اغلاق

مع بداية الخريف لا بد من وقفة، بقلم : د. رندة زريق- صباغ

ها أنت تشعر بضرورة خطوة ما تتلخص بوقفة مع الذات في بداية سيد الفصول، الا وهو الخريف... ها أنت ذا تعلن تضامنك التلقائي مع الطبيعة...



الطبيعة التي تأخذ بدورها استراحة المحارب المعطاء...
فبعد أن طرحت الأغصان ثمارها... وخلعت الأشجار أوراقها...
ها أنت تريح ناظريك من شدة ضوء وصراحة الصيف...ومن بهرجة الربيع المغرور بألوانه...
وها أنت على أهبة الاستعداد لاستقبال عتمة الشتاء وعنفه الذي يمازحك خفيفاً في الخريف.
ها أنت ذا تمتحن حبك للطبيعة، بأن تقف أمام أشجار عارية نحيلة...
أشجار صامدة بلا ثمار ولا أوراق...
فإنها الآن تكتفي بذاتها في مغالبة الريح...
فهل تراك قادراً أيها الإنسان على الاكتفاء بذاتك في مجابهة ما يدور حولك كما الأشجار!؟
تسقط الأوراق لتريك عوالم لطيفة حلوة...
فتظهر لك فجأة وقفة الطيور على الأغصان العارية المتمايلة بثبات...
إنها ذات الأشجار الوارفة كثيفة الأوراق التي طالما جعلها الهواء لعبته...والتي طالما داعبت هي الثمار والأطيار مستعينة بالهواء! تخفيها تارةً وتظهرها أخرى...تماماً كمن يداعب طفلاً بإغلاق العينين وفتحهما بالتناوب...يخفي الحقيقة ويكشفها له من جديد...فيفرح الطفل ببراءته الطفولية غير مدرك أنه لو بقيت الحقيقة في مخبئها لكان أفضل بكثير!
فان الوضوح أحياناً موجع لدرجة غير محتملة، فلا بأس إذن إن غابت عنا من الحقيقة أجزاء ولو أحياناً
إنها حال الأرض أيضاً...فهي الأخرى تبدو جرداء عارية...تخبئ أجنتها في رحمها الواسع وتنتظر لأجلهم حليب الغيمات الأول.. ترضعهم إياه. تغذيهم به، فتتحرك العوالم داخلها لتعود فتزهر من جديد وتزهر أو تنبت الخيرات والجمالات التي سرعان ما يغزوها الإنسان مقتنعاً حتى المنتهى بأنها وجدت لأجله وأنها من حقّه يفعل بها ما يشاء...
في الخريف- فان الإنسان يشيح بنظره عن الطبيعة...
بل قد تصل به الوقاحة لأن يلعن قحطها وقلّة عطائها المؤقت..
لا يدرك هو أن لهذه المرحلة من الكمن والزمان طريقة خاصة للعطاء! مميزة في السخاء...
فكيف يتناسى معظمنا أنه لا يمكن للصيف أ ينتهي دون أن تحل استراحة الخريف..!؟
كيف يتناسى معظمنا أنه لا يمكن للشتاء أن يطلق رياحه ويلقي حمولته من الأمطار بلا عملية تعبئة وحشد في أسابيع الخريف الأخيرة...!؟
مدرك أنت أن فصل الخريف هو الوحيد القادر على جمع سمات الفصول كلها (ثلاثتها) التي تلقى جميعها أصناف المديح وألوان الثناء والاعتراف بالجميل...ما عداه
أفلا يتبرأ منه الجميع مطلقين عليه شتى النعوت المحبطة؟ الصفرة.. الذبول.. التساقط...عتمة النفس وخيبة القلب واقتراب نهاية مشوار الحياة من خلال ما نطلق عليه خريف العمر؟!
أما أنت فترتاح في الخريف وللخريف... يستهويك هذا الفصل لكنك لم تعلن هذا سابقاً ..حتى لا يصفك أحد السفهاء بغرابة الأطوار والخروج عن المألوف!!
يستهويك الخريف وتميل نفسك إلى نشد الراحة وطلب النسيان وكبح الجموح.، فتكون النتيجة عكسية تماماً،  لكنها ترضيك بالنهاية.
في الخريف بعض من صحو الربيع...
بعض من حر الصيف...
وبعض من برد الشتاء الدافئ!!
وهكذا فانه-أي الخريف- الوحيد القادر على شحن ذاتك وروحك بشتى أنواع المشاعر والأحاسيس في آن معاً لتبدو أمام نفسك متخبّطاً غير مفهوم...فيزداد شجنك للوهلة الأولى...
وسرعان ما تدرك أنك في وضع طبيعي جداً وإنساني ...فها أنت ذا ترتاح مع الطبيعة أيضاً استراحة المحارب المعطاء...
وتفرح أكثر لأنك تدرك بوعي تام أن استراحة المحارب ليست بليدة أو غبية... كما أنها ليست استجماماً ومتعة عادية.... وتعي بادراك تام ، أنه ولكي يعود المحارب قوياً لا بد وأن يتصارع مع ذاته فيتصالح معها صلحاً متيناً أبدياً..
غالباً ما يكون الخريف سبباً أو مسبباً لهذا التصارع  والصراع فالتصالح....
ماذا لو أمكن للجميع أن يزيلوا الغشاوة عن أبصارهم وبصيرتهم!؟ فيحظون بشعور كل ما يتميز به الخريف من جماليات وصفات خلابة!!؟؟
ماذا لو أمكن للإنسان إدراك ضرورة سعيه لترويض غرائزه قبل العمل على ترويض الطبيعة وتجييرها لجشعه وطمعه ومصالحة الخاصة؟
 لو نجح الأنسان بذلك لأمكنه الاستمتاع بألوان الطبيعة الخريفية...وبالغيوم التي تأخذ أشكالاً ربيعية الخريف تذهله حتى المنتهى ...
لو فعل المرء ذلك  لأمكنه بالفعل فهم لغة البحر وأصدافه التي تأخذ طابعاً آخر في الخريف....
لو فعل لأمكنه مراقبة أسراب الطيور المحلقة في السماء بمتعة لا مثيل لها..
لأمكنه أن يجد متسعاً من الوقت ليمشي تحت حبات مطر الخريف فيغسل جسده، فكره ومشاعره اضافة لشعره وعروق جسده...
فلربما يعود نظيفاً مبدعاً ويبتعد عن الأنانية والحقد... يبتعد عن الغيرة والانتقام.



لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق