اغلاق

وَخرجت السّمكةُ من بحرها، بقلم: نديم ابريق - ابو سنان

جلسَ أديب صباحًا على شرفتهِ الّتي تطُلّ على الشّارع المحاذي للبيت، ونظرَ إلى السّيارات والمُشاة المُتّجهين نحو المدرسة، سيارات تقلُّ المُعلّمين،


 نديم ابريق
 

والمُعلّمات وأخرى يقودها أولياء أمور، يُحضرون أولادهم إلى المدرسة. أوشكت عقارب السّاعة أن تُعلن تمام الثّامنة صباحًا، وما زال الشّارع يكتظ بالمركبات وبالطّلاب الّذين يسيرون ببطء غريبٍ، دون اكتراثٍ لتأخرّهم عن المدرسة، رغم دقات الجرس، والّتي  تُسمع من بعيد لتُعلن عن بداية يومٍ دراسي جديد، ينهلّ الطّلاب فيه ما استطاعوا من ينبوع العلمِ والمعرفةِ ...
احتسى أديب فنجانًا آخر من القهوة الصّباحيّة الّتي أعدّها لنفسه كما يفعل كل صباحٍ، بعد أن تغادر زوجته البيت مُتجهة إلى مكان عملها، ويُغادر أولاده المنزل متُجهين إلى أماكن دراستهم، فيبقى وحيدًا في البيت، يُرافقه فنجان القهوة وسيجارته وهاتفه الخلوي ..

نظر إلى ذاك الهاتف الخلوي، وأخذ يداعبه. نظر إلى الصّور ، ثم إلى قائمة أسماء الأشخاص المُسجّلة فيه، فلفتَ نظره أنّ القسم الأكبر من هذه القائمة هو لزملائه السّابقين في العمل، والّذين عمل معهم ورافقهم  لسنوات طويلة، هؤلاء "الزّملاء" الّذين لم يسألوا عنه حتّى لو لمرة واحدة منذ أن قرّر الخروج إلى التّقاعد. لقد أوشكت السّنة الدراسيّة على الانتهاء ولم يسمع صوت أحدهم يُهاتفه. نظر مرّة أخرى إلى هذا الهاتف الخلوي، الذي كان أحيانًا يُزعجهُ رنينهُ – اتصالات من الطّلاب الّذين درّسهم، ومن أولياء أمورهم المُستفسرين حول امتحانات أولادهم وعلاماتهم، واتصالات من "زملائه" المُعلّمين الّذين كانوا يطلبون استشارته ومساعدته في أمور شتّى، وها هو هذا الهاتف  يتحول الآن إلى أبكم، ونادرٌ ما يُسمع رنينه...
لقد تغيّر كل شيء في حياة أديب منذ أن ترك المدرسة مع نهاية السّنة الدراسية المُنصرمة، حين قرّر الخروج إلى التّقاعد، بعد عمل مُضنٍ في سلك التّعليم تجاوز الثلاثة عقود. لم يكن القرار سهلا بالنسبة له، لا سيما وأنه قضى القسط الأكبر من حياته بين جدران المدرسة ، وكانت المدرسة بالنسبة له عبارة عن بحر واسع جميل  أجاد العيش فيه، فربطته و"زملاءه" وطلابه علاقة قوية ومتينة، وكان يشعر في البداية بالمتعة في عمله، حيث كانت علاقته مع المُعلّمين ليست مجرد علاقة عمل، وإنّما صداقة حقيقية وعلاقة أخويّة، ولكن الأمور تغيرت وأضحى يشعر بأنّ هذه العلاقات الطيبة أخذت تتلاشى ، فَلِعامل الجيل دوره، حيث امتلأت غرفة المعلّمين بمُدرّسين جُدد صغار في السّن، وبات من الصّعب التّواصل معهم ، كذلك اكتظت غرفة المعلّمين بالمعلّمات، اللاتي أصبحن القسم المُهيمن على غرفة المُعلّمين، ناهيك أن نوعية المعلّمين قد تغيرت في هذا البحر الجديد، حيث تميّز قسم من المعلّمين الجُدد بالأنانيّة وحُبّ الذّات، وأصبح كل همّهم التّقدم السّريع، حتى لو على حساب زملائهم الآخرين .

 في بداية مسيرته كان يشعر وكأنه سمكة في هذا البحر السّاكن
وبأنّ لا حياة له خارج مياه هذا البحر، ولكن عندما تبدلّت الأمور أخذ يراوده احساس بأن لا مكان له في هذا البحر، الّذي فقد الكثير من روعة هدوئه وسكينته، وفقد الكثير من صفائه، وأخذ ينتظر اللحظة المناسبة للخروج منه إلى شاطئ الآمان، حتى إذا ما وصلت السّنة الدراسيّة إلى نهايتها، وإذ به يُفاجئ الجميع، حتى أقرب الناس له ، بقرار خروجه إلى التّقاعد...
في البداية شعر أديب بغبطة لا مُتناهية، فقد بدأ يستنشق الحرية التّامة وعدم الالتزام ، أحسّ بأن لديه مُتّسع من الوقت أن يفعل ما يشاء متى يشاء . أخذ يعوّض نفسه عن الأيام العابرة، التي كان فيها سجينًا في المدرسة ، فأكثر من النّزهات وزيارة الأصدقاء والقراءة، ولكن رويدًا رويدًا بدأ يشعر بنوعٍ من الفراغ المقيت في حياته. بدأ يدرك بأنّ نظرة النّاس والمجتمع إليه قد بدأت تتغيّر، حيث  تلاشى  الاهتمام به إلى درجة كبيرة، وحتى الطّلاب الذين درّسهم في الماضي وله الفضل عليهم لم يبدوا أيّ اهتمام  به حينما كانوا يصادفونه في الأماكن العامة، والطلاب الجُدد لا يعرفونه، أصبح بالنسبة للناس وللمجتمع مجرد مُدرّس متقاعد - ليس الا  !!! أخذ يشعر بأنه مجرد سمكة خارج بحرها، وكيف للسّمك أن يعيش بدون مياه ؟ وكيف للسّمك أن يتحرك وأن يتنفس وأن يتنقّل وهو خارج بيئته الطبيعية ؟ ولكن ما عساهُ فاعل !؟ فعندما كان في البحر كان يشعر بأنّ لا مكان له فيه ، وعندما خرج منه أخذ يشعر بحنينٍ إليه ؟ .

 فجأة سمع أديب رنين هاتفه الخلوي. نظر وتمعّن ولم يصدق ما رأت عيناهُ. إنه اتصال من مدرسته ، تلك المدرسة التي لم يتصّل أحد به منذ أن تركها . ترى من المُتصل ؟ أي "زميل" تذكرّه بعد غياب سنة ؟ لما تذكروهُ ؟ أسئلة عديدة راودته خلال محاولته الرد على الاتصال ...
- ألو ، استاذ أديب ؟
- نعم ...
أجاب وقد ابتهج  حينما سمع كلمة " أستاذ "، والّتي لم يسمعها كثيرًا في المدة الأخيرة.
- أنا سكرتيرة المدرسة ، كيف الأحوال ؟
- الحمد لله ، فأنا ...
- استاذ أديب ، سأطلب منك طلبًا بسيطًا ، اذا سمحت.
- تفضلي، اطلبي ما شئت ...
- أنا أريد أن أرسل آذن المدرسة إلى  بيتكم لتعطيه مفاتيح خزانتك، لأننا نريد اعطائها لمُدرّس جديد في المدرسة . نهارك سعيد.
- نهارك ...         

لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق