اغلاق

ألف وردة يا أستاذَنا الخالد! ، بقلم : إبراهيم طه - كابول

"بدّي أسلّم على هالوردة". سلّمت عليّ وشددتَ على يدِي... "إنت الوردة يا أستاذ!" هكذا رددتُ عليك، قصّرتُ وما وفّيتُك حقّك.. سلّمتَ ومشيتَ، تُعينك عكّازك،


 بروفيسور إبراهيم طه

يسندك الدكتور عادل، باركتَ للعريس فرحَهُ وجلستَ هناك في صدر الديوان غيرَ بعيد... كانت هذه آخر جملة خاطبتني بها في فرح الشيخ سعيد المحمود. كان الورد آخر ما خاطبني به لسانك المصون الجميل يا أستاذنا الجليل... رحمك الله وطيّب ثراك! وفي فرح خالد الصغير، خالد المحمد حفيدك الذي تحبّه ويحبّك، قبّلتُ رأسك المثخنَ بالجراح وبكينا معًا! وكان هذا آخر مشهدٍ يجمعنا، مشهدٍ تعطّل فيه اللسان ونطقت فيه العيون... أتذكر؟!
اختلفنا معك في موقف هنا وفكرة هناك يا أستاذ.. صحيح، لكنك كنت تعرف كيف تحترم كلّ من يجالسك ويحادثك، وتعرف كيف تحاججه بكثير من الصبر والتأنّي والتجاوز كما يليق بمن خبر السنين وخبرته وتراكمت عليه التجارب وعَظُمت. آلافٌ من الطلاب يدينون لك بالتتلمذ على يديك الكريمتين النظيفتين. آلاف الطلاب من كابول وخارجها يذكرون فضلك الكريم، يذكرون ولا ينسون. لم تكن لي أستاذًا جليلا فحسب، وهذا فضل كبير لا ينكره إلا جاحد، بل كنتَ نعمَ القريب يجمعنا رباطٌ من الدم، نتواصل باسمه، نواصلك وتواصلنا، نتحدّث ونظلّ نأخذ من الحديث ونعطي حتى يوقفنا ما يوجع القلب، وما أكثره... أتذكر؟!
تمسّكتَ بالحياة وبها حاولتَ أن تتشبّث بكلّ ما بقي فيك من حول وقوّة، بكلّ ما أبقى المرض، ذاك المرض الخبيث القبيح فيك من حولٍ وقوّة! جاهدتَ واجتهدتَ لتثبت لنفسك قبل غيرك توقَك للحياة، توقَك المنساب بالفطرة مع كلّ دفقة خافق. وكنتَ تكابدها بكلّ ما نعرفه فيك من عزيمةٍ وصلابةٍ وجَلَد. أصررتَ على أن تأخذ حقّك من الحياة، مثلما نأخذ نحن بالضبط، نحن الذين أنعم الله علينا بالصحّة والعافية والبُرء. لكنّ القدر لم يمهلك وكان في انتظارك هناك في متاهات الطريق إلى المشفى البعيد. ويا لها من مفارقة كبرى يا أستاذ! يا لها من مفارقة! تسعى إلى الدواء والشفاء، والموتُ يسعى إليك لا يُؤجَّلُ ولا يُعجَّل.. "لا أخاف الموت ولا أجزع!" هكذا كنت تقول لي... أتذكر؟!
كان أبناؤك يرجونك، كما كنت تقول لي غير مرّة، ليرافقوك إلى المشافي وقد أثقلتْ كاهلك، أرهقتك وما أقعدتك. كانوا يرجونك باسم الحقّ الذي أحقّه الله للوالد على الوليد وباسم الواجب الذي أوجبه الله على الوليد للوالد. كانوا يرجونك وكنت ترجوهم "لا تفعلوا!". لم تسمح لأحد إلا لها، إلا لرفيقة دربك التي لم تفارقك يومًا لا في السرّاء ولا في الضرّاء، وما أكثر الضرّاء يا أستاذ! اللهمّ لا اعتراض! اللهمّ لا اعتراض! ظلّ قلقك الأبويّ الكبير على أولادك وبناتك في قلبك المتعَبِ وعلى لسانك الأديب المؤدّبِ حتى اللحظة الأخيرة، قلق الأب الحاني على فلذة كبده. وكنتُ أقول لك: "لا تقلق، لقد كبروا.. ربّيتهم فأحسنتَ التربية". لكنّ الوليد هو الوليد وإن بلغ من الكبر عِتيّا. هكذا قلت لي ورأيت بعض الدمع في عينيك الذاهلتين... أتذكر؟!
كلهم يحبّونك هنا يا أستاذ، كلهم يحبّونك من الوريد إلى الوريد...
 رحمة من الله عليك!
وألف وردة على قبرك الطاهر الطريّ النديّ يا أستاذنا الخالد!
يدعو لك بالمغفرة والرحمة: إبراهيم طه


المرحوم الأستاذ خالد طه

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق