اغلاق

بين الجبهة والتجمع بعيون القطري الجديد -بقلم:رجا زعاترة

تحت عنوان مغرٍ – "بين 'التجمع' و'الجبهة' في فلسطين" – نشرت يوم 24.10.2017 صحيفة "العربي الجديد" ( التي تصدر في لندن عن شركة " فضاءات ميديا " القطرية،


رجا زعاترة

والتي أسّسها عضو الكنيست السابق المقيم حاليًا في الدوحة عزمي بشارة ، بحسب موقع " ويكيبيديا " بالإنجليزية ) مقالاً للبروفيسور سعيد زيداني ، استهلّه الكاتب متسائلاً : " ما الذي يميز حزب التجمع الوطني الديمقراطي عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (والحزب الشيوعي نواتها الصلبة) على مستوى الالتزام الأيديولوجي والممارسة السياسية (في فلسطين) لكل منهما؟ وما هو الفضاء الأيديولوجي الذي يسبح فيه كل من الحزبين المتنافسين؟".

" الصحيفة القطرية ليست محايدة ولا نزيهة في تعاطيها مع الأقلية العربية الفلسطينية "
يرصد المقال عددًا من الفروق، أبرزها (بحسب الكاتب): أنّ الجبهة تكتفي بالحقوق الفردية بينما يصرّ التجمّع على الحقوق الجماعية ؛ أنّ الجبهة تطرح "حل الدولتين" في حين يرى التجمّع أنّ "الحل المنصف يجب أن يتمخض عن دولة ديمقراطية واحدة ، ثنائية القومية أو مفدرلة ، أو عن دولتين ترتبطان كونفدراليًا أو تتشاركان في وطن واحد"؛ أنّ الجبهة "لا تكفّ عن المغازلة الناعمة لليسار الصهيوني"، بينما "ينفر" التجمع من "أي عمل مشترك، برلماني أو خارج أروقة البرلمان، مع أي حركة سياسية صهيونية أو أي حزب صهيوني"؛ وأنّ الجبهة "تنسّق مع قيادات فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، مع التأكيد على خصوصية وضع الفلسطينيين داخل إسرائيل ودورهم"، في حين يرى التجمع نفسه "جزءًا من الحركة الوطنية الفلسطينية".
من نافل القول إنّ الصحيفة القطرية ليست محايدة ولا نزيهة في تعاطيها مع الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل وقواها السياسية. ففي حين تفرد الصحيفة مساحات شاسعة لأخبار وتقارير حول منتديات افتراضية لمكافحة العزوبية في " الداخل المحتلّ " ، أو ندوات يحضرها نفر قليل حول " منفى " عزمي بشارة تقيمها جمعيات تتغذّى من الأموال القطرية، أو قضايا " المعمول " و" القطايف " و"الكنافة الخشنة" ؛ نجدها تتلافى تظاهرات ثقافية تتعلّق بأدباء مثل إميل حبيبي وسميح القاسم وتوفيق زيّاد ومحمود درويش، ناهيك عن التغطيات السياسية الجارية. ونحن طبعًا لا نستهين بتاتًا بالكنافة (الخشنة والناعمة على حدٍ سواء، لا سيما النابلسية منها) ولا بالقطايف والمعمول والبورما والهيطلية والمهلبية والهريسة والبقلاوة والعوّامة وأصابع زينب وكعب الغزال ولقمة القاضي وعش البلبل وحلاوة الجبن وكل صنوف الحلويات الشرقية أو حتى الغربية، خاصةً إذا كانت مع قطِر. ولكننا نتوخّى من أستاذ جامعي رصين كالبروفيسور زيداني أن يتحرّى الدقة والنزاهة في مقاله، حتى لو نشره في صحف ومواقع يديرها أُجراء قطَر ! . 

