اغلاق

للغربة وجهان، بقلم: أ.د. كامل خالد الشامي

كنت في مدينة بيرن السويسرية في فسحة وقت حزين هاربا من غربة في وطن أبحث عن وطن في غربة وعن فنجان قهوة وقصيدة صامته, كان الجو باردا والهواء الالبي يلفح وجوه المارة


كامل خالد الشامي 

بلا رحمة وكانت أصوات أجراس الكاتدرائية في المدينة تختلط مع الهواء القارص.
وبينما كنت أمشي بعد أن قطعت الجسر علي نهر الآر الذي يعتبر من أهم روافد نهر الراين,  تتبعت رائحة تلك المجنونة , تلك السمراء التي اعشقها, فوجدت نفسي اجلس علي الطاولة في المقهى الذي تنبعث منه تلك الرائحة وطلبت إبريقا صغيرا من القهوة, وبدأت أتصفح في الجريدة المحلية: السياسة والاقتصاد والأدب وصفحة الوفيات.
 نظرت الي قاع الفنجان فلم أجد به راسب قهوة فهي مفلترة, ولكني رأيت علي جدران الفنجان خيوطا باهتة من بقايا القهوة, وعلي عجالة حاولت قراءتها قبل إن تنزلق الي  قاع الفنجان وتختفي.
قرأت فيها شمس وغزالات وأشجار عوسج, وقلب مفتوح علي القارات الست, وجورية تحت شباك مفتوح وقصيدة صامتة لكن حبرها بركان.
استوقفني شباك عرض للملابس الشتوية في حينه  , فوقف بجانبي رجل أسود الملامح نحيل الوجه ويمشي علي عكاز,بعد التحية سألني:عربي؟ قلت له نعم, كانت لهجته تميل الي السودانية وأنا اعشق اللهجات العربية وأعرف الكثير منها, ومع كل ضربة علي اليافوخ أجيد لهجة عربية او فلسطينية جديدة.
تبادلنا الحديث وعرفت انه صومالي من جنوب الصومال قال لي: انه عمل في الكويت بعد رحلة عذاب اليها مع شركة سويسرية تستخرج النفط وقطعت يده خلال العمل ونقل الي برن في سويسرا للعلاج وبقي في المدينة.
جلسنا بجانب الكاتدرائية علي الكراسي الخشبية رغم شدة البرد وواصل موسي كما قال لي أن هذا اسمه,واصل الحديث من دون مقدمات , تزوج مرتين , أنجب من زوجته الأولي  ولدين ثم توفيت, وبعدها بسنتين تزوج زوجته  الثانية وقال لي : كنت فرحا
بها , وكانت ترقص علي قدمي, وبعد عامين استيقظت من نومها في الصباح  وقالت لي: موسي شكرا, أنا خارجة ولن أعود.فتحولت القصة من حب جامح الي خيانة جامحة.
لم يستطيع موسي تحمل الصدمة فكان يغمي عليه تارة ويفيق تارة أخري.يضرب الحب شو بيزل!
لملم موسي جراحه وأخلي شقته وذهب يلتحف السماء ويفترش الأرض حتى آواه شاب جزائري في ورشته فسمح له بالبقاء في مجرور مهتريء , عاش موسي أيامه بلا أمل, فولداه انغمسوا في الحياة السويسرية ولم يعرف عنهم شيء, وبقي علي هذا الحال لأكثر من 25 سنة وقال لي كنت راكبا في القطار الداخلي أريد الانتقال من حي الي آخر من أحياء المدينة الممتدة خارج حدود النهر وفي احدي المحطات استقلت شابه عشرينية القطار وجلست في الكرسي المقابل , ملامحها خليط بين لون بشرتي وملامح زوجتي الثانية.
تحركت الكيمياء والقوة المغناطيسية وكل قوي الجذب في موسي, ويقول: رأيت الفتاه بنفس الحال ومن دون مقدمات وجدت نفسي أخاطبها, أسألها وتجيب  من  دون تردد. أيقنت أنها ابنتي وأيقنت هي أنني أبوها لا أعرف من ارتمي في حضن الآخر, بكاء ودموع وعناق, أب لا يعرف ابنته وبنت لا تعرف أبوها.
وبينما هو يسترسل وصلت مهيرة رددت التحية بلهجتها البرنية الألمانية الجميلة وقوامها الصومالي السويسري الرشيق, قدمها لي: ابنتي مهيرة. قبل أن أودعهم  قال لي موسي: الشيء الوحيد الذي أعادته لي الحياة هذه الابنة, عائلتي اندثرت بالكامل في الصومال اثر مجاعة.
تركت موسي ومعي رقم هاتف مهيرة فهو لا يستعمل الهواتف وظللت اتصل مرة أو مرتين في العام لكي أطمئن علي موسي وفي آخر حديث لي علي الهاتف قبل عام من الآن قالت لي ..

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق