اغلاق

ذاكرة مكان، بقلم: نادية سيف

يوم مشرق من أيام شباط والشمس تسطع في الأفق الرحب تلف بوشاحها الدافئ كل ما نلمحه على جانبي الطريق وتبعث الحرارة في مياه الوادي المتدفقة إلى السهول الخضراء


الصورة للتوضيح فقط

وبساتين اللوز التي اكتست بالنوار الأبيض المائل إلى الوردي فتذكرني بأغنية "ضحك اللوز" للسيدة فيروز...
السيارة تتابع سيرها وسط أشجار السرو والصنوبر وسنابل القمح الممشوقة التي تناجي خيوط الشمس المبعثرة هنا وهناك في صلاة جمال إلهي ساحر.
وصلنا إلى مكاننا "الشجره" القرية المهجرة, أيقظني من غياهب تأملاتي صوت زوجي يقول:
_ في أي مكان سنستقر! هل تحبون في هذا المكان ذاته!
أجبناه أنا وأبنائي بصوت واحد: نعم بالتأكيد.
مالت السيارة باتجاه اليمين وسارت قليلا حتى وصلنا المكان.
سهل واسع أخضر أشبه بسجادة من نسج الطبيعة نُقشت فيها ألوان مختلفة كالأحمر والأصفر والأبيض وهناك منحدر تترقرق منه المياه في انسياب رقيق، بعد ذلك يبدأ  ذلك المنحدر بالارتفاع ليظهر بيت حجري قديم كأنه في رحم أم حنون.
اتخذنا موقعنا وبدأ أولادي يلعبون ويمرحون مع والدهم بالكرة أما أنا فذهبت إلى مسرح اللامعقول.
أخذت نفسًا عميقا مفعمًا بالذكريات وهبط في المنحدر مستنشقة عبير الزنبق الأبيض والأصفر وشقائق النعمان متذكرة طفولتي وعطر تلك الأيام.
وصلت إلى النبع فجلست على صخرة بمحاذاتها أتأملها ثم مددت يدي إلى الماء البارد وملأت كفتيّ ماء ثم غسلت وجهي وشعري، فقطرات الماء لها ذاكرة لا تموت.
بعدما استرحت وابتردت قليلا تابعت مسيرتي إلى الأعلى حيث يقبع بيت الحجر القديم الذي تهدم قسم منه، ولكن القسم الأكبر مثل ذاكرة حسية ، فأتخيل أهله المهجرين وأسمع وقع أقدامهم وأنصت لأحاديثهم وأتوق ..وأبتهل أن يعودوا إلى رحابه سالمين.
فما الذي أيقظ تلك الذاكرة وأعاد إثارة دواخل الشعور, أم أنها حية دائما يثيرها المكان الذي نجد أنفسنا  فيه!

استيقظت من أحلام يقظتي
استيقظت من أحلام يقظتي على صوت أبنائي يصرخون عند إدخال هدف في المرمى الذي جعلوه من حجرين.
لكن سرعان ما عاودتها, فعيناي المعلقتان بحجارة ذلك البيت ذكرتني بطرقات قرية المجدل المهجرة المرصوفة بالحجارة ذاتها والتي يطلق عليها اليهود "أشكلون" , حيث نصحنا أحد الأصدقاء للذهاب في رحلة استجمام في تلك المنطقة وخلال بحثنا عن مكان نتناول فيه وجبة الغداء وجدنا أنفسنا داخل تلك الطرقات القديمة التي تحطيها بنايات أقدم من حقبة الثلاثينيات والأربعينيات، يتوسطها جامع له مئذنة تصبو نحو السماء, ولكن اقشعر بدني إذ رأيتهم  قد حولوه إلى خمارة.
جلسنا في أحد المطاعم القريبة، الكل يأكلون بمتعة سواي، فقد كنت أنصت لصوت المؤذن يؤذن بصوت عال الله أكبر..الله أكبر ولله الحمد ..فهل الذاكرة السمعية  أيضا لها ارتباط  بالمكان؟؟
كل الأماكن التي كان يصحبني إليها والدي لها روابط حسية في ذاكرتي البحر والشاطيء برمله وصدفه ورائحته التي أشمها عن بعد أميال، والطبيعة التي عشت طفولتي فيها تذكرني بأنني سأبقى على عهده وعهد آبائه.
أكملت سيري حيث أخذت بجمع الحطب, فقد اعتدت على جمعه دائما كما عودني أبي لعمل موقد لشي البطاطا وتحضير الشاي والقهوة.

سنسهر قليلا هنا
من أعلى ناداني أبنائي قائلين:
-أمي سوف نساعدك.
قلت:
-أهلا وسهلا باحبائي .
هبّ الشباب لمد يد العون لي, جمعنا الكثير من الحطب , قالوا:
- سنسهر قليلا هنا لا نريد أن نبرح هذا المكان فقد اعتدنا منذ صغرنا أن نأتي إليه.
عدنا الى مكاننا قرب السيارة حيث بدأنا بإعداد موقد الحطب , قلت لهم:
- أريد أن تعدوني بأن تحضروا أولادكم إلى هنا عندما تتزوجون وتنجبون, وأن تصونوا الذكريات فربما يعود أهالي البيوت القديمة إليها وتكون مستقرهم في يوم ما.
قالوا:
-نعدك يا أمي.
تجمعنا حول الموقد أكلنا البطاطا المشوية وشربنا الشاي والقهوة وأسدل الليل جفونه على تلك البقعة من الأرض , ركبنا السيارة لا نحمل معنا سوى الذكريات....

لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني
panet@panet.co.il



لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك