اغلاق

تاريخ غير مكتوب ، بقلم : نسيم أبو خيط

يجمع الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين والاجتماعيين ، على أن الحرب العالمية على سوريا هي نقطة مفصلية لحقبة تاريخية مقبلة .. أو "حرب مفصلية" ،


نسيم ابو خيط

تفصل بشكل مكشوف للقاصي والداني الحَبَّ عن " الزوان " ، وتخلّـص الدين الاٌسلامي من الشوائب التي ألحقها به ذوي الذمم المشوهة ، وأخص من بينهم حكام ورجال دين ، الذين أجّروا أو وظفوا ذممهم في "منافع" الحياة الدنيا.. ولم يعملوا للآخرة ، لـ"أمر في نفس يعقوب"..
لكن ما الذي يفتح الفضاء الرحب على استخدام عقولنا التي غيبتها الردة الأموية التي دفنت " الشورى " الاسلامية في طي النسيان ، ليعيدها من يعيدها ، بعد 1200 سنة ، ببشاعة مقلوبة : تمشي على الرأس .. يعينها مغتصب المنصب بدلاً من أن تكون هي النظام الذي يخول المنصب ..
الشورى – كما نعرفها – هي التشاور .. أي إجماع العقلاء والأدباء والعلماء وذوي الرأي للتشاور فيما بينهم لاختيار ذوي الأمر منهم .. وقد غيبها الأمويون وبدلوا "الشورى" بحكم القبيلة الذي كان سائداً قبل الإسلام ..
هذا يعرفه الجميع . ليس فقط الحكام الذين فرضوا سلطان القبيلة ، وتناوبت عليه قبائل عربية و غير عربية مثل العباسيين والبرامكة والفاطميين .. واختتم نظام حكم القبائل (الذي أسموه ) " نظام الخلافة " – والمقصود " خلافة الرسول " ، مع ان هذا النظام لا يمت لـ " الخلافة " بصلة.. وأكثر من ذلك جاءت القبائل التي نصبها الاستعمار الغربي ، بعد الحرب العالمية الثانية ، ملوكا وسلاطين وحكاما .. وأشار عليهم بتعيين مجلسا اسمه " مجلس الشورى " بدل أن يعينهم مجلس الشورى لخدمة حكم القبيلة ..
هذا باختصار تاريخ انحطاط العرب الذين رُدوا الى ممارسة حكم الجاهلية .. ولم يهمهم أن يتغير العالم من حولهم .. ولم يسألوا أو يهتموا بما فعلته الثورة الصناعية التي أطاحت بكل ميراث العصور الوسطى وبناء صناعة ميكانيكية قلبت حياتهم بقفزة نوعية طورتها الآلة والمكننة ، وظهرت جليا في صناعة الأسلحة النارية وتطويرها واستخدامها ضد بعضهم البعض .. إلى أن صارت البضائع التي هي نتاج الثورة الصناعية تحتاج إلى أسواق وتسويق ومناطق نفوذ ..
 كل هذا وما رافقه من قرع طبول الحرب في اوروبا والكرّ والفرّ في ميادينها دولها .. لم يسمعه "الخلفاء" او السلاطين العثمانيون –  آخر "الخلفاء المسلمين".. الذين كانوا يتسامرون في القصور المحاذية لأوروبا طيلة سنين الحروب الأوروبية ، التي اندلعت في السباق على احتلال الأسواق لبيع وتسويق السلع -  نتاج الثورة الصناعية..! حتى سيوف " عصر الخلافة " التي حاربوا بها ظلت على حالها .. إلى أن ارتوت أوروبا من تقتيل شعوبها.. وأسفرت عن منتصر ومهزوم.. وتقسيم النفوذ في الأسواق لصالح " الأقوى"..
وبعد الحرب العالمية الثانية التي غنموا في اعقابها كل أمصار " الخلافة " العثمانية.. وقسموها دولا ودويلات ، ونصبوا على " عروشها " مَن خدمهم من المحليين في هذه الأمصار، ليواصلوا الخدمة..
هذا باختصار شديد تاريخ قرابة 1200 سنة ونيف مما يسمي بـ " التاريخ الإسلامي " ، علما أن التاريخ الإسلامي لم يحكم يوما واحداً بـ"الشورى"، بعد اغتصاب الأمويين لـ"الخلافة" وتبديله بحكم القبيلة.

" خلفاء القبيلة "
لعل السبب الأكبرالذي غيب " خلفاء القبيلة " عن التوجه نحو إدارة جديدة لدويلاتهم انغلقوا على أنفسهم ، بعد " الفتوحات " السابقة ، وصاروا يتغنون بماضيهم من دون أن يواصلوا " تصدير العِلـْم " والمعارف إلى الغرب الذي استولى عليه الغرب دون ان يبقي لـ " خلفاء الخلافة " نظاماً للتعليم، ودون أن ينقلوا هم عن أوروبا كما نقلت عنهم أوروبا .. وأصبحت الأجيال العربية والإسلامية لا تعرف تاريخها كيف كان ، لأن الحكام لم يوثقوا هذا التاريخ .. بل أكثر من ذلك : فقد هدم " خلفاء القبيلة " كل ما يمت للتاريخ الإسلامي بصلة ، بما في ذلك بيت الرسول وبيوت الصحابة .. وحتى قبورهم .. لكي لا تعود " الأصنام "- والمقصود " حجارة البيوت " وحجارة القبور قبلة للعبادة (!!!).. تماما كما فعل جنود أحفاد حكم القبيلة تكسيرا للآثار في تدمر في الحرب العالمية على سوريا ..
أما آن لنا أن نجلد أنفسنا المخدرة دهرا ، لنصحو من غفلتنا عن تشويه تاريخنا ومفاهيمنا ، حين تركنا " القبيلة " تقتل الإمام علي ، ومعه حكم الشورى .. ؟ ، أما آن لنا أن نطوي مرحلة الكذب على الدين ونضع لبنات جديدة لمراحل تطور جديدة ، تسابق الزمن للحاق بركب التطور ، وصناعة التغيير فعلا ، لا قولا فقط ، بعد أن اختمرت اليوم بنهوض روسيا النصيرة ودخولها الساحة بقوة نوعية ، ألجمت كل من يواصل إبقائنا في تخلفنا ، وفي المراوحة حيث كنا .. قوة ألجمت أعداء الإنسانية القتلة .. وتساعدنا على وقف المهازل التي شوهت حياتنا وحضارتنا وتاريخنا..؟

أشتاتاً .. أشتاتا
قلت إن الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين والاجتماعيين يجمعون على أن الحرب العالمية على سوريا هي نقطة مفصلية لحقبة تاريخية مقبلة .. ولهذا تقاطر مرتزقة الحروب من عشرات البلدان على سوريا التي قالت للمستعمرين ، أو الإمبرياليين الجدد: " لا " ! .. لن تمنعونا من من التطلع والمضي في طريق تطوير حياتنا ، والتمتع بخيرات بلادنا ، وبناء حاضر لنا يجعلنا قادرين على حماية بلادنا ودحر الأجنبي والذود عن ديارنا وعن ديننا ، وتنقيته من التشويه ، الذي ركب عليه من تقاطروا لمحاربتنا، باسم الدين، مثلما نصبوا حكاما علينا باسمه..
حتى حين شارفت الحرب " التكفيرية – الإرهابية " على النهاية ، بدحر جيش المرتزقة الارهابي المستورد ـ لا يزال ميراث تخلف القرون الـ12  في تاريخنا يشدنا نحو تبرير خدمة المستعمر لنهب ثرواتنا : بكلمة هنا وأخرى هناك .. بأشاعة .. بكذبة.. بفتوى.. بخطبة من على منبر في مسجد .. بل وصل الأمر برئيس " علماء المسلمين " – القرضاوي – أن يصدر فتوى في وسائل الإعلام يقول فيها : " من يحارب النظام في سوريا - هو مجاهد في سبيل الله ".. كأن سبل الله كلها تجمعت في قتل سكان سوريا ، المسلمين منهم وغير المسلمين ، وتدمير بيوتهم وتهجيرهم أشتاتاً اشتاتا: في أوروبا وكندا وفي قاع البحر ..
لكن التاريخ لا يكرر نفسه .. ويبدو أنه حان الآن موعد التغيير في العالم ، وأن المرحلة البديلة هي ألتي ستعصف بـ " حكم الدولة الأقوى " لتنهار من بعده الدمى التي تتحكم بمصائر شعوبنا وبلادنا.. " الدولة الأقوى " التي استـُهلكت " تشدقاتها " بـ " الديمقراطية " و " الحرية " وبات جيشها الميداني من المرتزقة تدفع له دمى القيادات المفروضة على العالم العربي ، التي تعد لأسيادها الطبيخ ليأكلوا هم من فتاته على حساب قوت الشعب وخيراته..

"الشورى" وما أدراك ما الشورى
هل الشورى هو مجلس يعينه الحاكم ، قوامه المقربون من الصحن المُسبحون بحمده ، الذين أسموهم أيام الخليفة العثماني : " تنابل السلطان عبد الحميد " ، و يسمونهم في أيامنا: "الذين يأكلون ببلاش"..؟
" الشورى " الذي طالب بها الدين الإسلامي ، هوالنظام الفذ الذي حكم به ، خلفاء الرسول الراشدون ، قبل أن يجهز عليه بنو أمية ويقتلوا الخليفة الراشد الرابع ، الإمام علي بن أبي طالب ، هو ونسله .. الذي يستحق أن يكتب وراء اسمه : رضي الله عنه.. ولو تواصلت الخلافة ، ولم يوقفها الأمويون ويغيبون مضمونها ، ويعيدوها لحكم القبيلة .. لكانت هي النوع الأول والأساس للنظام الديمقراطي المعاصر الذي صار يستولي عليه أصحاب الرساميل التي يكدسونها من رزق الجبياع في العالم الثالث..



تصوير AFP

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
اغلاق