّ جرأته تلك كانت تخونه أمامها، وكانت تنهزم كلّما همّ بأن يبادلها ولو كلمة واحدة .. فما أن تلتقيا أعينهما في لقاء عابر حتّى يستولي عليه الضعف، فيشلّ لسانه وحركته، وينسحب خائبا يجرّ خلفه تلك الجرأة الّتي ما كانت إلّا دليلا على ضعفه وخوفه .. 

لكنّه عزم أخيرا على مكاشفتها ببعض ما يختلج في أعماقه ..
وأن يحطّم تلك الرهبة الّتي تجعله طفلا صغيرا أمام نظراتها. لقد قرّر أن يسبقها إلى بوّابة المدرسة حيث تخرج هي مسرعة في نهاية الدوام .. هناك سوف يستجمع كلّ قواه ويستنفر كلّ جرأته ليعترف لها بكلمة واحدة .. كلمة واحدة أصبحت تدور حولها أيّامه ولياليه كلّها .. كلمة هي أكبر من كلّ هذا الوجود .. لكنّ قلبه قد اتّسع لها، فأصبح يتمرّغ في نعيمها ويتقلّب في جحيمها في آن واحد ..إنّها تقترب من البوّابة .. تُقبل نحوه ترافقها قوّة الأرض جميعا .. تلك النظرة السحريّة الّتي تكتسح كلّ شيء أمامها فتحوّله إلى تابع يسير خلفها ويقتفي أثرها .. لقد علا الضجيج في داخله .. وفرّت أنفاسه هاربة من مواجهة الموقف .. واحتدم الصراع في جنباته بين كرّ وفرّ .. لكنّه كان موقنا بأنّها اللحظة الحاسمة الّتي لن تتكرّر أبدا إن هو فرّط بها .. لقد أصبحت على بعد خطوة منه، فاغتنم نظرتها العابرة نحوه لينطلق لسانه قائلا :
- سميرة .. أنا ..
فتوّقفت ناظرة إليه نظرة تحطّمت وانهارت أمامها كلّ تلك القوى الّتي أعدّها والجرأة الّتي استجمعها منذ قليل .. فماتت الكلمات على لسانه ولم تجد هناك قوّة تدفعها إلى الخارج حتّى وهي ميّتة .. فشعر بنفسه تتقوقع على بعضها .. وغمر الدم وجهه الّذي تحوّل إلى قطعة حمراء ملتهبة .. لكنّها لم تُجب .. ولم تنبس ببنت شفة، بل واصلت طريقها. أمّا هو فقد بقي جامدا في مكانه شاعرا بأنّ عيون الكون قد أحاطت به ساخرة منه ومن خيبته .. وأنّ صوت هذا الوجود قد تحوّل إلى قهقهة تفجّر مسامعه، فنظر إليها مبتعدة في طريقها، وقبل أن تختفي عن ناظريْه التفتت نحوه بشبه ابتسامة اقتحمت ذلك الضجيج في داخله فصمت، واختفت عيون السخرية من حوله وخرُست القهقهة ..
إنّه ينظر إلى كلّ تلك الذكريات تموج أمامه على الصفحة البيضاء متعالية فوق الزمان والمكان، ومحطّمة كلّ عائق يقف في طريقها .. حتّى كادت الصفحة تفيض بها وتعجز عن حصرها .. ما أعظمك أيّتها الصفحة .. وما أغربك أيّها الزمن .. وما أضعفنا نحن البشر بين أصابع القدر .. إنه يخرج من دائرة الزمن .. ويكاد يشعر بأن ذلك الماضي لا يزال حيّا في نفسه .. فتلك الومضات هي الأولى الّتي أشرقت في قلبه .. وتلك النظرات هي السعادة الحقيقيّة الّتي جعلته يوما أسعد من في الوجود ..

لقد قام من كرسيّه متوجّها إلى الخارج .. إلى شارع صلاح الدين، لكنّه يتوّقف أمام البوّابة الخارجيّة للعيادة ناظرا إلى السيّارات وإلى المارّة، متابعا تلك الحياة الروتينيّة الّتي كانت وما زالت جزءً من حياة المدن وأهلها. وما هي إلّا دقائق معدودة حتى عادت تلك النظرة تستحوذ على داخله وتنتشر في محيطه .. فبدأ يشعر بقدومها  من الخلف محصّنة بقوّتها القديمة وجبروتها الأوّل .. ها هي تقترب منه .. لم يتغيّر فيها شيء، ولم تنفذ إليها أحكام الزمن .. ولم يمضِ على أمسه سوى يوم واحد، لكنّه ما شعر بالخوف، ولم يراوده أيّ ضعف، بل بقي واقفا في مكانه ناظرا إلى حركة الكون من حوله، حتّى بادرته قائلة :
- أحمد .. ما الّذي كنت تريد أن تقوله بالأمس ؟!

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان
:
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق