اغلاق

إسرائيل المصنوعة في رواية 'قط بئر السبع'، بقلم: رائد الحواري

أصبح "لأسامة العيسة" خطه الروائي المتميز، فهو من خلال الحدث يقدم لنا الجغرافيا والفلسطينية والتاريخ/التراث والإنسان الفلسطينيّ، وقد انعكس هذا الاهتمام على عناوين



روايته والتي جاءت بهذه التسمية: "المسكوبية، مجانين بيت لحم، قبلة بيت لحم، قط بئر السبع، وردة أريحا" وكأنه من خلال هذه العناوين يؤكد على فلسطينية المكان وعلى أهميته، أما إذا ما دخلنا إلى متن رواياته فسنجد هناك كم كبير من المعلومات عن الجغرافيا والتاريخ الفلسطينيّ على مر العصور.
 من هنا يمكننا القول بأن خط  "أسامة العيسة" الروائي خط متميز لا يماثله أياً من كتاب الرواية الفلسطينية، ونجدد هذا الأمر في رواية "قط بئر السبع"  فالراوي يحدثنا عن سجن بئر السبع والطريقة التي يتعامل بها السجان مع المعتقل الفلسطينيّ، ومن خلال الأحداث يتم تناول فلسطينية الأرض والإنسان وزيف كيان المحتل والطريقة التي صنع بها، بحيث لا يدع مجال للشك بأن هناك أصالة تتمثل في فلسطين والفلسطيني وزيف وتشويه يتمثل في إسرائيل الصهاينة.

صناعة سكان إسرائيل
لكي يكون ما يقدمه لنا الراوي من معلومات مقبول لدينا فإن الراوي جعل الحديث عن صناعة سكان إسرائيل يأتي على لسان مدير السجن "آشر" فغالبية ما يتعلق به بالعراقيين اليهود جاء على لسان مدير السجن نفسه، ومن "سمسوني" الكاتب الإسرائيلي والقليل جاء على لسان الشخصيات الفلسطينية "إبراهيم البسة أو شاهين أو الراوي".
يخبرنا الراوي عن الكاتب "سمسوني" وعن المكان الذي جاء منه فيقول: "بعد هجرته من العراق، في عملية (عزرا ونحميا) التي نقل خلالها ما بين 120000و130000 يهودي عراقي جوا إلى هذه البلاد في الفترة بين 1950و1952 عبر إيران وقبرص" ص105، إذاً هناك دخلاء جاءوا إلى فلسطين وهم ينتمون إلى مجتمع وثقافة وبيئة أخرى، غير  هذه البيئة.
 يخبرنا "آشر" عن بداية وصوله إلى فلسطين فيقول: "مكثنا سنوات في معسكرات الاستيعاب (المعبروت) فرضت الدولة برامجها التعليمة، وخياراتها الثقافية علينا، وضعنا في (بوتقة الصهر) وضعونا فيها لتشكلنا كما يبتغون، صهرونا كما الحديد، حتى سمح لنا بالاندماج في المجتمع، الأشكناز العلمانيون أرادوا يهودا على شاكلتهم، قصوا سوالف الأولاد الصغار أبناء العائلات المتدينة، أرادوا خلال ثلاث سنوات في بيوت الصفيح، أن يقشطوا عن جلودنا ما علق بها، طوال مئات الأعوام، من درن الشرق" ص73، ما يستدل من هذا الكلام أن هنا جماعة جاءت (غصبا) من الخارج وفرض عليها نظام خاص لتتكيف مع البيئة والمجتمع الجديد، وكان لا بد من تهيئتهم (ثقافيا) ليكي يكونوا منسجمين في البيئة الجديدة التي فرضت عليهم، فهم دخلاء على الجغرافيا وغير منسجمين اجتماعيا.
من هذه التغيرات التي جرت للعراقيين اليهود تغير الأسماء، فها هو مدير السجن يتم تغير اسمه من "أشرف" إلى "آشر": "...وخضوعه لعملية تحول، كان ينتظرها لشخصيته وهويته، ومن بينها تغير اسمه من أشرف إلى آشر" ص114، هذه احدى الوسائل التي انتهجها الصهاينة في صهينة اليهود الذي جلبتهم غصبا وقهرا إلى فلسطين.
هناك مجموعة طرق ووسائل استخدمتها الحركة الصهيونية لتجبر وتدفع  اليهود للقدوم إلى فلسطين، منها ما حدث في العراق من خلال ما يعرف بعملية "الفرهود" والتي تعرض فيها اليهود العراقيين لعمليات ترهيب من تفجير وقتل وتخريب لمحلاتهم ومنازلهم،  فنجد تواطؤ الحكومة الإنجليزية فيما جرى لهم من خلال هذه الحقيقة: "كان البريطانيون على الأبواب. هرب النازي رشيد علي الكيلاني، فحدثت الفوضى ولكن البريطانيون أخروا دخولهم 84 ساعة، لماذا تأخروا؟ لماذا وقفوا متفرجين على مقتل عشرات اليهود؟. 
لكن هل فقط توقف الأمر عند البريطانيين فقط، أم أن هناك يد أخرى ساهمت فيما آلت إليه أحوال اليهود العراقيين؟، يسأل "إبراهيم البسة" "آشر" هذا السؤال: "ألم يلق وزيركم مردخاي بن بورات القنابل بنفسه على كنيس مسعودة شم طوف في بغداد؟" ص101، إذاً كانت هناك مجموعة أعمال مخطط لها من قبل الصهاينة لتدفع وتجبر العراقي اليهودي على ترك وطنه والقدوم إلى فلسطين.
مفهوم الضحية (الهولوكوست) استخدمته الحركة الصهيونية كايدلوجيا تجمع وتوحد اليهود، ففي العراق جعلوهم ضحية العنف الذي مورس عليهم، وفي أوروبا استخدموا ما فعله هتلر بهم، فهناك (عقدة الضحية) استخدمتها الحركة الصهيونية لتوحد وتجمع اليهود: "يا إبراهيم الهولوكوست كارثة استهدفت شعبنا بأكمله، لم تقتصر على أوروبا، وصلتنا إلى العراق، في بغداد" ص99.

صناعة جغرافية إسرائيل
لا يمكن لأي تجمع بشري أن يكون له وجود/كيان دون جغرافيا، فالجغرافيا هي أحدى الأسس الرئيسية التي يتشكل عليها وفيها المجتمع، وفي الحالة الصهيونية لا بد من وجد جغرافيا تعتمد عليها، وبما أنها في حقيقة الأمر لا يوجد لها أي مكان في فلسطين، فقط اعتمدت التزوير والتشويه لتقنع مواطنيها بأنهم أصحاب تاريخ على هذا الأرض.
فلسطين عامرة بالمقامات والأضرحة، حتى أننا نجد في القرية أكثر من مقام أو ضريح لأحدى الصالحين إن كانوا من الأولياء أو الأنبياء، والحركة الصهيونية تعمل بجد على سرقة هذا الأماكن وتزورها لصالح الخرافة الصهيونية، كما هو الحال في هاذين الضريحين، والذي يحاول البروفسور "شمشون" جاهدا نسبهما لليهود: "ضريحا الصامت وغريب، أخذناهما غنائم حرب، لم يحتاج الكيبوتسيون الأوائل للكثير، ليبدأوا مرحلة جديدة من تاريخ صرعة المديد، أخذوا الأرض، ودار المختار، والدين الشعبي، لآن ضريح دان بن يعقوب هو من أماكن الحج الأكثر شعبية في إسرائيل، عبدت الطريق إليه وسيرت الحافلات، ... قبر الشيخ غريب حدد أولا بأنه قبر شمشون وبعد سنوات رأى حاخام في المنام أنه ضريح دان بن يعقوب، فتم نقل شمشون ليحل محل الشيخ الصامت، ولأن الضريح يضم قبرين، فإن القبر الثاني هو للمبجل منوح، والد القاضي الجبار، والذي حارب الفلسطينيين" ص88، بهذه الطريقة يتم تزوير الجغرافيا الفلسطينية، وتحويلها إلى شيء آخر تماما.
ولكي يكون سرد أحداث الرواية منسجما، فقد استخدم الراوي صوته هو لتأكيد فلسطينية هذا المكان فيقول:
" هدموا المسجد وأبقوا على مقام الشيخ الصامت، وحولوه إلى مقام شمشون الجبار، ومقام الشيخ غريب سموه باسم دان، واستبدلوا اسم القرية القديم تسورعة، وبدأوا حياة جديدة في تاريخ المكان، بينما كان أصحابه هناك في المخيمات، يعانون حياة أخرى ويأملون ويألمون" ص78و79، إذاً المكان في الأصل كان فيه حياة اجتماعية، وهم من اعطوه التسمية وهم من بنوه وعمروه بنيانا وثقافتا,
فنجد الهجمة على الجغرافيا الفلسطينية لم يكن بالاستيلاء عليها بالقوة فقط، بل بالتشويه والتغريب أيضا، فنجد "آشر" العراقي يحدثنا عن مدينة "بئر السبع" بالطريقة والثقافة التي تصهين بها: " خذ مثلاً، مدينة بئر السبع، هي من مدننا التاريخية، مدينة إبراهيم وهاجر، ويعقوب وعيسو، مدينة الآبار السبع، والذبائح السبع، ظلت مدمرة،  مهملة، ولم تهتموا بها حتى قرر الأتراك بناءها من جديد في أوائل القرن العشرين" ص102، كلنا يعلم بأن مدينة بئر السبع موجودة في فلسطين منذ الكنعانيين، وما قام به الأتراك من بناء لا يعدو أكثر من توسعة للمدينة التاريخية، لكننا نجد "آشر" العراقي الذي تصهين ثقافيا يلغي كنعانية وفلسطينية المدينة لصالح الثقافة الصهيونية التي حملها مجبرًا، فهو كمن يكذب الكذبة ويريد من الآخرين تصديقها.

شخصيات الرواية
الشخصيات الفلسطينية هي "إبراهيم البسة، وعلي الكوبرا، وشاهين، وموسى" وكلها شخصيات متواضعة التعليم، بمعنى أنها لم تحصل على شهادات علمية، بينما نجد الشخصيات اليهودية من "آشر، والبرفسور شمشون، والدكتورة منزل" متعلمة وحاصة على أعلى مرتب العلم،  ونجد أن الشخصيات الفلسطينية تخضع للاعتقال في سجن صحراوي حيث الحرارة المرتفعة في النهار والبرودة القارصة في الليل، ونجد محدودية الكتب ومصادر المعلومات التي يمكن الحصول عليها في السجن، ونجد عدم توفر الوسائل التعليمية المنهجية التي يمكنها أن تقدم معرفة ومعلومات حسب التعليم العصري، ونجد ضيق المكان وما يسببه للمعتقل من تأثير نفسي سلبي، بينما نجد العكس في جانب المحتل، فهو يمتلك الوسائل والظرف والمكان والبيئة المناسبة للتعلم، ومع كل هذا نجد الفلسطينيّ المتواضع في الظرف والمكان والإمكانيات يتفوق على ذاك المحتل المتعلم
والحاصل على أعلى مراتب التعليم والمعرفة، وكأن الراوي ـ من خلال تقديم هذه الشخصيات ـ يريدنا أن نصل إلى أن الانتصار يكمن في الحقيقة، في الإيمان بحقنا في فلسطين، أن المحتل مهما استخدم ومهما فعل لتغير الجغرافيا  أو الإنسان لن ينجح.
فإذا كانت تلك الشخصيات متواضعة التعليم استطاعت أن تنتصر على أولئك المتعلمين والخبراء، فما بالنا في أشخاص يملكون المعرفة وعندهم الوسائل العلمية والتعليمية؟.
الرواية من منشورات دار الهلال، مايو ـ يونيو 2017.

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق