اغلاق

قراءة فيما وراء الاعتقال المتكرر للشيخ رائد صلاح.. بقلم: إبراهيم عبدالله صرصور

بداية أقرر هنا ان اعتقال الشيخ رائد صلاح هو اعتقال سياسي بامتياز لا علاقة له بالقانون ولا بالأمن، ويأتي في سياق الهجمة المنفلتة التي يشنها نتنياهو وحكومته مدعوما


إبراهيم عبدالله صرصور
 
بقطعان اليمين الإسرائيلي المُغَيَّبِ على الجماهير العربية في الداخل وقيادتها الشرعية، والتي بدأت تعلو وتيرتها ويعظم خطرها في السنوات الأخيرة اكثر من أي وقت مضى. أمام هذا الوضع نحمل حكومة إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سلامة الشيخ صلاح، ونطالبها باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتجنيبه الاخطار المحتملة التي يمكن ان يتعرض اليها في فترة الاعتقال ابتداء وانتهاء، ونؤكد على ضرورة الافراج الفوري عنه لغياب أسباب الاحتجاز ومبرراته.
 
والان الى التفاصيل.. عندما أسمع كل مرة عن اعتقال الشيخ رائد صلاح ، أسأل نفسي ذات السؤال: ما الذي فعله الشيخ رائد حتى يستحق هذه الملاحقة الظالمة؟ يأتي الجواب: لا شيء يمكن ان يرقى الى درجة "الشأن الخطير" ناهيك عن ان يكون مخالفا "للقانون الجنائي" او " قانون مكافحة الإرهاب" الإسرائيليين، خصوصا بعد قرار الحظر غير المبرر والظالم الذي اصدرته حكومة اسرائيل ضد جناح الشيح رائد صلاح في الحركة الإسلامية في العام 2015.
 
دور الشيخ رائد صلاح في المسائل الكبرى وخصوصا في الاحداث الاخيرة في القدس ( 27.7.2017 – 14.7.2017 )، كان متواضعا جدا بسبب قرارات سابقة بمنعه من دخول القدس وحظر جناحه كما ذكرت سابقا، بعكس غيره من القيادات الاسلامية ( "الحركة الإسلامية" برئاسة الشيخ حماد ابو دعابس، وجمعياتها ذات الصلة بالإغاثة الانسانية وبالقدس ك -"جمعية الأقصى" برئيسها الشيخ صفوت فريج ومديرها العام الأستاذ غازي عيسى، وكوادر الحركة وانصارها الذي ملأوا شوارع وازقة القدس بأعدادهم الغفيرة في كل يوم على امتداد فترة الازمة )، والقيادات الوطنية (لجنة المتابعة العليا رئيسا واعضاء )، و (القائمة المشتركة قيادة وأعضاء وكوادر)،  والتي تواجدت كلها في الميدان على مدار الساعة وشاركت بشكل فعال في كل الحراك الشعبي والرسمي المتعلق بالأزمة الاخيرة. اذا ، لماذا تصر اسرائيل على ملاحقة الشيخ صلاح بالذات اكثر من غيره من القيادات العربية عموما، وحتى من بعض قيادات جناحه البارزين على وجه الخصوص؟ 
 
اعتقد ان حكومة نتنياهو بعد فشلها في معركتها ضد الاقصى مؤخرا، تريد تحقيق هدفين اساسيين:
 
الاول، اعادة اعتبارها في نظر مؤيديها من اليمين المتطرف والاعمى. وبما انها لا تستطيع التحرك ضد اي من القيادات العربية لغياب المبررات لذلك، ولعلمها بأن نشاط القيادات العربية قانوني حتى النخاع كما هو نشاط الشيخ رائد صلاح تماما، ولأنها فشلت حتى هذه اللحظة من " شيطنتهم" الى الدرجة التي تكفي لصناعة مبررات اعتقالهم بالرغم من دور هذه القيادة العربية المركزي في إدارة معركة الاقصى الاخيرة وغيرها من المعارك ضد سياسات التمييز العنصري والقهر القومي الاسرائيلية التي تتجاوز في قوتها احيانا كثيرة مواقف الشيخ رائد نفسه، فقد لجأت حكومة نتنياهو الى الحل الاسهل وهو اعتقال الشخص الذي نجحت عبر الاعتقالات المتكررة الظالمة والملاحقات القانونية التعسفية التي لا تنتهي والهجمة الاعلامية العدوانية والمستمرة، في "شيطنته" اكثر من غيره امام الرأي العام الاسرائيلي الذي رسخ في مخيلته "الخطر!!"، المزعوم طبعا،  الذي يشكله رائد صلاح على اسرائيل، الامر الذي جعل اعتقاله طبيعيا!! تفعل ذلك رغم قناعتها ان الشيخ رائد صلاح لا يفعل شيئا اكثر مما تفلعه القيادات العربية الاخرى ان لم يكن اقل منهم وخصوصا في فترة ما بعد الحظر الظالم!!
 
الأخت النائب حنين زعبي (التجمع الوطني الديموقراطي) مثلا، تواجه ممارسات شبيهة وإن لم تصل درجة الاعتقال بسبب الحصانة البرلمانية ربما، فنرى الحكومة ابتداء من رئيسها وانتهاء بأتفه وزرائها، إضافة إلى نواب اليمين وغير اليمين والاعلام والرأي العام الإسرائيلي، نراهم جميعا يرمونها عن قوس واحدة اكثر من غيرها في كل المناسبات بكل التهم الباطلة حتى لو تحدثت عن "طبقة الأوزون" و "الاحتباس الحراري" ، فقط لأنهم "حَطُّوها براسهم" كما نقول في امثلتنا العامية، وليس لأنها ارتكبت مخالفات قانونية، فقط (حِيوَنِه) كما يقول الاخوة السوريون!
 
مثل ذلك يُقال أيضا في كثير من القيادات العربية إسلامية كانت او وطنية، وإن بنسب متفاوتة، حيث اعرف شخصيا العشرات ان لم يكن اكثر من كوادر الحركات والأحزاب من كل الطيف السياسي والفكري العربي وحتى نشطاء منظمات المجتمع الأهلي، الذين يتعرضون بشكل دائم ولنفس الأسباب، لملاحقات وتحقيقات واعتقالات قصيرة او طويلة، ومضايقات في أماكن العمل وعرقلة في التقدم في السلم الوظيفي والفصل التعسفي من الوظائف، إضافة الى منع التوظيف ابتداء وغيرها من الممارسات التي لا تنتهي. 
 
لا شك ان هذا من أسوأ الأساليب القمعية التي تمارسها الأنظمة المسكونة بالأيدولوجيات العنصرية، لأنها ببساطة أساليب تعسفية وغوغائية ومنفلتة بطبيعتها، مرجعيتها غرائز الانتقام ودوافعها الحقد الدفين ومحركها الكراهية العمياء وليس القانون، فهي تستهدف أشخاصا أو اطرا بعينها بعد "شيطنتها" لأسباب تكتيكية، إلا انها تستهدف استراتيجيا من خلال ذلك المجموع الوطني كله الذي تعتبره هذه السياسة عدوا في أسوا الحالات او مصدرَ خطرٍ في احسنها.  
 
الهدف الثاني، من الواضح ان حكومة نتنياهو تعتاش لاستمرار وجودها وإحكام سيطرتها على تعزيز حالة الخوف في النفسية الإسرائيلية. يسعون إلى هذا الأسلوب الترويعي الكاذب رغم ما يَدَّعوُنه من امتلاك القوة الضاربة التي لا تقوى قوة عربية او اسلامية على الوقوف في وجهها، وإن حاولت فلن تواجه الا الفناء. من اجل تعزيز حالة الخوف هذه كان لا بد من الحديث دائما وبشكل قهري (obsessive)، عن عدو داخلي وآخر خارجي نجحت في اقناع الراي العام الاسرائيلي بانهما يشكلان خطرا على اسرائيل.
 
اما العدو الخارجي فهو ما تسميه "الارهاب الاسلامي!!!" من جهة، و- "الخطر الإيراني" المتمثل في سلاحها النووي وحضورها البارز في اكثر من دولة في الشرق الاوسط تعتبرها اسرائيل دول مواجهة معادية!!، ولو لأغراض دعائية (بروباغندية) من الجهة الاخرى. لا بد ان نعترف ان نتنياهو نجح في تجنيد كثير من دول العالم وكذلك دولا عربية كثيرة وخصوصا في الخليج لتنوب عنها في حرب الحركات ذات التوجه الاسلامي وبالذات الاخوان المسلمين وحماس، بينما لم تنجح حتى الان في تحقيق اهدافها بخصوص ايران.
 
اما العدو الداخلي فهم القيادات العربية بلا استثناء. ولكن بما انها لا تستطيع اعتقال جميع هذه القيادات رغم رغبتها الجامحة لتنفيذ ذلك، فهي تلجأ كما قلت سابقا الى الحل الممكن والاسهل: اعتقال المعتقل واحتجاز المحتجز، معتمدة على ما شكلته عند رأيها العام من انطباع كاذب ومزور ومضلل حول (الخطورة!!) الوهمية التي يشكلها الشيخ رائد صلاح، والذي يمثل الى حد كبير "كبش الفداء" الذي باستهدافه تحاول اسرائيل تخويف وترهيب الاخرين، وهذا بالطبع محض خيالٍ وَوَهْمٍ لم يتحقق لها في الماضي ولن يتحقق لها حاضرا ولا مستقبلا. فهي لم تُرهب الشيخ صلاح ولم تُرهب القيادات العربية، ناهيك عن انها لم تحرك شعرة في الجماهير العربية في طول البلاد وعرضها الذين يزدادون اصرارا على ممارسة نضالهم السلمي حتى تحقيق هدفهم: رؤية وطنية لها ضوابطها ومرجعيتها الاسلامية والوطنية التي تهتم بالنواحي المطلبية اليومية لكنها لا تهمل بل تولي أهمية بقدر اكبر المواطنةَ الكاملة في وطننا الذي لا وطن لنا سواه في دولة كل مواطنيها وليس لمكون واحد فيها. بكلمات اخرى، صياغة مجتمع عربي فلسطيني في الداخل هو امتداد لشعب ولأمة وإنسانية جامعة، يحمل رؤية سياسية واضحة، وليس مجرد كَمِّ بشري بلا رؤية ولا طموح ولا احلام.
 
امام هذا الواقع المرير، لا بد من وقفة جادة وقوية في مواجهة سياسة نتنياهو الغبية والعمياء لأسباب. من أهمها:
 
اولا، اغلاق الباب على حكومة نتنياهو من ان تستسهل عملية الاعتقالات للقيادات والكوادر العربية التي تعتبرها كلها خطرا حسب معايير العقلية الإسرائيلية المختلة!!. اصبح هذا المطلب مهما في ظل لجوء اسرائيل بعد عقود طويلة منذ انتهاء حقبة الحكم العسكري الى ما يسمى بالاعتقال الاداري الذي اعتبره خطرا جديا يهددنا جميعا بلا استثناء.
 
ثانيا، ضرورة التضامن بين مكونات المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل بالرغم من تعدديته واختلاف الآراء بين مكوناته والتي تصل احيانا الى منعطفات جوهرية.
 
تعزيز التضامن والوحدة بين تشكيلات مجتمعنا العربي في الداخل ضروري جدا لهزيمة سلوك الحكومة الاسرائيلية التي بات واضحا انها تستهدف المجتمع العربي كله من خلال سياساتها في كل مجال تقريبا وخصوصا قضية الارض والمسكن من جهة ، ورفضها الممنهج لتحقيق السلام العادل بما يحقق الاماني الوطنية الفلسطينية في الاستقلال الناجز والكامل وغير المنقوص وكنس الاحتلال الكامل وغير المنقوص من الجهة الأخرى، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
 
*** الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق