اغلاق

حول رواية مثلّث توت الأرض للكاتبة ميسون أسدي

صرخة عالية.. ما الذي يحدث هنا؟! .. أهدتني صديقتي الكاتبة ميسون أسدي روايتها "مثلّث توت الأرض" الشّهر الماضي، وقد أنهيت قراءتها أمس.

 
 رواية "مثلّث توت الأرض" للكاتبة ميسون أسدي

ها أنا أعاني من شعر في عظمة في القفص الصّدري بسبب إصابة عقب محاولة إعادة إحدى شبابيك شقّتي إلى مكانه بعد تنظيفه، أشرب الشاي وأدخّن السّيجارة، وأستطّعم روح هذه الرّواية للكاتبة المحلّية ميسون أسدي. إن ميسون من مواليد ال63، ولدت في قرية دير الأسد وتسكن حاليا في مدينة حيفا.
يبدأ الكتاب بوصف موقف، وهو موقف بطلة الرواية رجاء حيث تتّجه إلى المعيد في كلّية المحاماة وتطلب منه استشارة قانونيّة، فرجاء تريد أن ترفع دعوة ضدّ المجتمع بأكمله!! .

نرى هنا موقف رمزيّ، وهنا مقاربة مع رواية المحاكمة لكافكا
حيث بها يجد بطل الرّواية نفسه محاكم بلا أي تهمه واضحة. في الحالتان هنالك موقف غير واقعي ورمزي، خلقه الراوي لكي يزرع بنا تساؤلات عن معنى الحياة ومعنى مبادئ مثل العدل والمساواة. إن الرواية لا تتبع الأسلوب القصصي الشائع الّذي به تسلسل للأحداث بل مكوّنه من فقرات متتالية والتي خلالها تعاتب ميسون المجتمع وتصفه كما هو بكل ما فيه من جميل وقبيح.
على سبيل المثال، تصف ميسون حالة قتل ابنة عمها خنقا على يديّ زوجها، بكل ما فيه من شراسة وأسى. ففي ذلك واقعيّة ومواجهه للواقع. تتطرق ميسون للوضع الإنساني عن طريق الشّخصي، وتروي لنا تفاصيل مجتمعنا وحياتنا كما هي وبكل صراحة. تتخذ الكتابة أسلوب التأمل والملاحظة، وفي الرّواية مشاهد مشتّتة تجمعها فكرة معاتبة الواقع، بالفقرة المعنونة بـ "دكتور أنقذني" تصف البطلة رجاء حالة بها تبدأ بالهلوسة والاعتقاد بأن هنالك شخص يريد أن يقتلها فتلتجئ إلى الحكيم.
إنّ وضع رجاء هنا ومرضها جاء ليس ذنبها هي وحدها بل ذنب المجتمع بكامله. فالمجتمع بكاملة مسؤول عن معاناه رجاء، وهي تحاسبه وكأنه كيان مستقل وحيّ. ما هو المجتمع؟ هنالك عدّة توجّهات للإجابة على هذا السؤال في العلوم الاجتماعيّة، منها ما يقول أنّ المجتمع هو نظام يحكم تصرّفات أفراده عن طريق قيم ومعايير، ومنها ما يقول أن المجتمع موجود فقط في مخيّلة أفراده وهو وهمي ولا يوجد له كيان حقيقيّ. ميسون تتطرق للمجتمع في "مثلث توت الأرض" ككيان حقيقي حي ونابض يمكننا مخاطبته ومعاتبته، وبذلك الكثير من الشّاعريّة والجّمال.

إنّ ميسون تلتجئ كثيرا للتأمل
والفلسفة الوجوديّة تحكي عن التأمّل وتحليل الواقع كنتيجة مباشرة لعمليّة الإدراك. فإننا نرى ونسمع ونحس الخ.. وعندها يوجد أماكن في الدماغ التي مسؤولة على استخراج المنطق المفيد من المعلومات المزوّدة عن طريق الحواس، وهاذا هو الإدراك. بإمكان الإدراك بأن يؤثر تأثير شديد على تفسيرنا للواقع وتحليلنا له، وحتى على عمليّة اتخاذ القرارات. هنالك الكثير من التأملات وهنالك الكثير من التفسيرات التي ربما هي نتيجة لتأملات وأحاسيس وعمليّة إدراك مختلطة بعضها بالبعض.
هنالك أغنية بعنوان "ما الذي يحدث هنا؟" لفرقة الروك الأمريكية المكوّنة من نساء فقط "فور نون بلوندز" والتي تقول "حين أستريح بفراشي، لكي أدرك ما يحدث لي، وأرى أن الأمور غريبة، عندها أنهض عن السرير وأصرخ بعلو صوتي "ما الذي يحدث هنا؟" وميسون من خلال هذه الرّواية تصرخ أيضا "ما الذي يحدث هنا؟"، فهنالك أشخاص تموت خنقا. مجتمع فاسد يفتقد إلى العدالة. صواريخ تنزل من السّماء فوق رؤوسنا. ماذا يحدث لنا، ولماذا أيها المجتمع لا تتغيّر للأفضل.

ومن هذا المنطلق، فهي تحاسب المجتمع. هنالك أغنية أخرى أستمع إليها من حين إلى آخر، وهي بعنوان "مجتمع" للمغني الأمريكي "إيدي فيدر" والتي تقول "يا أيها المجتمع، يا أيها المهووس، أتأمّل أنك ليس وحيدا بدوني" وهنا يوجد تشخيص للمجتمع وكأنه شخص حي ذو قلب نابض. بما أن الأنسان حيوان اجتماعي، فإن لديه الحاجة بتشخيص المجتمع، فنحن بحاجه لفهم ظواهر اجتماعيّة، ومن الصّعب علينا أن ننظر إلى أنفسنا كأفراد منفصلين عن بعضنا البعض. فهناك "إيدي فيدر" الذي لا يريد أن يشعر المجتمع وحيدا بدونه، وهنالك رجاء بطلة رواية مثلّث توت الأرض للكاتبة ميسون أسدي، والتي ترفع قضية ضدّ المجتمع.

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق