اغلاق

موطني، بقلم : بيان العطاونة

موطني موطني الجلال والجمال والسناء والبهاء


الصورة للتوضيح فقط


في رباك في رباك

والحياة والنجاة والهناء والرجاء

في هواك في هواك ..

هل اراك هل اراك ؟

سالما منعما و غانما مكرماً ..

على دندنة هذه الكلمات العريقة والتي ليست ككل الكلمات في بيت بسيط يملأه الحب والسلام بعيد عن أنظار وضجة المدينة .. كانت توقظنا والدتي في كل صباح يطل علينا من جديد لتذكرنا وللمرة اللا عدد يساويها أن هذه الكلمات هي أمانة في رقبة كل منكم ،أمانة سلمها إياكم الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، لم يكن هذا الأمر الوحيد  المميز في صباحنا مع أمي فحسب وإنما الألغاز التي لطالما كانت تتفوه بها أمامنا حين نتناول وجبة الفطور، تلك الألغاز التي عجزنا عن حلها نحن أطفال الامس وادركنا معانيها حين أصبحنا كبار وَيَا ليتنا لم نكبر ،وفي وداعها لنا وقت الانطلاقة الى المدرسة كانت تترك وصايا لكل منا تختلف مع اختلاف الأيام الا انها تعود لنفس القضية،جمل بسطية في حروفها وعميقة  بمضمونها  مثل " إياكم والتخلي عنه " ،"مهما إختلفتم لا تختلفوا " ،"أنتم أخوة تعلّموا أن تتوحدوا دائما " ،"لا تسمحوا للغريب في الدخول بينكم فيفرقكم" ..
في الحقيقة أننا لم نكن نفقه ما تقول الا اننا نكتفي بقبلتها لنا ونغادر لنشق طريقنا ..
تُشرق الشمس وتغادر..
يأتي  الليل ويرحل ..
وحال هذا الصباح وما يحمل فيه من رسائل لم يتوقف حتى آخر نفس لاُمي ..

مرت السنين
مرت السنين ورحل جسد  أمي عنا الى العالم الاخر،أما عن روحها فهي حاضرة يستحيل لها أن تغيب ..ليس لانها فقط أُم كانت تغرق اطفالها حُبا وحناناً ..بل لانه في كل مرة كنتُ أكبر فيها ويزيد عمري رقماً ,كان ظلِ أمي  ووصاياها لنا يظهران أمامي الا  في وقت يتخلى فيه ظلي  عني متوحداً مع سواد الليل فيغيب كغياب العدل في اوطاننا ..إذاً فكيف لها أن تموت؟
أذكر وليتني أُصاب بزهايمر حتى أنسى هذا ،أنه في إحد المرات حين قررت القيام بزيارة  بيت أمي بعد سنوات طويلة من وفاتها ،ذلك البيت الذي اهمله إخوتي إنشغالاً في الحياة وطرقاتها ،ولأنني الأكبر من بين إخوتي والأكثر مسؤولية كما كتبت أمي في وصيتها الاخيرة فهذا ما لامسته فيني حين كنّا أطفالا فكثيراً ما قد ساعدتها في تربية إخوتي الصعبة ،طلبت مني وهي على فراش الموت  أن أزور بيتها على الأقل في كل عام لانظفه وأعتني بالزهور  حتى " لا يُقتل ربيعها" ،وأعتقد أن ليس هذا السبب الأهم في اصرارها على زيارة بيتها ،بل  ان المهم  والهدف  كما استنتجتُ  فيما بعد من طلبها  هذاهو في أن أقوم بفتح الرسائل التي تركتها في صندوق خشبي يرتكن في احد زوايا بيتنا القديم   والذي ينام الغبار عليه ليلاً ونهاراً ..
وفعلاً  نفذت وصيتها ،فقد كنت أقوم بفتح رسالة في  نهاية كل  عام  كما شاءت، وكل الرسائل التي فتحتها في السابق كانت تعني أشياءً كثيرة ومهمة ساعدتني على فهم ما الذي حاولت سنين طويله أن توضحه وإن لم يكن مباشرة، فالامر الابرز كان أن لا ننسى قضيتنا،وأن لا نخون الوطن مهما كان الثمن ،أن نكون حذرين دائماً  من الفتن ومحاولات الاصطياد التي وقعنا فيها اليوم ولا اعلم إن كنّا قد نخرج من هذه المصيدة ..كل الكلمات والمعاني التي اشارت اليها لم تكن عبثاً بل أن هناك سبباً قوياً خلفها هذا ما توصلت اليه من تحليلات ،فأمي ليست بمحللة سياسية أو مشعوذه  حتى تخاف من وقوع أحداث فعلا ها هي تحدث اليوم ..
اليوم قطعت الشك باليقين بعد  قراءتي لتلك الرسالة الصادمة والتي كانت بمثابة مفتاح لي لفهم ما َسبّب لامي كل المخاوف وإصابتها في حدوث ما كانت تخشاه ..

منام
ففي أحد ليالي الصيف بينما كان ينام الجميع، رأت أمي مناما ً غريباً في الاول إعتقدت أنه كابوسا نظرا للارهاق والتعب التي تتعرض له خلال النهار، الا أن زيارة  هذا المنام بدقته وغرابته كل ليلة كان أمرا مثيرا للخوف والقلق ،حتى أنها في مرة من المرات حتى تتاكد انه بليسَ مجرد كابوسا ،قررت ان لا ترهق نفسها خلال النهار وحتى أنها أصبحت تتوضأ وتصلي ركعتين وتختمها بقراءة بعض الآيات القرانية الكريمة وتنام واضعة يدها تحت رأسها على جهة اليمين كمان كان يفعل الرسول محمد، فهكذا نصحها احد شيوخ الدين حين شاركته ما يحدث معها ،ومع هذا كله عاد هذا الحلم ليزورها مرة اخرى وبالصورة ذاتها وتذكرها لتفاصيله خلال النهار ..أكد لها ان هذا الامر انه ليس مجرد كابوسا بل أنها رؤية ..
فقد كانت ترى أن اخوتي يقفون متفرقين ينظرون الى بعضهم البعض بغضب وكره  ،وكل منهم يرتدي لباسا غريب وكأنه يمثل حزب سياسي أو ديني معين، وما بينهما جثث كثيرة بينها اطفال وشيوخ ونساء ملقاة على الارض يكسوها الدم  ويحيطها دمار شامل للبيوت والشوارع والأخضر لا مكان له هنا.. ومن بعيد كانت تقف فتاة شقراء شعرها ذهبي عيناها زرقاوان تبتسم إبتسامة ثعلب  وتغادر تاركة خلفها نيران تحترق حاملة في يدها ثروات هؤلاء الإخوة  ..هذه هي الرؤية التي رافقت أمي كثيرا لتتركها لي في رسالتها الاخيرة بعد سلسلة رسائل كانت مقدمة تمهيدية  لهذه الرؤية ..
وبالفعل تحولت رؤية أمي  الى حقيقة مؤلمة تحت أكذوبة أو وهم  " الربيع العربي " ،حتى هذه اللحظة لا اعلم أي ربيع هذا ؟،كيف لربيع أن يحل علينا بدون زهور؟ بدون ألوان ؟ فأي زهور هذه التي ستنمو فوق الدم العربي الرخيص ؟ أي ألوان ستردتي بعد أن تحول وطننا العربي الى وطن رمادي منهار؟!  أين فراشات هذا الربيع؟ ليتحول هذا الربيع الى خريف فجاء لمن لم يسمع  يوماً عن عالم المؤامرات والمصالح الدولية، أقف عاجزة حتى عن ترتيب ما أقول وما آصف حول ما يحدث من أحداث إنقلابية ،من أين ابتدأ  ومن أين أُنهي حديثي  ووصفي عن  ما َنمُر به من أوضاع حساسة ومصيرية يكون ضحيتها الشعوب التي تتفكك ،نساءها تُغتصَّب ،اطفالها يقتلون بدم بارد،كبار السن يُذلون في أخر ما تبقى من سنين عمرهم .. من منهم الحق ومن منهم الباطل ؟

