اغلاق

مفاوضات اللا-مفاوضات ، بقلم: فالح حبيب

يجري التفاوض من أجل المفاوضات، وليس من أجل التوصل إلى تفاهمات، فتصبح المفاوضات بحد ذاتها هدفا بدلا من أن تكون وسيلة، لهذا ما مِن "مفاوضات الوسيلة"،


فالح حبيب   

إلا وكانت محكومة بشروط، ومتداخلة بجدول زمني مُحكمْ التوقعات والأهداف.

جمود العملية السلمية... ما هو واضح من خلال القراءة والاستدلال الاستقرائي للحاضر
والتاريخ منذ عام 1993 والتوصل إلى "تفاهمات أوسلو"، نعم تفاهمات تسبق الحل النهائي، رغم تسوقيها على أنها اِتفاق من قبل كثيرين، الجانب الفلسطيني وجد نفسه مجبرا أخاك لا بطل بدوامة مفاوضات "اللا-مفاوضات"، يفقد رويدا رويدا قدرته على المبادرة، رغم اِستخلاصه للعبر وتداركه للأمر متأخرا. إذ وفقا للعلوم السياسية والدبلوماسية هناك ثلاثة أنواع مفاوضات مركزية:

1- "المفاوضات الصادقة"
(Trustworthy Negotiation)
تلك التي تقوم خلالها الأطراف بإجراء مفاوضات حقيقية تحكمها نوايا جادة صادقة مسبقا للتوصل إلى تفاهمات حتى وإن لم تفضي إلى اِتفاق وحل دائم ينهي الأزمة أو الصراع أو الخلاف القائم وغيرها.

2- "مفاوضات الدوافع المختلطة" (Motives Mixed)
مفاوضات يطمح
خلالها أحد الأطراف بتحقيق مجموعة من الدوافع المتنوعة الأنانية تقود إلى اِنجازات فردية، لكنه لا يُلغي اِمكانية التوصل لاتفاق مع الطرف الآخر إذا توفرت الفرصة والاِمكانية لذلك خلال المحادثات.

3- "المفاوضات الوهمية الكاذبة"
(Fake Negotiations)
وفيها أحد الأطراف أو حتى كليهما يدخلان المفاوضات ليس لتسوية الخلاف فيما بينهم، بل لتحقيق أهداف/ واِنجازات ومكاسب أخرى لا تتعلق بشكل قاطع بلب الصراع والتوصل إلى حل دائم
(Related-Outcome Non)
 في الحالة المذكورة يمكن القول أن المفاوضات هي من أجل اِدارة الصراع باستراتيجيات متعددة.

"مفاوضات وهمية كاذبة بامتياز، واِنحياز كامل لطرف على حساب آخر، لتبقى العملية السلمية تراوح مكانها

للأسف، مَن يَتتبع المفاوضات ومحضار جلساتها (البروتوكولات)، على نزرها، والتصريحات والشهدات الشخصية، ولا داعي لأن يكون نابغة عصره، يتوصل لنتائج وخيمة تنعكس على جوهر تطلعات القضية برمتها. ليس صدفة لسان حال البسيط اليوم: ما الذي يجري وكيف يجرؤ "الراعي" الحصري للمفاوضات أن يُقدم على ما أقدم عليه من خطوة مؤخرا؟!!. ففي ظل توفر شروط التفاوض الفوقوي الاستعلائي النابع من منطلق القوة وتجييش المجتمع الدولي لصالح طرف واِنحياز "الراعي" الحصري  لطرف على حساب آخر، وعدم توفر الثقة الكاملة المطلقة، والتردد والتلكؤ بوضع نقاط البحث الأساسية (نقاط المواجهة) على طاولت المفاوضات، من منطلق "ما لي لي، وما لك أيضا لي" ومنافسة معادلة "لعبة الصفر" بمعنى مكاسبي وانجازاتي هي خسارة لك، هذه وغيرها، كلها مؤشرات إلى مفاوضات عبثية يُدرك الطرفان أنها كذلك، لكنهما يستمران بها لأسباب عديدة:

1- "كسب الوقت": الطرف الاسرائيلي، وقد بدا جليا منذ البداية، وفيما بعد باِنتخاب نتنياهو عامة وعلى وجه الخصوص دورته الثانية، وفيما بعد، في مرحلة متأخرة جدا، صعود "ترامب" لسدة الحكم، أراد ويريد كسب الوقت لتعزيز قوته الدبلوماسية وترجيح كفته دوليا، وتكريس الوضع القائم وتعزيز مكانة الطرف الاسرائيلي في الصراع والحفاظ على "قوة المبادرة" و"تهويد" ما تبقى، واِستمرار الاستيطان لفرض قواعد لعبة جديدة تقود إلى مرحلة معقدة جديدة تستدعي فهم واِيجاد آليات تعامل جديدة، هي الأخرى بحاجة إلى وقت، وبهذا يفرض على الأطراف البقاء في دائرة "كسب الوقت" المغلقة، فما الداعي للاعتراف "بيهودية الدولة" إذاً الذي يطالب به نتنياهو؟! (هل هذه مسؤولية الفلسطيني أصلا- عرف دولتك كما شئت) ولماذا يتعمد دائما اِفتعال الأزمات واِظهار "فزاعات" واِنتهاج سياسة التخويف، أليس لكسب الوقت، وصرف النظر عن القضية الفلسطينية واِنزالها من على جدول عمل المجتمع الدولي والحديث الجماهيري العام!!

2- "اِحراج الخصم والتنصل من المسؤولية": ما مِن شك، وبناءً على الكثير من المؤشرات، الطرفان في مرحلة ما أدركا أن المفاوضات لن تفضي إلى شيء، فوجدوا أنفسم يخوضون فيما أُسميه "مفاوضات رفع العتب والتنصل من المسؤولية" بمعنى، أحد الأطراف يتفاوض فقط حتى يظهر أمام الرأي العام والمجتمع الدولي كالطرف المستعد مبدأيا دخول المفاوضات وتقديم تنازلات والتوصل إلى تفاهمات وتسويات حتى وإن كانت مؤلمة ومُكلفة (نوايا زائفة)، فقط من أجل عرض الطرف الآخر كمتمترس في مواقفه وتحميله مسؤولية فشل المفاوضات وعدم التوصل إلى تفاهمات، وبالتالي، تحميله مسؤولية الصراع للحصول على صورة جماهيرية اِيجابية، وبالمقابل شيطنة الطرف الآخر ووصمه بأبشع التهم لنزع الشرعية عنه.
الجانب الاسرائيلي على سبيل المثال كان يعلم، وبالتحديد، في قمة "كامب ديفيد" أن الرئيس الراحل الفلسطيني ياسر عرفات رغم تجييش الدعم الأمريكي وتحويله إلى ضغط مكثف مستميت عليه، إلا أنه لن يتنازل عن قضايا تُعتبر ثوابت فلسطينية، لن يجرؤ أي رئيس فلسطيني التنازل عنها، ومع ذلك، فاوضوا ليخرجوا ويقولوا لا "يوجد شريك" (There is no partner)
اِستراتيجية مفضوحة اِنتهجها رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك "ايهود براك" وطاقمه المفاوض، كذلك الأمر ينطبق على خطوة الانسحاب أحادية الجانب من قطاع غزة التي اِنتهجها رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق "أرئيل شارون"، وغيرها الكثير من المحاولات واِطلاق "فقاعات وبالونات" التجارب لتجييش الشعوب.
وما زالت محاولات اِستخدام اِستراتيجية "اِحراج الخصم وتحميله المسؤولية" مستمرة بين كر وفر من كلا الجانبين لاستثمارها سياسيا محليا وخارجيا، وللحصول على الشرعية وتجنيد الدعم الدولي الدبلوماسي والاقتصادي واستغلالها وتسييرها لتصب في مصبه وصالحه وتحرير نفسه من اِلتزامات مستقبلية.

4- "دراسة وكشف توقعات الطرف المنافس/العدو"، الأطراف تتفاوض أحيانا بشكل مباشر لدراسة المنافس وتتبع خطواته، وكشف توقعاته، ومواقفه الحقيقية والحد الأقصى لحدوده الحمراء ومدى قدرته على تقديم تنازلات، وصلابته من ليونته، ومدى قدرته على تحمل الضغوطات، وبالتالي، التوصل إلى اِتفاق. مرحلة جس نبض شاملة لم يتوقف الجانب الاسرائيلي من اِنتهاجها منذ انطلاق المفاوضات للتوصل إلى الحل النهائي وقبلها بكثير.
 
4- "عدم وجود خيار آخر"، الأطراف بشكل عام تنتهج اِستراتيجية "المفاوضات الوهمية الكاذبة" لعدة اِعتبارات، ليس بهدف تحقيق "أفضلية" أو منع خسارة ما فقط، بل لعدم وجود "خيار آخر" أمامها يساهم بمراوغتها وتهربها من الضغوطات السياسية الجمة سواءً أكانت داخلية أو خارجية، وتنصله من أي مسؤولية. وهل يقوم الجانب الاسرائيلي بأمر آخر غير ذلك؟!

في ظل توفر جميع الأسباب التي تلغي اِمكانية "المفاوضات الصادقة الحقيقية" وغياب شروطها، بات واضحا أن المفاوضات منذ عام 1993 وتفاهمات "أسلو" العلنية وما سبقها من محادثات تمهيدية سرية، بشكلها الحالي، لم تعد مجدية في العملية السلمية، بل هي مجرد مفاوضات تتوفر فيها جميع الصفات التي تميّز اِستراتيجية "المفاوضات الكاذبة" يتحمل مسؤوليتها الجانب الأسرائيلي بمراوغاته المتواصلة وتعقيد المُعقّد أصلا سياسيا محليا ودوليا. مفاوضات اللا-مفاوضات بوصاية ورعاية واحدة لم تعد مُجدية منذ زمن بعيد، هي مراوحة على شريط متحرك، فلِما محاولة تكرير نفس التجربة بنفس الأدوات وتوقع نتائج مغايرة؟!

عدم التسليم بالمفاوضات كالوسيلة والآلية الوحيدة فقط لإنهاء الصراع، والعمل على مفاوضات حقيقية صادقة في ظل التغيرات "الجيو سياسية" أو حتى اِتخاذ اِجراءات وخطوات سياسية دبلوماسية أحادية الجانب بالمستوى العام (الماكرو) تعتمد على الشرعية الدولية بات أمرا حتميا، فلا وقت للوقت.


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق