اغلاق

مقال: الشهيد المطران كابوتشي يقرع في القدس اجراس الحياة

في ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية من العام الجديد 2017، وفي اجواء اعياد الميلاد المجيدة، حيث يحتفل العالم بميلاد السيد اليسوع عليه السلام، حامل رسالة الحرية والمحبة،


عيسى قراقع رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين
 
نبي المعذبين والباحثين عن الحياة الكريمة والعدالة والسلام على هذه الارض ، رحل الراهب الثائر المطران هيلاريون كابوتشي بعد ان اضاء شجرة الميلاد معنا، وصعد بروحه الى الملكوت الاعلى راضيا مرضيا محلقا فوق سماء القدس.
الشهيد المطران كابوتشي، الفدائي الذي ترك وراءه ذخيرته النضالية والروحية دما وبشارات ونبوءات خالدات واسعات عنيدات: بقايا قيود تكسرت على سواعده في سجن المسكوبية ، بقع دم مضيئات لازالت على حيطان الزنازين، رسائل راهب الى اطفال فلسطين المطاردين والملاحقين قتلا واعداما واعتقالا، ذكرياته مع الاسرى في ليالي العتمة فوق الابراش وتحت السياط، صليب الحرية يتدلى على صدره ينبض ويدق مع قلبه كما تدق ساعة الميلاد.
رحل مطران القدس الذي امضى اربع سنوات في سجون الاحتلال، حمل القدس بأسوارها ومفاتيحها وتاريخها ومقدساتها وروحها الكونية معه الى المنفى بعد ان ابعد الى خارج الوطن، وظل الناس على خطى صلواته في المدينة المصلوبة من الوريد الى الوريد، ولا زالت الاجراس ترن في وجه الغزاة المحتلين والمتطرفين المستوطنين، فالمطران هنا في العاصمة ، في مدينة تسيرها تعاليم الله، تدر غزيرة على شوارعها ومعابدها حليبا وأولادا ومقاومة، ظل يمشي في حاراتها وبين كنائسها تحية للحرية، يمضي وقته كله يعد النجوم، يلتقط الغيم ويفيض في المكان والدعاء.

الشهيد المطران كابوتشي يقرع في القدس اجراس الحياة، يتسلح بالايمان وبالقنابل، ويقول: لا وعدا الهيا اعطى بني اسرائيل ارض فلسطين، لن يصلب المسيح مرة اخرى ونمشي في درب آلامنا طويلا طويلا راحلين ، فالارض لنا، سيدة لحمنا وعظمنا ولغتنا وانبيائنا ، ماؤنا الاول، شهقتنا الاولى، فالحياة لا تعاش ولا تطاق الا في القدس، فكل شجرة ، وكل حجر، وكل آية تحفر رعدها وبرقها ونارها في جوف حياتنا القادمة.
الشهيد المطران كابوتشي التقى مع الشاعر الاسير معين بسيسو، وأنشد خلف ظلمات السجون:
انا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
انظر الى شفتي اطبقتا على هوج الرياح
انا لم امت ، انا لم ازل ادعوك من خلف الجراح
وودع الشهيد الاسير عبد القادر ابو الفحم الذي قتل في ساحة سجن عسقلان، صلى عليه تحت النخلة ، وصرخ: هزي جذعك ايتها النخلة وأخرجي بنا من الجدران والاسلاك، واحملي الشهيد على جناح ملاك ، واكشفي لنا عن بصر التراب والحياة، وحركي في السجون رياحا غاضبة ، أيقظي عيون العدالة لترى ان ارضنا لا تتسع الا لموتنا وأجنحتنا الصاعدة.
الشهيد المطران كابوتشي هو الذي تمنى ان يتحول الفاتيكان الى مقر للمقاومة، وها هو الفاتيكان يعترف بالدولة الفلسطينية ويرفرف علم فلسطين عاليا فوقه، هي روما، نيرون مات ولم تزل بعينيها تقاتل ، وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل ، فالارض كلها في رحلة المطران كابوتشي سجادة واحدة.
يعود المطران كابوتشي من حلب الشهباء الى غزة هاشم الى القدس الذبيحة، البحر المتوسط بتموج كعمامته العالمية العابرة للطوائف والاديان ، يتوحد ويصلي في كل خندق ومسافة، لحيته الكثّة وابتسامته العريضة وإشراقة عينيه بقيت على ساحل غزة وهو على متن سفيتة الحرية ، يحمل الغذاء  والامتعة لأهالي غزة المحاصرين، يتهيأ للنزول على رمالها ليمارس اعياده الباقية.
الشهيد المطران كابوتشي رأيته في ساحة المهد في بيت لحم، شاركنا صلاة منتصف الليل ، وزع الحلوى على الاطفال، وانحنى على بلاطها ليسمع تحت الكنيسة صوت اشلاء تعرج على سلالم روحها، كان حصارا عام 2002 ، وكان قتلا ، وكانت هناك راهبة توزع الطعام على المحاصرين، والدواء والهواء والابتهالات ، تغطي الموتى بأوراق الشجر ، تنظر الى الايدي القاتلة، وتنظر الى الجرس في هذه الكنيسة كأنه جرة من الدمع ، والى تلك المئذنة يخرج منها الآذان كجرح يتأبط الارصفة.
الشهيد المطران كابوتشي راهب الوحدة الوطنية، فوق الطائفية وضد الذين سيّسوا الدين وجعلوا له اظافر للارهاب والفتنة والفاشية، وحدّ العباد وصلى في الجميع ، في الاديرة والجوامع ، توضأ بطين الوطن والعروبة، وتعمدّ بماء المحبة وجمال الروح الوطنية والاجتماعية، وقال هذا ثوبي ، وهذه كلمتي ، فاتبعوني الى فلسطين بصفاء قلوبكم وراياتكم العالية.
الشهيد المطران كابوتشي يقرع في القدس اجراس الحياة ، هم مسيحيوا الشرق، ملح الارض، زيت التراب الاحمر، يرحل المطران وبين عينيه وعلى كفيه اسماء مرت في التاريخ، كانت اجسادهم المعبد، والمشي على ارصفة القدس عبادة: الاب ابراهيم عياد، جورج حبش، اميل حبيبي، اميل توما، جورج عبد الله، وديع حداد، جبرا ابراهيم جبرا، اسكندر الخوري، مي زيادة، ميشيل عفلق، بندلي جوزي، القس اسعد منصور، عفيفة بنورة، بولس شحادة، انطون داود، وديع البستاني، ميخائيل نعيمة، بطرس البستاني ، جريس خوري، توفيق كنعان، جورجي زيدان، جورج انطونيوس، سليم قبعين، نخلة ازريق، انطون سعادة، والكثيرون الكثيرون الذين مارسوا طقوسهم في أزقة القدس الدامية .
الشهيد المطران كابوتشي:
يخرج منه الينا
ويدخل منا اليه
ملء حياة البشر
يخدش سرّ السماء بصوته
فيسيح المطر
رويدا رويدا
ويهمي المطر


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il . 

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
اغلاق