اغلاق

رومانسية وحروب .. هكذا حملت بلداتنا العربية اسماءها

أماكن كثير في بلداتنا العربية نعرف اسماءها لكننا نجهل مصدرها، وكثيرا ما نجهل حتى مصادر تسمية قرانا ومدننا، او تختلط علينا الروايات. د.عامر دهامشة الباحث في العلاقة


د.عامر دهامشة

وهوية المكان يأخذنا في جولة يتوقف من خلالها عند الكثير من التسميات التي تطرق اليها في بحثه حول الموضوع، ويلفت في معرض حديثه الى ان الكثير من
البلدات العربية حملت أسماء مصدرها ذكوري ، بينما أعطيت أراض ووديان، أسماء تحمل دلالات أنثوية.

من هو د.عامر دهامشة؟
من مواليد قرية كفركنا حاصل على الدكتوراه في الأدب العبري من الجامعة العبرية في القدس. حاصل على شهادة المعلم القطري المتميز للغة العبرية وآدابها من قبل شبكة اورط في سنة 2004-2005 مختص في بحث العلاقة بين الأسماء وهوية المكان كما تنعكس في القصة والوحدات الأدبية، وحاصل على منحة بوست دكتور من جامعة تل ابيب، وفي صدد اصدار كتاب  في مجال المسميات الجغرافية  العبرية والعربية، بتبني ورعاية جامعة بئر السبع.

ما هو مصدر  مسميات وأسماء الأماكن حسب البحث الذي أجريته ؟
يقول الدكتور عامر:" من الخطأ البحث عن المسميات العربية الفلسطينية في المعاجم والقواميس لان التسمية هي شفوية اختيرت وفقا لحوادث جرت في المكان ووفقا لعادات وتقاليد ساكني المكان.هنالك علاقة مباشرة بين الاسماء العربية الفلسطينية، وبين المسميات (الاماكن). أي ان فحوى الاسم مأخوذ من صفة المسمى. الاسماء العربية الفلسطينية تعكس واقع المكان واحداثه، جدير بالذكر ان تلك الاسماء قديمة وليست وليدة اليوم، فمثلا: الفلاح الفلسطيني الذي فلح الارض، واكل من خضارها وحبوبها، والتجأ الى مغرها اثناء فصل الشتاء، لم يكن بحاجة لان يخترع اسماء وان يأتي بأسماء دخيلة. مثال على ذلك مغارة (المشتى-في عين ماهل) سميت كذلك لان الرعاة كانوا يختبئون فيها اذا داهمتهم الامطار".
واضاف دكتور دهامشة:" اسم المناطق يعكس الحضارات والثقافات التي مرت من المكان: عربية, بيزنطية, لاتينية, يهودية،فمثلا  دير حنا- نسبة الى احد القادة الصليبيين، والذي دعي في حينه (يوحنا)، وهذه (قيساريا) تدل على ان اسمها من اصل روماني، واما كوكب ابو الهيجا- فتنسب الى احد قوات صلاح الدين والذي يدعى ابو الهيجا)".

البلدات تحمل اسماء ذكورية بينما قسائم الاراضي والوديان لها دلالات انثوية
ووفقا للبحث الذي اجراه الدكتور دهامشة، وصل الى نتيجة، بأن "اسماء القرى والبلدات العربية، تحمل اسماء ذكورية. اسماء قادة سياسيين، رجال دين، زعماء، رؤساء قبائل وغيرها، بينما كان حظ الانثى والمرأة من نصيب قسائم الاراضي والوديان، التي تقع في داخل حقول القرى العربية، وتقبع في اطرافها، بعيدا عن "العين الخارجية"، ولا يعرف اسماء تلك الامكنة غير قاطني القرية نفسها.
مثال على ذلك: قرية المشهد تنسب حسب القصة المحلية, الى صلاح الدين الذي شاهد موقعة حطين، اثناء وقوفه على احد التلال الواقعة في القرية. أي ان التسمية نسبت إلى قائد عسكري. بالمقابل  فهناك وفي داخل المشهد مغارة تدعى مغارة وردة, ووردة هذه كما يروى امرأة قتلت ورميت في هذه المغارة.مثال آخر حجر الحطابات في كفركنا, يدعى كذلك الحطابات اثناء عودتهن إلى القرية كن يلقين بحزم الحطب على هذه الصخرة ويسترحن في ظلها.
الوعي الذكوري للمجتمع العربي الفلسطيني ورؤيته المتباينة للمكان، يتضح أيضا من خلال  تسمية أراضي غير خصبة وغير منتجة, بأسماء تنتهي بدلالة لغوية أنثوية ( وليس ذكرية) على سبيل المثال ‘المفلسة‘ وهي قطعة ارض دعيت كذلك لأنها لم تكن تعطي غلالا وافرة".


الاسماء العربية تتسم بالشاعرية والرومنسية
وأشار الدكتور دهامشة، الى أن "من مميزات الأسماء العربية انها تتسم بالشاعرية والجمال. فهذه ارض العرايس في كفركنا, سميت كذلك لان هذه الارض كانت تعطي أفضل منتوج من الغلال, وكانت نظيفة وتخلو من الحجارة والأشواك, ومرتفعة عن الأراضي التي تحيطها. أي هي تتميز عن غيرها كما تتميز العروس يوم زفافها. وهذه منطقة اخرى دعيت كحيل العين، وجبل اخر دعي شبابيك الهوى،  وأم الزينات, كانت بلدة على الكرمل, دعيت كذلك لان فتياتها كن جميلات الطلعة . ودرب العرسان, هي الطريق المؤدية إلى أم الزينات, في هذه الطريق كان يسير الشبان الذين يبحثون عن عرائس في تلك البلدة ."

حسن الاستعارة
"وادي اكسيلان في قرية المغار(أي الكسول) دعي كذلك لأنه شحيح ويجري مرة كل 10 سنوات. وبعكس وادي الكسول، فهذا وادي (الهبول) يجري بعد هطول المطر الاول، أي انه يجري بالرغم من انه لم يتشبع بعد بالماء.اسم آخر وادي الجمل, ودعي كذلك  لان أي مخلوق لم يستطع الشرب من مياهه  سواء كان الإنسان أو الحيوان باستثناء الجمل بفضل رقبته الطويلة.
نستذكر اسما آخر يدل على عدم رضا الفلاح الفلسطيني، فاسم (جهنم) في قرية الطيبة الواقعة في مرج ابن عامر أعطي لقطعة ارض بسبب مناخها الحار الذي يعيق عمل الفلاح فيها، وما كان من الاخير الا ان اطلق اسما ساخرا عليها لينتقم منها".

ترشيحا
أضاف دهامشة: جميع هذه الأمثلة تبين شاعرية حسن التعبير والاستعارة التي تحلى به مانحي الأسماء العربية،وقمة هذه الشاعرية تتجلى في تسمية قرية ترشيحا:
يروى أن شاعرا خرج من بلده مسافرا، وفي طريقه شعر بالعطش، فرأى احد البيوت في طرف القرية، فقصده ليطلب الماء، وطرق الباب فأطلت عليه فتاة جميلة، فطلب منها الماء. وعادت الفتاة وهي تحمل جرة ماء على رأسها وقدمتها للشاعر، وعندما بدأ الشاعر بالشرب انتبه أن هناك شيئا من القش داخل الجرة, فقال: ‘نعم الشراب لولا ما فيه من القذى‘!
فقالت الفتاة:‘ لقد رأيتك عطشا عطشا شديدا، فوضعت القش داخل الجرة، لكي تشربه ببطء‘.
 فأعجب الشاعر بذكاء الفتاة ونباهتها وانشدها يقول:‘ورشحتني الفتاة بمائها ترشيحا‘.
وفي اعقاب اللقاء الذي جمع الفتاة بالشاعر، ولد اسم ترشيحا".

"عين النوم" في بيت جن
مثال آخر يبين حسن التعبير:" عين النوم، في بيت جن, سميت كذلك لان النساء كن يستيقظن في ساعات الصباح الباكر، ويذهبن لإحضار المياه، وبما ان العين شحيحة، فكانت المرأة تضع الجرة تحت مجرى الماء وتنام قليلا ريثما تمتلئ.
ميزة شاعرية أخرى تتضح من خلال الاسماء العربية المقفية : زمارين- طبالين, العلايل- الخلايل, المشارف،السدارات، السهلات، الهوايات..."

هل كان اتفاق وإجماع على التسمية بين سكان المنطقة, قبل إطلاقها؟
"مانحو الأسماء العرب لم يكونوا مندفعين في إعطاء الأسماء، ولم يكن الهدف تحقيق مكاسب سياسية وأيدلوجية. فالاسم الذي لاءم ظاهرة او حادثة معينة، هو الذي اعطي للمكان دون تردد.
في الناصرة مثلا سميت عين العذراء بهذا الاسم، نسبة إلى مريم العذراء التي كانت تغسل ثياب سيدنا عيسى في هذه العين.
وجبل القفزة، يعتقد أن سيدنا عيسى قفز منه إلى جبل طابور، فلم تكن هناك لجان وخبراء يجلسون لإعطاء الأسماء بعد بحث وتدقيق، إنما كان الأمر عفويا، وهذا ما جعل الاسم  يتصف بالبساطة وبالبعد عن تغييب الآخر.
وهذه الحريقة دعيت كذلك، بعد ان نشب فيها حريقا واكل الاخضر واليابس".


ما هو الحل للحفاظ على الأسماء العربية, للمناطق والبلدات؟
يقول الدكتور عامر :"إن الأسماء العربية تكونت على مراحل زمنية وهي ليست وليدة فترة معينة، فهناك مسميات من حقبة الصحابة، وأخرى من زمن الأتراك، وأخرى تحمل أسماء توراتية، وبيزنطية، وإسلامية، وأسماء لرجال محليين، فلاحين، فلاحات، اولاد...
وهذه الأسماء تعاني من الاحتضار، وعدم الاهتمام بتوثيقها على لافتات الشوارع، الاحياء والمعالم الطبيعية والجغرافية، وعدم الاهتمام بتداولها لهو أمر خطير.
لا يمكن اتهام الآخر دائما، فالبلدات العربية وحقولها ووديانها ومغرها، بكل ما تحمل من أسماء، تخلو من اللافتات التي تحملها.
في هذه الحالة لا نستطيع أن نتهم الوزير كاتس ولا لجنة المسميات الحكومية، لانه من حق كل سلطة أن تعين لجنة مسميات محلية ومن حقها القانوني ان تختار الاسماء التي تلائمها. فأين لجان المسميات الجغرافية في السلطات المحلية العربية؟
وفي النهاية، الأسماء العربية الفلسطينية تجسد هوية السكان المحليين الذين منحوها وكذلك تعكس علاقتهم وقصتهم ببيئتهم الطبيعية".



لمزيد من اخبار هنا الناصرة اضغط هنا

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق