اغلاق

مكونات الشخصية الأردنية، بقلم: حمادة فراعنة

إذا لم نكن نحن من ذوي الأصول الفلسطينية جزءاً من تكوين الهوية الوطنية الأردنية ، فلماذا نتباهى بها ، ونعلن ولائنا لها ، ومواطنين في أرضها ، وتحت سقف نظامها


النائب الاردني السابق حمادة الفراعنة

ودستوره وقوانينه ، ونحن لم ننحدر من أصول بدوية أو فلاحية ، ولم نخدم بالجيش العربي ، بل أغلبية عائلاتنا تشردت من اللد والرملة ويافا وحيفا وصفد وطبريا وعكا ، وجزءاً من بئر السبع عام 1948 ، أي من المدن ونحمل ثقافة المدنية وسلوكها ، والذين هُجروا من القدس ورام الله ونابلس والخليل عام 1967 ، على الأغلب حملوا معهم مدنيتهم .
لقد تأثرنا بمكونات الهوية الوطينة الأردنية لأنها حاضنة دافئة لنا ، وأثرنا فيها لأنها تقبل بالتعددية وتُثرى بها ، مثل تلك المعطيات التي أوردها الرئيس معروف البخيت في محاضرته القيمة لدى منتدى الفكر العربي .
قد تكون العوامل التي ذكرها الرئيس من البادية والريف والمؤسسة العسكرية لعبت دوراً في بدايات التشكيل الوطني للشخصية الأردنية ولا زالت ، ولكنها كانت منفردة أو قوية قبل عام 1948 ، وقبل العام 1967 ، ولكن بعدهما ، لا شك أن التراث الفلسطيني ، إندمج مع التراث الأردني ثقافة ووعياً وتقاليداً وفرحاً وألماً ، لسببين جوهريين : أولهما الإنتماء القومي الواحد على الأغلب ، والإنتماء الديني من مسلمين ومسيحيين ودروز ، وثانيهما تماثل الظرف الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والشعبي ، وهذا ما يُفسر تداخل المصالح والمشاعر والمواقف الوطنية والقومية والدينية لدى كل الأردنيين من كافة أصولهم ومنابتهم ، نحو الإحتلال ومشروعه الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، فقد إستعاد الأردن ما له شرق النهر من أرض ، وأنهى عبر معاهدة السلام حالة الحرب ، ومع ذلك لا هذا العامل ولا ذاك غيّر أو أسقط الرفض الأردني بأغلبيته الساحقة ، الموقف الوطني والقومي والديني الرافض للإحتلال ، وللإعتراف به وبشرعيته ، ويتصدى لكل مظاهر التطبيع مع مؤسساته وأشخاصه وتوابعه .
التراث المشترك ، والحكم المتسامح ، والنفس الوحدوي على الأغلب يطبع تداخل الأردنيين وتمازجهم ورغبتهم في أن يكونوا معاً ، رغم وجود حساسيات ، وتعارض مصالح أنانية وفردية ضيقة وغيرها ، ولكن السمة الأقوى والأفعل هي العنوان الذي يبرز لدى كل مشكلة رداً عليها " الوحدة الوطنية " فالوحدة الوطنية سلاح قوي فعال مجرب أحبط تجربتي الصدام في الأردن ، تجربة الإنقلابات وتداعياتها عام 1957 ، ومشاكل أيلول 1970 ، ولولا قوة التماسك ، وعوامل التأثير المتبادل لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من وحدة وتداخل وقناعة ومباهاة .
ثمة تجربة أقرب علينا أن نتباهى بها ، تضاف إلى تجربتي 57 و 70 ، وهي عام 2011 ، بعد إنفجار الربيع العربي ، فعوامل القوة والتسامح وصور " تقديم  شُرب الماء " من قبل رجال الأمن نحو المتظاهرين ، لما ورثنا حالة الهدوء النسبي الذي نتمتع به ، رغم أننا لم نقطع شوطاً جوهرياً في قضايا الإصلاح ، لا السياسي ولا الإقتصادي ، ولكن عوامل الحفاظ على الأمن والوحدة والتماسك أقوى من دوافع الإحتجاجات والتمرد والإنخراط بالثورة .
دعوني أقول وأضيف إلى ما تفضل به دولة الأخ العزيز والصديق معروف البخيت الذي يتمتع بظاهرتي القراءة والكتابة ، أن الشخصية الوطنية الأردنية هي تمازج الأردنيين مع الفلسطينيين في الأردن ، وصنعتنا هوية وطنية أردنية موحدة متماسكة قوية صلبة ، نفخر بها ونتباهى ، وهي قاعدة القلعة التي وقفت ضد الإحتلال ولا زالت في القدس ، ومع شعبنا الفلسطيني في مناطق 48 ، وها هو جلالة الملك يستقبل بالأمس وفداً من القدس ومن ممثلي مؤسسات شعبنا في مناطق 48 ، رئيس لجنة المتابعة ، مع رئيس الكتلة البرلمانية ، مع رئيس اللجنة القطرية للمجالس المحلية العربية ، أبناء الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة ، للإستدلال على أننا في خندق أردني واحد من أجل القدس وفلسطين وفي مواجهة المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ومشاريعه وسياساته .
 على المستوى القومي لم يكن صدفة أننا ضد المعارضة السورية المدمرة ، وضد الإحتلال الأجنبي للعراق ، وضد أدوات تدمير العراق وتمزيقه بين مكوناته الثلاثة ، التي تربطنا مع ثلاثتهم علاقات متوازنة متكافئة ، ونحن في نفس الوقت ، حافظنا على علاقات محترمة متكافئة مع الخليجيين رغم عدم مشاركتنا في حفر الباطن ، ورغم رفضنا للمساهمة في ذبح العراق ، ورغم رفضنا لتصفية الإخوان المسلمين وإخراجهم عن القانون بتهمة الإرهاب .
كنا معاً وسنبقى وسنواصل ، ولا خيار لنا ، سوى المزيد من الوحدة والتماسك وخيار الإندماج ، من أجل أمن الأردن وإستقراره وتقدمه ، من أجل حرية فلسطين وإستعادة حقوق شعبها كاملة غير منقوصة ، لا أحد يملك المزايدة على الأخر في أردنيته ، ولا يملك أحد المزايدة على أحد بفلسطينيته ، نحن في خندق واحد من أجل الأردن ، وفي خندق مماثل من أجل فلسطين .

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق