اغلاق

العزل المخطط والمصبوب!! بقلم: محمود سلامة الهايشة

كالكائنات تعيش بشكل اجتماعي مختلط، ولكن يمكن تمييز كل كائن على حدى إذا ما أريد تحديده، ولكن هذا الأمر لا يصلح مع الكائنات الحية الدقيقة كالبكتيريا،



لأنها لا توجد في الطبيعة في صورة منعزلة كل جنس أو نوع بمفرده، بل توجد الأجناس البكتيرية مختلطة مع بعضها، ولكي ندرس خصائص كل نوع على حده فلابد من عزله بحالة نقية، بحيث لا يظل في المزرعة إلا نوع واحد فقط من البكتيريا، لذا فتسمى تلك العملية بعزل وتنقية البكتيريا Isolation and purification of bacteria.
 وكأي عملية من العمليات التي يمكن أن تجرى، سواء أكانت تجربة معملية علمية أو حتى نظرية، فلابد من وجود أكثر من طريقة يمكن للدارس أو الباحث إتباعها، فتجرى عملية عزل البكتيريا بعدة طرق، أهمها طريقتين، الأولى طريقة الأطباق المصبوبة Pouring plate method، والثانية طريقة الأطباق المخطوطة Streaking plate method. وحتى لا نخوض في التفاصيل العملية الإجرائية للطريقتين، هناك سؤال سنحاول الإجابة عليه ومن خلال ذلك يمكننا التعرف على الفرق بين الطريقتين، لماذا تظهر البكتيريا في التخطيط ولا تظهر في الصب؟!
وعن الانغماس ولكن ليس كانغماس إبرة تلقيح الميكروب في البيئة المغذية، كتب الشاعر أشرف عبدالعزيز، في ديوانه "مُسدسات" المشترك مع الشاعر الكبير إبراهيم رضوان، والصادر عن دار أقلام استثنائية، ط1، 2016، في قصيدته "ما بعد الإنغماس":
كان إيه لزوم الإنغماس ..
داخل حاجات المحتاجين ..
من غير ضمين ..
وازاى عملته ما دام غلط ؟
- بدأ الحنين يطرح ورق ..
مطحون برفض الإعتراف ..
إن انغماسى خير وشر ومُختلط
- عارفَك وعارف قد إيه جوَّاك قلق ..
حاكم علينا بالعطش ..
والتُوهَه فى أرض المُحال
وكأن حقك فى النجاه ..
سيبناه لغيرنا ..
واكتفينا م الحياه ..
نعرف إجابة كام سؤال
فـ ان كان ضرورى نحتِمل ..
طول انتظارنا للنهايه .. نحتِمل
من غير مفَرِّ ولا مآل
ونروح نسلِّم للى فازوا ذكرياتنا ..
ولَّا اقولك لأ بلاش ..
لسَّه الشوال مليان ظلَط

يمكن عن طريقة الأطباق المصبوبة Pour plate method الحصول على المستعمرات النقية من خلال اختلاط البيئة مع العينة (الكائن الدقيق) كلياً وتظهر بعض المستعمرات على السطح وبعضها يكون مدفوناً في الوسط الغذائي وذلك بعد تحضينها. وتتم عملية التلقيح والآجار لا زال سائلاً . وهنا يتم تلقيح الوسط الغذائي لدراسة تأثير بعض الكائنات على العناصر أو تأثرها بها مثل أثر بكتيريا الستربتوكوكاس على خلايا الدم. يصاحب هذه الطريقة عادة استخدام تخفيف للعينة الأصلية للحصول على مستعمرات منتشرة بشكل جيد للتمكن من الدراسة والحصول على النتائج بشكلٍ جيد (ملحوظة: فإذا لم تتم عملية التخفيف للعينة فمن المحتمل لا تظهر المستعمرات بالشكل المطلوب).
ويمكن خلط الوسط الغذائي بالميكروب في أنبوب محتوي على الآجار المغذي مسال ثم صبه في طبق بتري وتركه يتصلب أو بخلط الميكروب في ماء مقطر ومعقم في أنبوب ثم نقله إلى طبق بتري به الآجار المغذي غير متصلب (ملاحظات):
فإذا لم تتم عملية الخلط الجيد والصحيح للميكروب ببيئة الآجار المغذي، فبالتأكيد لن نحصل على النتيجة المطلوبة، يتم تحضين الأطباق في الحضان عند 37 ْم لمدة 36-48 ساعة، مما يعني أن درجة الحرارة المثلى للبكتيريا هي  37 ْم ، علما بأنه يتم تعقيم بيئة الآجار في الأوتوكلاف على 121ºم عند 1 ضغط جوي ولمدة 20 دقيقة، يتميز الآجار باحتفاظه بصلابته عند كل درجات الحرارة اللازمة لنمو الميكروبات حيث لا يسيل إلا فوق 90ºم أو 98ºم ولا يتصلب إلا عند تبريده 42-45ºم، مما يمكن معه تلقيح بيئة الآجار بالميكروبات وهي مازالت سائلة دون خشية تأثرها، ولكن من الجائز أن تتأثر بعض السلالات فتموت أثناء عملية التلقيح، أما لعدم تحملها درجة الحرارة 42-45ºم، أو أن درجة الحرارة أكثر من ذلك والقائم بعملية التلقيح ظن أنها منخفضة ومناسبة، كأن تكون ما بين 50-60ºم.
أما في طريقة التخطيط على سطح الآجار المتصلب Streak-plate method،
فتتم باستخدام ما يعرف بإبرة التلقيح ذات العقدة وذلك بنشر الخلايا على سطح البيئة الغذائية في الطبق المصبوبة والباردة وليست الساخنة، وهذا ما يعرف بالتخطيط Streaking، فلا مجال للحرارة الزائدة أو الخلط السيء بالبيئة الغذائية من قتل الميكروب كما قد يحدث في طريقة الصب.
من الممكن عدم ظهور نمو بكتيري عن طريق الصب بسبب علاقة الأكسجين الحر بنمو الميكروبات، تختلف البكتيريا كثيرا في احتياجاتها للأكسجين الغازي، فبعضها لا يستطيع النمو في غياب الأكسجين وتسمى هوائية إجباراً (ميكروب هوائي حتمي Strict aerobes) مثل Serratia sp. مكان النمو في الأنبوبة سطحي، وبعضها لا يمكنه النمو إلا في غياب الأكسجين وتسمى هوائية إجباراً (ميكروب لاهوائي حتمي Strict anaerobes) مثل Clostridium sp. مكان النمو أسفل الأنبوبة، وهناك ميكروبات تنمو في وجود وغياب الأكسجين فتصبح لاهوائية اختياراً Facultative anaerobes (ميكروب اختياري التهوية) يكون النمو منتشر على طول وعمق التلقيح مثل Bacillus sp.، وهناك بكتيريا تحتاج للأكسجين الحر لكن بنسبة قليلة Microaerophiles (ميكروب محب لكمية قليلة من الأكسجين) ونمو يكون تحت السطح مثل Lactobacillus sp..

وبعد هذا الحديث العلمي جداً، نسأل سؤال هل كل الصب صب البيئة المغذية في أطباق بتري وأنابيب الاختبار؟!، بالطبع لا، هناك أنواع كثيرة من الصب، ومن تلك الأنواع النوع الذي ذكره الشاعر الكبير أشرف عبدالعزيز في قصيدته "أديِّه لمين" صفحة 99 بديوان "مسدسات" الصادر عام 2016، فيقول بالقصيدة:
أديِّه لمين
رِجْل التلاته تْزيِّن الخلاخيل ..
وِسُوق الصَاغَه مُكتشِفِ الجمال
إرجع يا خال ..
ما تخلنيش أمشى وراك ..
واربط خيالَك بالحبال
خلخال عُموله كان لـ ( سِتِّى ) ..
من بهيَّه وْحُسنها ..
على روح ياسين
كان وقتها عدد الرجول المصبوبين ..
فوق الصوابع معدودين
شُفت التلاته احترت جداً ..
من حاجتهم للهوى .. أديه لمين
ولقيتنى فى نهاية القصيده مُحتمل ..
أديِّه لرابعه .. فى الخيال
ولأننا بصدد مناقشة موضوع علمي فهذه القصيدة فيها الخال والجدة، والأرقام (ثلاثة، أربعة، وخمسة)، الجمال والخيال، فدراسة البكتيريا تحت الميكروسكوب تكشف لك جمال وقدرة الخالق وإبداعه في التصوير. وعن قولهم فلانٌ صبٌ، يقول "محمد بن القاسم بن بشار الأنباري أبو بكر" في كتابه "الزاهر في معاني كلمات الناس" (تحقيق: د. حاتم صالح الضامن؛ الناشر: دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد، سنة النشر 1987):
قال أبو بكر اللغويّ : الصب معناه في كلام العرب الذي به صبابة والصَّبابة رِقّة الشوق يقال قد صَبَّ الرجل يَصَبُّ صَبّاً وصبابة ويقال قد صَبِبْتَ يا رجل وأنت تصب ، قال الشاعر:
يَصَبُّ إلى الحياة ِ ويشتهيها
وفي طولِ الحياة له عَناءُ
ويقال هذا أَصَبُّ من هذا أي أرقُّ شوقاً وقال الأحوص يخاطب الحمامة :
فإني فيما قد بدا منك فاعلمي
صَبُّ بهذا منكِ قلباً وأوجعُ
ويقال رجل صبّ ورجلان صبّان ورجال صبّون وامرأة صبَّة وامرأتان صبّتان ونساء صبّات على مذهب من قال رجل صب؛ وأصله رجل صَبب فاستثقلوا الجمع بين "بائين" متحركتين فأسقطوا حركة الباء الأولى وأدغموها في الباء الثانية، ومن قال هذا رجل صب وهو يجعل الصب مصدر صَبِبت صبّاً على أن يكون الأصل فيه صَبَبا ثم لحقه الإدغام قال في التثنية هذان رجلان صب وهؤلاء رجال صب وهذه امرأة صب فيكون بمنزلة قولهم هذا رجل صَوْم وفِطْر وعَدْل ورضى ً وهذان رجلان صَومٌ وفِطْر وعَدل ورضى ً وهؤلاء رجال صوم وفطر وعدل ورضى، قال الشاعر :
متى يشتجِرْ قومٌ يَقُلْ سَرواتُهم
هُمُ بيننا فهُمُ رِضى ً وهم عَدْلُ ..
( محمود سلامة الهايشة كاتب وباحث وناقد مصري )



لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
اغلاق