 اكتشاف الحقوق الجماعية
لم يُقيّض لنا التيقّن من مصادر وكيفية استقاء واستقصاء معطيات المقال، والتي تبدو أقرب إلى الانطباعات وأحاديث المقاهي . ولكن يبدو أنّ الكاتب لم يطّلع ، على سبيل المثال لا الحصر ، على كتاب المؤتمر الـ(18) للحزب الشيوعي عام 1976 ، والذي جاء فيه (ص. 189) : " حزبنا الشيوعي الإسرائيل ، يرفض بكل قوة ، المفاهيم الأساسية الصهيونية الحكومية بشأن الجماهير العربية في إسرائيل وطابع دولة إسرائيل . إننا نرفض رفضًا قاطعًا تصريح رئيس الحكومة اسحق رابين بأن دولة إسرائيل هي دولة يهودية وصهيونية ولذلك فلا مكان للاعتراف بحقوق الجماهير العربية القومية في إسرائيل ولا الاعتراف بها كأقلية قومية (...) في دولة دمقراطية حقًا يتمتع كل المواطنين بغض النظر عن الفوارق القومية بالمساواة الكاملة في الحقوق وتُحترم فيها الحقوق القومية للأقلية القومية العربية". وطرح الحزب برنامج "المساواة المدنية والقومية في الحقوق " (ص. 192) الذي تطرق أيضًا للحقوق التاريخية (الاعتراف بالأقلية القومية واستعادة الأراضي المنهوبة والمصادرة وحق العودة إلى القرى المهجّرة وإعادة أملاك الوقف الإسلامي).

" وثيقة السادس من حزيران عام 1980  "
ولعلّ الكاتب لم يطّلع، أيضًا، على وثيقة السادس من حزيران عام 1980 التي جاء فيها : " نحن أهل هذه البلاد، ولا وطن لنا غير هذا الوطن (...) لم ننكر، ولا يمكن أن ننكر ، حتى لو جوبهنا بالموت نفسه، أصلنا العريق: أننا جزء حي وواعٍ ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني. لم نتنازل، ولا يمكن أن نتنازل، عن حق هذا الشعب في تقرير مصيره، وفي الحرية والاستقلال، على ترابه الوطني" (تقرير اللجنة التحضيرية لمؤتمر الجماهير العربية، الذي قدمه الدكتور إميل توما). وكذلك أغفل الكاتب حقيقة أنه في العام 1985 تصدّى القائد الشيوعي توفيق طوبي، من على منبر الكنيست، لأول إسباغ دستوري لـ"يهودية الدولة" عبر قانون أساس: الكنيست، قائلاً: "إن جماهير الشعب العربي التي تعيش في إسرائيل، مواطني الدولة، لا وطن لها سوى هذا الوطن. هذا وطنهم، سيعيشون فيه، ويناضلون فيه من أجل مساواة حقوقهم، وفيه يريدون العيش كمتساوين بين متساوين. ولن يوافقوا على تعريفات تعني سلب حقهم في المساواة، وإلغاء حقيقة أنّ دولة إسرائيل هي دولتهم أيضًا. وسويًا مع القوى الديمقراطية اليهودية سيناضلون من أجل العيش بكرامة ومساواة. وأنا أسأل: ألا يفهم مُعدُّو هذه الصيغة أنهم بهذا التعريف يلطخون دولة إسرائيل كدولة أبرتهايد، كدولة عنصرية؟ اقتراحنا هو إبقاء النص بأن تكون دولة إسرائيل كرامةً وبيتًا ووطنًا لكل مواطنيها اليهود والعرب".
وعليه، فقد غابت عن الكاتب حقيقة أنّ الحزب الشيوعي كان أوّل من طرح الحقوق القومية، منذ السبعينيات. أي قبل عقد ونصف من صدور "إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية" (1992)، وقبل أربعة عقود من صدور "إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية" (2007). وعليه فإنّ كل ادعاء الكاتب بشأن تخلي الجبهة "الحقوق الجماعية" قد جانب الصواب، إن لم نقل أنه تجن على الحقيقة التاريخية.

من شولميت ألوني إلى "أنا أخنع"
كانت زعيمة حزب "ميرتس" الصهيوني شولميت ألوني أوّل من طرح فكرة "دولة المواطنين" عام 1992 ( خلال النقاشات على تشريع قانون أساس : كرامة الإنسان وحريته، والذي تبنّى صيغة "دولة يهودية وديمقراطية " ) وهذا الطرح (دولة المواطنين) لا يتناقض مع مبدأ "يهودية الدولة" أو "الدولة اليهودية" بل يتكيّف معه . وهذا أمر أكده التجمع وقادته عدّة مرات : ففي العام 2009 قدّم النائب جمال زحالقة تصريحًا مشفوعًا بالقسم لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، ورد فيه الاقتباس التالي: "موقفنا هو، أنّ الإقرار بأن إسرائيل هي "دولة جميع مواطنيها" لا تنفي وجود إسرائيل كدولة يهودية (....) إنّ القول بأنّ الدولة هي " دولة جميع مواطنيها " لا ينتقص من كون الدولة دولة يهودية ، وإن شئت: دولة الشعب اليهودي". وقد سبق زحالقة إلى هذا مؤسّس التجمع عزمي بشارة، الذي قال أمام لجنة الانتخابات المركزية يوم 31.12.2002 (مخاطبًا رئيس اللجنة): "كتبوا أنّ التجمع يعمل من أجل إلغاء الطابع اليهودي لدولة اسرائيل، الدولة نفسها كدولة يهودية وليس كدولة عربية يهودية... لا يوجد أساس، سيدي الرئيس، لهذا الأمر. لا يوجد أساس". وردًا على تساؤل أحد الأعضاء "السؤال هو إذا ما كنت تسعى لتغيير الطابع اليهودي للدولة؟" أجاب بشارة: "كلا، أنا أسعى لتعميق الدمقراطية في الدولة". ثم يؤكد: "أنا أقسم لدولة اسرائيل كيهودية في جوهرها ودمقراطية في طابعها. لديها طابع يهودي، لديها أغلبية يهودية، إنها تعبر عن حقها في تقرير المصير (...) أنا أقسم لدولة اسرائيل كما تعرّف نفسها وكعضو كنيست أنا أخنع".
ويطرح حزب "ميرتس" الصهيوني موقفًا مشابهًا، من حيث عدم تناقض "دولة المواطنين" مع "الدولة اليهودية" أو " دولة الشعب اليهودي " ، حيث جاء في برنامجه السياسي "إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي ودولة جميع مواطنيها". كما يدعو "ميرتس" إلى الاعتراف بالأقلية العربية "كأقلية قومية لها حقوق جماعية، وتضمن لها التعبير عن ثقافته الخاصة وممارسة لغته". وهذا طبعًا موقف متقدّم لـ "ميرتس" قياسًا بمواقف اليسار الصهيوني، ولكنه يؤكد أنّ شعار "دولة المواطنين" لا يناقض الفكر الصهيوني الليبرالي ولا يهدّده بل يسبح في فضائه الأيديولوجي.
وبخلاف موقف ميرتس والتجمع، فأبرز الدول المعرّفة كـ " دول مواطنين " ، كفرنسا والولايات المتحدة، لا تعترف بـ " حقوق جماعية " للأقليات القومية، وإنما بحقوق فردية للمواطنين. وطبعًا لا تعترف بحقوق تاريخية متعلقة بقضايا الأرض واللاجئين والأوقاف. وكما أكد بشارة نفسه فإنّ هذا المطلب (دولة المواطنين) لم يتمخّض برلمانيًا عن أكثر من المطالبة بدمج العرب في مؤسسات الدولة. فخلال أكثر من عشر سنوات من عضويته في الكنيست كان أبرز تشريع للنائب بشارة هو قانون "التمثيل الملائم" والذي يضمن حصّة معيّنة للمواطنين العرب في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وهو قانون اندماجي (Integrative) بامتياز.
إنّ مطلب "دولة جميع المواطنين" قد يلبّي، جزئيًا، مسألة المساواة في الحقوق المدنية الفردية. ولكنه لا يجيب على سؤال الحقوق القومية الجماعية. وحتى لو افترضنا، جدلاً، أنّ مطلب "الحكم الذاتي الثقافي" يغطّي الحقوق الثقافية واللغوية، فإنه حتمًا لا يجيب على أسئلة الحقوق التاريخية (الأرض واللاجئين والأوقاف). هذا ناهيك عن حقيقة أنّ المزج بين المطلبين غير قائم لا في نظريات العلوم السياسية ومدارسها المختلفة، ولا في أي دولة في العالم. لذا فلا مناص من الاعتراف بأنّ طرح التجمع هذا، على تناقضاته وترقيعاته، لا يرتقي إلى شمولية "الحقوق القومية والمدنية" أو "المساواة القومية واليومية" الذي اجترحه الحزب الشيوعي منذ عام 1976 ولم يتمكّن أحد، لا شولميت ألوني ولا عزمي بشارة ولا زهافا غلئون، من تجاوزه جوهريًا حتى الآن.

حل الدولتين وحق العودة وتقرير المصير
لا يطرح التجمع، ولم يطرح يومًا في برنامجه السياسي ، سوى " حل الدولتين " . وقد قال بشارة في خطابه آنف الذكر عام 2002 : " برنامجنا السياسي ، اقتراحنا، ما اقترحته أنا هنا في نشاطي البرلماني والسياسي ، وفي كل مكان، هو حل الدولتين".
وفي تصريحه عام 2009 كتب زحالقة: "البرنامج السياسي للتجمع يرتكز على مبدأ التسوية التاريخية والتي في مركزها انسحاب إسرائيل من جميع المناطق العربية التي احتُلت عام 1967 على أساس دولتين في حدود 1967 بالإضافة إلى تسوية متفق عليها بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين. وأنوه، إلى أنه قبل بدء الحديث عن المبادرة العربية، كنا أول من طالب قبل حرب لبنان الثانية، بأن تتعاطى إسرائيل بجدية مع المبادرة العربية " .
وكما يعلم الجميع، لا سيما "أصحاب الأذهان الثاقبة" كما يعرّفهم الكاتب، فإنّ "المبادرة العربية" التي يحيل إليها زحالقة تتحدث عن حل "متفق عليه". وهذا سقف منخفض إذا ما قورن بطرح الحل العادل لقضية اللاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة، لا سيما القرار 194، كما تطرح الجبهة. فعمليًا - بحسب صيغة الجامعة العربية ومبادرتها والتجمع وزحالقة - فالحل منوط بموافقة إسرائيلية مسبقة. في حين أنّ القرار 194 غير مقرون بموافقة إسرائيلية، كما أنه يتحدث عن العودة والتعويض معًا ولا يخيّر اللاجئين بينهما.

" المشتركة رفعت سقف التجمع في قضية اللاجئين"
وفي برنامج "القائمة المشتركة"، الذي كان كاتب هذه السطور مندوب الجبهة في وضعه مع سائر الشركاء عام 2015، يجري الحديث عن دولة فلسطينية في حدود حزيران 1967. وللأمانة أسجّل أن النائب زحالقة – الذي كان مندوب التجمع في وضع البرنامج المشترك – شدّد على قضية اللاجئين وتأكيد حق العودة والقرار 194. أي أنّ القائمة المشتركة رفعت سقف التجمع في قضية اللاجئين ليوازي سقف الحزب الشيوعي والجبهة التاريخي في هذه القضية.
أما في ما يخصّ سؤال حق تقرير المصير، فيكتب زحالقة عام 2009: "إننا نميّز بين موضوع تقرير المصير لليهود في إسرائيل، والذي هو قضية أخلاقية وشرعية، وبين التعريفات الدستورية التي تسعى لطلب الحصرية والإقصاء". ويؤكد مرة أخرى : " برنامجنا السياسي واضح . نحن نؤيد حل الدولتين ولسنا ضد وجود الدولة (...) من الواضح أننا لا نعارض المسألة الأخلاقية بشأن حق تقرير المصير لليهود في إسرائيل" .
أما عزمي بشارة فقد كان أكثر حدّة حين قال (عام 2002): "أنا أعترف بحق هذه الأكثرية بتقرير المصير في الدولة... بالمناسبة اسألوني إذا كنتُ أعترف بحق تقرير المصير لإسرائيل أم أنني أعترف بها كتحصيل حاصل ، مثلما يوجد عرب أقامت إسرائيل سلامًا معهم ولا يعترفون بحقها في تقرير المصير، بل يعترفون بها كتحصيل حاصل ضمن تسوية سلمية . كلا. أنا لا أعترف بإسرائيل كتحصيل حاصل في اطار اتفاق سلام ، بل أنني أعترف بحق تقرير المصير". و
ردًا على سؤال أحد أعضاء اللجنة "لنفترض أنك انتصرت، هناك تسوية، كل شيء على ما يرام، هل تسلّم بوجود دولة اسرائيل؟"، يجيب بشارة: "نعم. سأكون مواطنًا في دولة اسرائيل". فيُسأل: "اليهودية والدمقراطية؟" ليجيب: "نعم، بالتأكيد"!
وفي حين لم يطرح التجمع، ولو لمرّة واحدة منذ نشأته عام 1996، فكرة "الدولة الواحدة" بشكل جدي في أي محفل رسمي (بخلاف أحاديث وإرهاصات المقاهي)، فلو اجتهد أصحاب الأذهان الثاقبة ونقّبوا في تاريخ الحركة الشيوعية في البلاد لوجدوا أنّ الشيوعيين العرب (عصبة التحرّر الوطني) واليهود (الحزب الشيوعي الفلسطيني) قد طرحوا حل "الدولة الواحدة" أمام  لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن فلسطين (يونيسكوب) في تموز 1947. لقد طرح الشيوعيون هذا الحل في سياق الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في وطنه، وليس في سياق النزق والهروب والتخلّف عن المعركة الآن.

المرحلة الجديدة والتطوّر السياسي
ومع أنّ التجمع يهوى تصوير نشأته أواسط التسعينيات كنقيض للأجواء السائدة بين الجماهير العربية بعد اتفاقية أوسلو عام 1993 وكجواب على " الأسرلة " ، فإنّ شعارات وممارسات التجمع في تلك المرحلة عبّرت عن وتقاطعت إلى حد كبير مع هذه الأجواء وتلك الأسرلة : فقد كان شعاره المركزي في انتخابات العام 1999 (التي خاضها بشارة سويةً مع حليفه اللدود أحمد الطيبي ) " مرحلة جديدة - رؤية جديدة " . أما برنامجه الانتخابي فلم يذكر القضية الفلسطينية إلا في البند 13، مقدّمًا عليها قضايا الجماهير العربية داخل إسرائيل . أي أن قضايا البنى التحتية والصرف الصحي والسلطات المحلية كانت في نظر التجمع آنذاك أهم من قضية القدس وحق العودة. ويعبّر هذا عن نفسية مفادها أنّ القضية الفلسطينية انتهت (مرحلة جديدة)، وعلينا تدبّر أمرنا هنا (برؤية جديدة). وفي نفس الانتخابات ترشح بشارة لرئاسة الحكومة (في فترة نظام الانتخاب المباشر والاقتراع بورقتين) قبل أن يبرم صفقة ويعلن دعمه وقتئذٍ لمرشح حزب "العمل" إيهود باراك. وبحسب تعبير بشارة نفسه فقد قام التجمع "من قلب الكينونة الإسرائيلية تمامًا" ومن "الخطاب الدمقراطي الإسرائيلي الراهن".
لذا لم يكن من قبيل الصدفة أنّ التجمع اجتذب في تلك المرحلة فئات وشرائح طالما دارت في فلك الأحزاب الصهيونية، لا سيما حزب "العمل"، ومن بينهم النائبة حنين زعبي، والتي صرّحت قبل بضعة أعوام (في مقابلة لبرنامج "لندن وكرشنباوم"، القناة العاشرة) أنها تعتبر نفسها "التطوّر السياسي" (שדרוג פוליטי) للنائب سيف الدين الزعبي (رحمه الله)، الحائز على "وسام محاربي الدولة" تقديرًا لدوره في جهاز "شاي" الاستخباري التابع لـ"الهجاناه" خلال "حرب الاستقلال" عام 1948 (حسب موقع الكنيست).

الأممية أرقى مراحل الوطنية
من المعروف أنّ الحزب الشيوعي والجبهة يتبنّيان نهج الأممية والشراكة الكفاحية اليهودية-العربية ، وأنّ أبوابنا مشرّعة للقوى اليهودية المناهضة للصهيونية (على قلتها). ولكن ليس معروفًا كيف استنبط الكاتب من هذا أنّ الجبهة "لا تكفّ عن المغازلة الناعمة لليسار الصهيوني".
إنّ موقف الفكر الشيوعي من الصهيونية بيسارها ويمنيها، ومنذ قرن من الزمن، هو الأسطع والأوضح والأقوى، بالذات لأنه لا يأتي فقط من الشعب الفلسطيني وحده، بل من عرب فلسطينيين ويهود إسرائيليين يدحضون الفرضيات الأساسية للصهيونية فكريًا ويتصدّون للممارسة الصهيونية ميدانيًا. إنّ هذه المواجهة تعني - بالنسبة لنا – الاشتباك الفكري والسياسي المباشر مع الصهيونية وكشف تناقضاتها وسلخ أوسع قطاعات من الجمهور اليهودي عنها. ومن الطبيعي أن يكون جمهور الهدف لاستقطاب قوى جديدة هو جمهور اليسار الصهيوني. وتثبت التجربة التاريخية أنّ من اجتذب الآخر إلى مواقفه وخطه هو الحزب والجبهة، وليس العكس. فقبل 40 عامًا كانت الجبهة القوة الوحيدة في الشارع اليهودي التي تدعو للاعتراف بمنظمة التحرير، وقبل عشرين عامًا كانت الجبهة القوة الوحيدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة يجب الانسحاب منها وتدعو للاعتراف بحق اللاجئين في العودة. فمن الذي غيّر ومن الذي تغيّر في امتحان التاريخ والمواقف؟
وإذا تحدثنا عن "الغزل" فقد يقول قائل أنّ أقوال بشارة ومباهاته أمام أكاديميين وضباط إسرائيليين بأنه "أول مثقف عربي يهتم بالهولوكوست بجدية، ولا ينكرها، ويفهم أبعادها ومعانيها". (ملحق الكتب في صحيفة "هآرتس"، في مقالة عوديد شخطر "ما بعد صهيونيين وشاذون آخرون"، 22 أيار 2007) أو أمام لجنة الانتخابات عام 2002: "أنا بالطبع أتعامل مع التاريخ اليهودي وأحترمه أكثر مما تعتقد. أنت لا تعلم كم أحترم التاريخ اليهودي. وكم هو متنوع" – أنّ هذه الأقوال تنطوي على نوع من الغزل أو التزلّف، لليسار الصهيوني.
ويبدو أنّ الأستاذ زيداني لم يلتفت لمقالة النائبة زعبي " الفرصة مواتية لطرح بديلنا الحقيقي للصهيونية " (موقع عرب 48، 20.10.2017) معلنةً أنه "لقد آن الأوان، نحن فلسطينيي الداخل، لأن نأخذ مسؤوليتنا بإعطاء إمكانية لليهود الموجودين في بلادنا، بأن الانعتاق من عنصرية المشروع الصهيوني، والاستمرار في الحياة في هذا الوطن هي إمكانية واردة"، مضيفة "أننا قد نكون بصدد اللحظة التاريخيّة الأكثر استيعابًا، وإن ﻟﻢ يكن الأكثر احتضانًا، لفهم ما طرحناه خلال العقدين الماضيين من مشروع دولة المواطنين". فهل نطرح خيار الانعتاق على من تحرّروا من الصهيونية أم على من ما زالوا أسراها؟ هل يندرج هذا ضمن "المغازلة الناعمة" لليسار الصهيوني - بحسب تشخيص الكاتب - أم ضمن "التحرّش الفظّ" به؟ وإذا كنا نريد مثلاً وقف قانون برافر أو قانون القومية أو أي قانون عنصري، فهل علينا أن ننتظر حتى تحرّر زعبي كل الصهاينة من صهيونيتهم؟ فهذه عملية "تطوّر سياسي" قد تستغرق عقودًا طويلة! أليس من واجبنا أن نسعى لاستقطاب أوسع قطاعات ممكنة إلى جانب قضايانا العادلة وأن نمنع عزلنا وتحويلنا للقمة سائغة للفاشية الإسرائيلية؟ وهل سنفعل هذا بالوعظ وتهريب الهواتف وبخطاب ينفّر العرب قبل اليهود، أم بخطاب كريم ومسؤول وببناء شراكات موضعية تخدم قضايانا الآنية وتؤسس لشراكات أعمق؟
إننا نعتزّ برفاقنا وشركائنا اليهود الذي يتحدّون الإجماع الصهيوني الشوفيني في مجتمعهم، ويقودون حركة رفض الخدمة في جيش الاحتلال، وغيرها من النضالات ضد الاستيطان وضد العنصرية ومن أجل حقوق العاملين. ونعتزّ بكل يهودي وقف معنا ضد العدوان على غزة. وإذا كان هذا "غزلاً" فهو بالتأكيد من أرقى وأجمل أنواع الغزل.

قلب الكينونة.. والاصطفاف الإقليمي
ونصل أخيرًا إلى سؤال كيفية التعاطي مع المشروع الوطني الفلسطيني والفصائل الفلسطينية. فقد بيّنّا أعلاه دور الحزب الشيوعي والجبهة الريادي في تأكيد انتماء الجماهير العربية للشعب العربي الفلسطيني، ليس انتماءً تاريخيًا وحضاريًا فحسب، بل انتماء وطن وقضية. وبالمقابل تطوّر نضال الجماهير العربية المدني، كجزء من مواطني الدولة. ورفضنا دومًا تخييرنا إسرائيليًا بين الوطن والمواطنة، وأكدنا دومًا أن المواطنة مشتقة من الوطن. وتطوّرت الخصوصية التي يشير إليها الكاتب، ومعها تطوّرت قيادة ليست جزءًا من منظمة التحرير الفلسطينية.
ولا ندري من أين جاء الكاتب بفكرة أن التجمع يرى بنفسه "جزءًا من الحركة الوطنية الفلسطينية"؟ وكيف له أن يمارس هذا الدور من خلال البرلمان الإسرائيلي؟ وهل قام التجمع من مخاض الحركة الوطنية الفلسطينية؟ والإجابة على هذا عند بشارة. ففي خطابه إياه عام 2002 قال الزعيم المؤسس: "لقد كان (التجمع) دورتين حتى الآن (في الكنيست)، وأعتقد أنه ساهم بشكل غير بسيط في الخطاب الدمقراطي الإسرائيلي. برأيي أنه وضّح أيضًا قسمًا من العناصر الأساسية للخطاب الدمقراطي الإسرائيلي الراهن"، مستطردًا: "سيدي الرئيس، أعضاء اللجنة المحترمين، حركة التجمع قامت من داخل النقاش على المواطنة، حركة التجمع لم تُستورد من دولة أجنبية. حركة التجمع قامت من داخل الكينونة الإسرائيلية، من قلب الكينونة الإسرائيلية تمامًا".

" التجمع هو "التيار القومي" الوحيد والفريد الذي ما زال يعتبر ما يجري في سوريا ( ثورة ) "
لم يتطرّق الأستاذ زيداني في مقاله إلى فارق جوهري جدًا بين الجبهة والتجمع، أعتقد أنه يهمّ القارئ القطري والعربي، وهو الموقف من التطوّرات الإقليمية ومن القضية السورية تحديدًا . فالتجمع هو "التيار القومي" الوحيد والفريد، من المحيط إلى الخليج، الذي ما زال يعتبر ما يجري في سوريا "ثورة" ويعتبر إمارة قطر "قِبلة الديمقراطية" في العالم العربي ويستدعي تدخل "الناتو" من أجل "التخلّص من الاستبداد". أما عن الانسجام العجيب للتجمع مع التيار الإسلامي، من الحركة الطلابية إلى انتخابات البلديات وحتى لجنة المتابعة العليا، فحدّث ولا حرج، والحديث يطول.


البروفيسور سعيد زيداني

مقالات

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق