اغلاق

البحر، بقلم: ياسمين ابو الهيجاء عبد الحليم

جلست قبالة الشاطىء أتأمل موجاته المتلاطمة وقد تلاطمت معها روحي تبكي هموما عصفت بها. لم ألق بالا سوى للموجات وروحي الباكية لما ألم بها من هم،


الصورة للتوضيح فقط

أو بالأصح لما اعتقدت به هما ... فجأة وكنسمة صيفية باردة، أتتني امرأة في أبهى سنوات الانوثة في الثانية أو الثالثة والثلاثين. ابتسمت وألقت تحية لم أدر أين كانت البسمة في القول أم على الثغر. رددت التحية بجفاء اعتدت أن أقابل به الغرباء، فثقتي لم أعتد أن أهبها لأي كان، وسألتها ببسمة مشككة مرتابة: "عذرا أأعرفك؟".

لم تفارقها البسمة وقالت: " أنا فلانة"، سريعا وكآلة مسح بشرية، تمعنت فيها من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين. بدت امرأة عادية جدا بملامحها لولا تلك البسمة على الشفتين وبريق حزن في العينين، امرأة عادية جدا في قوامها، في ثيابها وقد قرنت الأبيض والأسود وغابا بين الجموع، عادية جدا في صوتها ونبرته التي لا تحمل تأويلا. ازدادت حيرتي، وازداد ارتباكي، وبمحاولة لإنهاء "ورطة الحرج"، هذبت قوام السؤال: " هل سبق والتقينا؟". اتسعت ابتسامتها وكبر شعوري بالبلاهة. وقالت: " أنا فلانة بنت المعهد في بلدك... رغم أنني أكبرك بسنتين إلا أنني كنت معك في ذات المدرسة بنفس الشعبة ولكن بصف آخر... ألا تذكريني؟ أنا أذكرك جيدا...".
من كل ما قالت، لم يهزني شيء قدر كلمة " معهد"، في قريتي أطلقت هذه الكلمة على مؤسسة تأوي فتيات من مختلف القرى والمدن المجاورة، فتيات نزحن من بيوت عم الدمار والخراب فيها ما بين اليتم والطلاق والتشرد والفقر... فكان المعهد ذاك البيت الكبير الذي يحوي فتيات "مختلفات" فيهن من القوة ما فيهن من الضعف، درسن معنا وكنا زميلات وصديقات... إلا أنهن بقين "بنات المعهد" المختلفات الغريبات نحبهن ولا نعرف عنهن إلا القليل.. أو لا نريد أن نعرف عنهن إلا القليل ...

باندهاشي، أخذت تسرد علي تفاصيل عفا عنها الزمن عني وعن صديقات الطفولة والمدرسة
تفاصيل قد غابت منذ أكثر من خمسة عشر سنة، وأنا لا أزال أحاول تذكرها وتذكر ما تمليه علي تفاصيلها... وكمصاب بفقدان ذاكرة بدأ يسترجع ذاكرته.. رأيتني أستعيد شريط ذكريات قد اندثر بالغبار ... ألتقط منها طرف الخيط وأشد وأعصر ذاكرتي حتى ألحق بتيارها... تبدو سعيدة جدا، وأبدو مندهشة جدا ...
تعرف عني كل شيء، تمطرني بمعلومات قلة من الناس من يعرفها عني، وتبتسم وكأم حانية تسرد لطفل حكاية قبل النوم ولي حكاية بعد الصحو. أبتسم بدوري وأزداد خجلا ... كيف لم أعرفها؟ تبا لذاكرتي الحمقاء تتمسك بتفاهات ولا تدرك المهمات!
أتمالك دهشتي، وأسألها: "ماذا فعلت بك الأيام؟"، بسذاجة غروري ظننت أنها ستبدأ بالبكاء، وتتحسر على حياة تعيسة، خسرت فيها كل شيء، إلا أنها وكما فعلت منذ البداية استمرت في إدهاشي وقالت: أنا بكل خير، تزوجت ولي ثلاثة أطفال وزوج رائع، نملك دكانا لبيع الورود ونسكن في حيفا قريبا من البحر"، لحظة... ماذا؟ وماذا عن التعاسة والبكاء والهموم والمعهد؟ كل تلك الاسئلة تشابكت في ذهني وازداد اندهاشي، وعادت لتسألني بدورها عما آل في ولكم سرت عندما علمت عن تعلمي وعملي وزواجي وأطفالي وكأنها أخت شاركتني رحما واحدا ... أعطتني رقم هاتفها ودعتني لزيارتها وزيارة متجرها ... كتبت الرقم كالمشدوهة وابتسمت لأودعها ... غادرت بكل رقتها وقوتها وجمالها. وبقيت أتأمل سحر ما تركت وأتأمل تفاهة ما أسميته ب "همومي"، أي "هموم" تلك التي أتحدث عنها؟ أي معترك حياة خضت بجانبها؟ أي أثقال حملت مقارنة بها؟ وابتسمت حينها ... ابتسمت للبحر ولها ولقلبي ...

لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق