اغلاق

رمضان في النقب بين الماضي والحاضر.. أيهما تميز بأجوائه أكثر ؟

ما الذي تغير ؟ في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، تثار في النفوس أشواق للماضي ، وقد يجلس الواحد منا ليتذكر كيف كان رمضان وهو صغير ، فتأخذه الذكريات


الشيخ سلمان ابو عبيد

الى جلسات العائلة وزيارات الاقارب وموائد الافطار ، التي تحمل معها قصص عادات قد تكون اندثرت ... في التقرير التالي طلب مراسل صحيفة بانوراما من ثلاث شخصيات من النقب استرجاع ذكريات رمضان في ربوع البادية ، حيث يسردون كيف كان رمضان وكيف أصبح ...

تقرير : حسين العبرة مراسل صحيفة بانوراما

" ابواب الخير كانت مفتوحة "
هذا هو الشيخ سالم ابو صويص من رهط الذي يقول أن "شهر رمضان منذ سنين مضت كان له طعم آخر ".
وأضاف الشيخ سالم أبو صويص : " رغم بساطة العيش الذي كان يعاني منه معظم الناس في الماضي،  الا أن ابواب الخير كانت مفتوحة ،  كان " سابع جار " لا يفطر قبل ان يوزع على جيرانه ما لديه من طعام ، والوعاء الذي يوزع به الطعام لا يعود اليه فارغا، فالجار يعيده وبه شيء ما، ولو كان من ابسط الأشياء ، مثل طبخة او بعض الطحين او القطين (التين المجفف) او الزبيب (العنب المجفف) او الجريشة والفريكة (حبوب مطحونة). وعندما كان يحين وقت الإفطار كان يجتمع الرجال من كل العائلات في الشق (الديوان) العام للعشيرة ،  وكل يأتي بطعام افطاره ، وهي عبارة عن صحن واحد ونوع طعام واحد ، سلطة او طبخة عدس او عجوة او " قمر دين " ،  ولم يكن وقتها مساجد يرفع فيها الأذان ، بل كان الإفطار حسب "راديو اسرائيل" مع الاعلامي "ابو جرير" . كان الراديو في الشق ، وعندما يعلن وقت الإفطار يخرج احد الشباب وينادي بأعلى صوته (افطر يا صايم) لكي يسمع أهل الحي وخاصة النساء ، أما في زمن الآباء والأجداد فكان الإفطار حسب دخول  الدجاج إلى  " الخم " ، فهذا دليل دخول وقت المغرب ، والإمساك كان وفق صياح الديك  . كانت القلة القليلة ممن يصلون ، والغالبية العظمى يصومون ولا يصلون ، ومن المعلوم أنه لم تتوفر حينها  ثلاجات ، فيذهب الشباب قبيل الافطار لجلب الماء البارد من البئر القريب ، وبعد فترة اعتاد الناس ان يشتروا الثلج او المشروبات المجمدة من مدينة بئر السبع ، وكانوا يضعونها في برميل الماء لكي يبرد الماء الذي بداخله".

"رمضان فقد الكثير من العادات الحميدة"
واسترسل الشيخ سالم أبو صويص يقول : "كان إذا جاء العيد ، تجمع الناس في العراء لأداء صلاة العيد ، ولم يكن يتخلف عنها أحد ، ثم ينطلقون لمعايدة الأهل ، ويقدمون العيدية للنساء القريبات (الأرحام) وهي عبارة عن نقود قليلة ، اما رمضان الحاضر فقد الكثير من هذه العادات الحميدة ، فكل فرد يفطر مع أسرته المصغرة ، ويصنعون طعاما باشكال والوان وأنواع لا تحصى ولا تعد، ولا يفتقدون جيرانهم بالطعام ولا يتبادلونه بينهم ، حتى الأرحام القريبة محرومة من الصلة إلا من رحم ربي  ! .
عزومات الافطارات المتبعة في هذه الأيام عند البعض ، تميل إلى التبذير والإسراف أكثر منها إلى " تفطير " الصائم الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم ، والأدهى والأمرّ من ذلك كله ظاهرة ظهرت حديثاً ، وانتشرت في مجتمعاتنا كانتشار النار في الهشيم ، فلا يكاد يخلو بيت من البيوت إلا وفيه وسيلة من وسائله ، وأصْبَحتَ تنظر لجلسات السمر فتراها تلوذ بالصمت ، فكل فرد مشغول بهاتفه ، شيباً وشبّاناً ، صغاراً وأطفالاً ذكورا واناثا ، ساعات تلو الساعات ، لا نشعر بها ، فمن ذلك الفيديو المضحك إلى تلك الصورة المحزنة ، وفي رمضان يزيد الطين بلة ، فترى صور الطبخ وقد ملأت شبكة الانترنت ، ومن مجاملة إلى أخرى ، ويدّعون أنها وسائل التواصل ، بل هي قد تفننت بالقطيعة ، وتفننت في سلب الوقت، وتشتت الأسر ، فهي لص محترف، تأخذ منا أغلى الأوقات ، وأعز الأفراد دون أن نشعر بذلك ، وفي الختام لا يسعني سوى أن أقول اللهم ردنا إلى دينك ردا جميلا ، وتقبل الله منا ومنكم الطاعات ".

" وحدة وتضامن وتكافل "
من جانبه ، يقول الشيخ سلمان ابو عبيد المأذون الشرعي في كسيفة : " رمضان في الماضي اتسم بالعفوية والفطرة الربانية ، وكان له رونق خاص تجتمع فيه العائلة والعشيرة في مكان واحد ، تمثلت فيه سمة من سمات الوحدة والتضامن والتكافل ".
وأضاف الشيخ سلمان أبو عبيد : " كان ما ان تقترب الشمس الى الغروب حتى ترى الجموع تتوافد من كل حدب وصوب نحو ديوان شيخ العشيرة ، وكل منهم يأتي بطعام متواضع من بيته ، ويجلس الجميع قبيل الافطار ينتظرون بلهفة نوم الدجاج كعلامة على غروب الشمس ، في ظل انعدام التقنيات الحديثة ، وفي احسن الاحوال قد يمتلك شيخ العشيرة مذياعا يصغي اليه الجميع من اجل سماع الاذان الصادر عنه ، وما ان يرتفع الاذان حتى يشرع الحضور بالافطار دون مراعاة فارق التوقيت بين القدس والنقب ، لكنهم كانوا لا يفطرون حتى يفرغ المؤذن من الاذان او عندما يقول حي على الفلاح ، اما النساء فكانت تبقى تصغي لصوت من يخبرها لدخول الوقت ، حيث يتبرع احد الرجال من اصحاب الاصوات القوية والذي يقف بطرف الديوان وينادي باعلى صوته ويقول " الصايم يفطر " ، وحق الاولوية في تناول الطعام  للصائمين ولا يجرؤ المفطر ان يتناول الطعام حتى يفرغ الصائمون من تناول الأكل ، وهنا نقصد اصحاب الاعذار والاطفال " .
وتابع الشيخ سلمان أبو عبيد يقول : " اما السحور فكانت تعقد موائده في البيوت مع الاسرة ، وغالبا ما تكون وجبة السحور من الالبان و " قمر الدين  " اما موعد الامساك فكان عند سماع صوت الديك دلالة بزوغ الفجر . صلاة التراويح كانت كما حدثنا الكبار شبه معدومة في ظل الجهل المطبق وانعدام التوعية الدينية وعدم وجود المساجد بل ان الكثير من الناس لم يصلوا أصلا وكانوا يكتفون بالصيام، ولم يكن هنالك من يجرؤ على الجهر بالافطار " .

" سلوكيات الأهل في البادية تغيرت "
موسى سلمان الحجوج أدلى هو الآخر بدلوه قائلا : "  كانت لشهر رمضان المبارك صورة أخرى، تختلف كثيرا عن هذه التي نعيشها اليوم ، فالصيام والصلاة وسائر العبادات في رمضان لم تتغير وهي ثابتة ، بيد أن العادات والتقاليد التي ميزت سلوكيات الأهل في البادية قد تغيرت ، تبدلت العادات والتقاليد الرمضانية، والسبب هو موجة الحداثة ، والمتغيرات الواسعة التي غيرت كل شيء ، والأمر نفسه ينطبق على كافة المسلمين ، إلا انه في الريف ما زالت بعض طقوس الشهر الفضيل ماثلة للعيان، يمارسها أهلنا حتى يومنا هذا ".
واسترسل موسى الحجوج يقول : " كان السواد الأعظم من الأهل في البادية على خبرة واسعة بعلم الفلك والنجوم وتحركاتها وعلاماتها ، وعليه ، فانهم حين يتهيئون لاستقبال الشهر المبارك ، كانوا يخرجون في جماعات إلى الجبال العالية حولهم ، ليتحرون رؤية الهلال ، وينتظرون لفترة ما من الوقت ، والكل يتابع السماء قبل حلول الظلام من اجل رؤية الهلال ، وفي أوقات أخرى ، كانوا يعتمدون على المعلومات التي تصلهم من المدن كبئر السبع ، أو غزة، والفالوجة وعسقلان واسدود ، فيعود من زار الأسواق هذه ومعه موعد رمضان أو تصور اليوم الذي سيحل عليهم فيه ، ويأتي الشهر الفضيل زائراً عزيزاً عليهم ، ويبدأون الصيام، ويتسحرون قبل ذلك ، وكان يمكن لمن يمر من هناك ليلا، أن يشاهد النار قد اخذ لهيبها يشق خيوطه من البيوت ، والسراج قد أُشعل ، والأصوات بدأت تُسمع ".
ومضى موسى الحجوج يقول : " لم تكن في البادية مساجد، وقد اقتصرت العبادات في شق الشيخ ، حيث يحضر المشايخ من مدينة غزة هاشم ، وخليل الرحمن وضواحيها كمدينة دورا وبيت عوا ، أو الدوايمة والمجدل واسدود وبربرة وبرير وبئر السبع وغيرها ، كانوا ينتشرون بين العشائر والقبائل البدوية ، ليعلموهم الصلاة وتعاليم الدين والفرائض ، وبرز منهم الشيخ ذيب من الشجاعية ، والشيخ محمد من دورا . لا اذكر انه كانت  صلاة التراويح يؤديها الأهل ، فقد كان عدد المصلين من الأهل قليل ، ومع الوقت اخذ الأمر يزداد بفضل رجال الدين الذين ذكرتهم ولهم الفضل الكبير في تجذير الصلاة وترسيخها بين الأهل ، وحين حلت النكبة عام 1948 ، توقف عمل هؤلاء المشايخ بسبب الأحداث التي تلتها ، وعليه استمرت الحياة الرمضانية في البادية بشكل طبيعي بيد أن الصيام كان ليس كما في السابق ، وعادت الحياة الدينية أكثر في مطلع سنوات الثمانين من القرن الماضي بسبب الصحوة الإسلامية ودور الحركة الإسلامية في نشر الوعي الديني ومن أبرز ذلك الوعي ، بناء المساجد في النقب " .

" ألفة وركيزة اجتماعية "
وتابع موسى الحجوج يقول : " كان الأهل يتشاركون في السحور والإفطار، فقد كانت الأجواء ، أجواء ألفة ومحبة ، كان الإفطار يتم في الشق أو الديوان إما عند الشيخ ، أو كبير العائلة ، فالكل يحضر معه "الفطرة" إلى الشق ، ترسلها الزوجة مع الأبناء ، ويجتمع الأهل في الشق ينتظرون سماع صوت مدفع غزة سابقاً ، أو صوت الأذان عبر المذياع لاحقاً ، وحين يرفع المؤذن الأذان ، ينتظرون حتى يصل إلى "حي على الفلاح... حي على الفلاح " حينها يبدأون الإفطار . قبل أن يبدوا بتناول طعام الإفطار ، كانوا يصيحون" الصايم يفطر... الصايم يُفطر "، لكي تبدأ النساء بتناول الطعام، لأنهن يفطرن معاً أو في بيوتهن  . كان كبار السن ممن يدخنون ، يجهزون سجائرهم محلية الصنع ، قبل الإفطار ، فيمكنك مشاهدة عشرات السجائر يجهزها الختيار وزملائه لبعد الإفطار وحتى للسحور ، كان هذا المشهد مألوفاً ، وما زالت الذاكرة الجماعية تكرر هذه المشاهد في حكاياتها عن الماضي الجميل . لماذا كانوا يفطرون في الشق ؟ السبب هو الألفة والركيزة الاجتماعية المتينة التي كانت سائدة آنذاك ، العيش معا ، التكافل الاجتماعي المبني على الفطرة ، والسبب الآخر هو أن يطعموا عابر السبيل ليجلس ويتناول الطعام معهم ، أو إذا تأخر إنسان ما عن أهله ، يمر على الشق ليشارك الأهل في موائدهم " .
واستطرد موسى الحجوج يقول : "لم يكن مسحراتي في البادية ، فقد اعتمد الأهل على أنفسهم في النهوض للسحور، الكل يساعد في إيقاظ الأخر . كانت بيئة اجتماعية جميلة حاضنة للفكر الاجتماعي ، وأرضية صلبة للتكافل بين الأهل ، وكان طعامهم قليل ومتواضع ، ففي رمضان ارتكز الإفطار على الأطعمة والمأكولات الشعبية الشائعة في ذلك الوقت ، واقتصرت الأكلات على منتوجات الألبان والحبوب في البادية ، مثل  " مديدة القمح باللبن " حيث يتم إعداد هذه الطبخة من القمح المجروش المطبوخ باللبن ، وصنف آخر هو "مديدة القمح بالبندورة" ، حيث يضاف إليها عصير البندورة المجففة ، وصنف آخر هو المفتول وهو شائع وقد انتشر بعد عام 1967 بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ، وأصناف أخرى كالرقاقة ، البازينة ، والهيطلية وغيرها . كان الطعام كما أسلفت متواضعا والسبب حالة الأهل المادية الصعبة، وظروف الحياة القاسية خاصة إبان الحكم العسكري وما خلفه من آثار اقتصادية صعبة على حياتهم ، فالطعام الشائع كان " الفتة " وهو عبارة عن خبز يتم تقطيعه لجزيئات قليلة ، ومن ثم يتم خلطه بالشوربة ، أو بأمور أخرى كالعدس والجريشة ، بيد أن موائد الطعام تختلف من بيئة لأخرى ، فقد كان أهل المدن أحوالهم أفضل من البادية وعليه تشكلت موائد الإفطار عندهم على عكس أهلنا في البادية.
كان المشروب الوحيد هو الماء ، يتم إحضاره من الآبار عصراً، وقبل حلول الظلام ، كانوا يضعون صحناً من الماء على برميل أو شيء عال ،  لكي يلامسه هواء الصحراء ويغير حرارته من حار إلى بارد ويحفظون الماء في  "الزير"وهي جرة فخار كبيرة ".


موسى سلمان الحجوج


الشيخ سالم أبو صويص

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il



لمزيد من اخبار رهط والجنوب اضغط هنا

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار محلية
اغلاق