ثورات تحولت الى دمار
تونس التي كانت المحطة الاولى لاشعال هذه الثورات ،والتي قد تكون فعلا ثورات في انطلاقتها ومحاولات لإنهاء زمن الطغاة وهذا حقيقياً لو انها استمرت بدون تدخلات خارجية قد أوصلتنا فعلا لربيع عربي ،ولكن حينما تحولت هذا الثورات الى فرصة لكل من له مصلحة في تدمير العالم العربي بتعاون مع عديمي الشرف اللذين باعوا الوطن وتحالفوا مع العدو لاجل مصالح تعود لجيوبهم ..
كفيلم سينمائي لم ينتهي بعد، اخرجه الغرب وكان أبطاله نحن العرب ،هذا هو حالنا اليوم ،سواء كان في تونس او ليبيا او مصر أو حتى سوريا التي منذ قبل ايام عادت اليها المجازر في حلب التي تحترق  على أيدي أخوتها كما يقول الاعلام ، وصمت لا جديد فيه من العرب ..وانا هنا لا احاول ان انادي العرب لاجل ان ينقذوا ما تبقى من سوريا ،فمن َصمت عن إغتصاب العراق وفلسطين من قبل لن يتحرك ضميره النائم على خزائن الشعوب المستضعفة وما يحدث في حلب الان مثلاً ..
وفي هذه اللحظات الاليمة تذكرت كلمات أمي حينما أوصتنا مرة " إياكم والتخلي عنه " الان فهمت ما كانت ترمي اليه  ، فهي كانت تقصد الوطن وحب الوطن الذي يباع لاجل مصالح كلاب العرب، ولا أنسى كيف أوصتنا بأن لا نتفرق وان نتحد ،هنا كانت تقصد أن نتحد على الرغم من اختلافاتنا الدينيةوالسياسية ..سني ،شيعي ،درزي ،وغيرهم من الطوائف ،شمالي ،يميني ..لازلنا عالقين في هذه اللعنة في وقت وصل فيه الاخر الى القمر ..

متى
يقتل الأخ اخاه كما لو كان حيواناً في وادي الذئاب ،أي دين هذا الذي يسمح بالقتل ونزف الدماء وانتهاك أعراض بَعضُنَا البعض  ؟ ليتهم يعلمون ان الأديان بريئة من معتنقيها ..
وانا هنا لا أعاتب ولا الوم فهذا اصبح "علاك مصدّي "  من زَرع ألفتن بيننا لا بل أنني الوم تخلفنا وجهلنا اللذان قادانا الى هذه المرحلة العصيبة التي ولدت دمار وانهيارات وقتلى بالملايين ولاجئين في كل مكان ،الوم كل حاكم عربي باع الوطن ووضع شعبه تحت " سرمايته" .. عفوا عفوا اقصد عملاء العرب وليسوا بزعماء العرب !
ومثلما قال احد مجانين هذا الزمان " كلو بيجري ورا الكرسي والكرسي يا حرام رجلو مكسورة "!
متى ستعود الأندلس لنا ؟متى سيعود الياسمين ليُزهر؟
متى نفهم ان الأديان  أسمى وأنقى مما تفعلونه بإسم الدين ..الأديان تعني المحبة والتسامح والاخوة ..
متى ستصبح حرية التعبير والراي أمراً مقبولاً وطبيعياً ؟
متى سيُصبِح اتجاهي السياسي أمرا يعود لفكري الخاص بي وفي اختلافي معك في اتجاهي لا نصبح أعداء؟
متى سيُعاقب هؤلاء من صمتوا عن جوع وفقر شعوبهم ؟
متى سيعود هؤلاء اللاجئين اللذين يموت نصفهم غرقاً والآخر يموت جوعاً أو غربة حتى؟
متى سيُصبِح لدينا اعلاماً شريفاً ينقل الوقائع بعذريتها لا بنقل الصورة التي يرغبونها؟
كلها اسئلة تركتها خلفي  مع اخر رسالة لامي انتظر من الزمان ان يجيب عليها ..
هذه الكلمات هي شهادة على فاجعة صادقة على مرحلة مظلمة من حياة العرب في العصر الحديث ، سأتركها لأحفادي يوما ما ..
ولأترك باب منزل الماضي مفتوحا ً لأحيي نشيدنا الوطني لكن بكلمات مغايرة تتلائم مع الوضع الراهن ..

موطني موطني

 السلام في الأحلام

والملوك كالاصنام

صامتون صامتون

يرقبون ذلنا يخططون ضدنا

خائنون خائنون

هل ترى حالنا ؟

اموالا مبددة واجيلا مهددة

والشعوب  تذوي تذوب من ظلم الحروب 

موطني موطني

لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق