اغلاق

الجوانب القانونية لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بقلم: المحامي قيس ناصر

أعلن الرئيس الأمريكي ترامب يوم 6.12.17 قراره الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لدولة إسرائيل. لقد لاقى القرار تنديدا كبيرا من الشعب الفلسطيني ومن قيادته الممثلة


المحامي قيس يوسف ناصر

بسيادة الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ومن دول كثيرة من شتى انحاء العالم. عدا الجوانب السياسية المرتبطة بالقرار والتي تمثل انحياز الولايات المتحدة الواضح لدولة إسرائيل وتجاهلها للشعب الفلسطيني الذي يعيش أطول وأقسى احتلال في العالم، أريد في مقالتي هذه ان أسلط الضوء على الجوانب القانونية التي تضمنها خطاب الرئيس ترامب، موضحا ان الرئيس ترامب تبنى الخطاب القانوني لدولة إسرائيل حول القدس المحتلة بشكل كامل، بل أنه استعمل في خطابه ادعاءات وروايات إسرائيل نفسها لتشريع احتلالها للقدس!

أولا، لم يذكر الرئيس ترامب في كل خطابه من بدايته وحتى نهايته أي كلمة عن القدس في نظر القانون الدولي. ولم يكن هذا من قبيل الصدفة بل كان ذلك تجاهلا مقصودا، لأن القانون الدولي يعتبر القدس الشرقية ارضا محتلة سيطرت عليها إسرائيل بقوة السلاح عام 1967، وعليه لا يعترف القانون الدولي ومؤسساته الرسمية بسيادة إسرائيل على القدس الشرقية ويعتبر ان كل إجراءاتها فيها باطلة من أصلها. وقد تمثل هذا الموقف جليا في قرار محكمة العدل العليا الدولية في لاهاي عام 2004 في قضية بناء جدار الفصل العنصري. بل حتى داخل إسرائيل نفسها هناك مجموعة من الباحثين والباحثات في مجال القانون تدعم موقف القانون الدولي بان القدس الشرقية ارضٌ محتلة.

ثانيا، ذكر الرئيس ترامب في خطابه ان القدس مركز للشعب اليهودي وأنها مدينة اليهود تاريخيا. هذا الخطاب هو خطاب المؤسسات الإسرائيلية الرسمية. يتمثل هذا الخطاب حتى في الخرائط الهيكلية القطرية للبناء في إسرائيل وفي الخارطة الهيكلية الخاصة بلواء القدس، وتصرح هذه الخرائط التي أطلقتها حكومة إسرائيل ودائرة التخطيط العليا في إسرائيل ان هدف التخطيط القدس ومحيطها هو الحفاظ على القدس كمدينة يهودية بل تحويلها أيضا لمركز عالميّ للشعب اليهودي.
بطبيعة الحال، ان تحويل القدس لمدينة يهودية وكمركز للشعب اليهودي يعني الحفاظ على اغلبية يهودية ساحقة في القدس وهذه الغاية لا تتحقق الا من خلال تضييق الخناق على الفلسطينيين في القدس في كل مجالات الحياة وتهجيرهم من المدينة بأساليب مختلفة وهي السياسة التي تنتهجها إسرائيل وبلدية القدس تجاه المقدسيين منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967.
ثالثا، علل الرئيس ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل بان القدس تحتضن المؤسسات الرسمية المركزية لدولة إسرائيل مثل الكنيست ومقر رئيس الدولة والحكومة ومحكمة العدل العليا. عمليا، هذا التعليل هو اقتباس كامل للمادة الثانية لقانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل التي تنص على ان "القدس هي مكان مسكن رئيس الدولة، الكنيست، الحكومة ومحكمة العدل العليا". ونذكر في هذا الشأن انه بعد ان نشرت الكنيست القانون المذكور عام 1980، نددت المجتمع الدولي بهذا القانون مؤكدا في حينه ان القانون المذكور باطل وان كل إجراءات إسرائيل في القدس الشرقية المحتلة باطلة. إسرائيل من ناحيتها لم تأبه بتلك القرارات الدولية وحتى محكمة العدل العليا الإسرائيلية اكدت في عدة قضايا شرعية احتلال إسرائيل للقدس الشرقية وقد خالفت بذلك القانون الدولي.

رابعا، يدعم الرئيس ترامب حل الدولتين، أي إقامة دولة فلسطينية أيضا، إذا كان هذا الامر متفقا عليه من الطرفين على حد قوله! بهذا تبنى الرئيس ترامب انكار دولة إسرائيل لحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. ان حق الشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة هو حق أساسيّ يضمنه القانون الدولي العام والإنسانيّ وهو غير مشروط بموافقة إسرائيل. وهل منع المجتمع الدولي إقامة دولة إسرائيل لان الفلسطينيين والعرب عارضوا في حينه إقامة الدولة؟ وهل اشترط المجتمع الدولي قيام دولة إسرائيل بموافقة الفلسطينيين والعرب وقد أدرك جيدا في حينه اعتراض الفلسطينيين والعرب على إقامة الدولة؟! هي سياسة الكيل بمكيالين وقد تجلت واضحة في خطاب الرئيس ترامب!

خامسا، علل الرئيس ترامب اعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل بان القدس هي عاصمة "لإحدى انجح الديموقراطيات في العالم" على حد تعبيره. وهذا جانب آخر تبنى فيه الرئيس ترامب الرواية التي تسوقها إسرائيل للعالم عن نفسها منذ سنين! وكيف لدولة إسرائيل ان تكون انجح الديموقراطيات في العالم ان كانت هي دولة محتلة وان كانت تسيطر بقوة السلاح على أكثر من مليوني فلسطينيّ وتجثم على صدورهم وتسلبهم ابسط الحقوق والحريات منذ أكثر من 70عاما؟! وكيف لدولة إسرائيل ان تكون انجح الديموقراطيات في العالم ما دامت ممعنة في احتلالها وفي سلبها لأراضي الفلسطينيين وتواصل مشروعها الاستيطاني التوسعي دون توقف مع ان الاستيطان جريمة حرب حسب دستور المحكمة الجنائية الدولية؟! كل هذا يضاف الى سياسات الاضطهاد والتمييز العنصري التي تنفذها دولة إسرائيل تجاه المجتمع الفلسطيني في الداخل من سلب للأرض وسلب لأبسط الحقوق والحريات ومن سياسات التهجير والقمع المتواصلة.

سادسا، روّج الرئيس ترامب في خطابه ان إسرائيل ستحافظ على حرية الأديان والعبادة في القدس. هذا الأسلوب نفسه الذي تروجه إسرائيل لتزين للعالم احتلالها. وفي الواقع ان هذه الرواية هي ابعد ما يكون عن الواقع. إذا ان سلطات الاحتلال تمنع بشكل منهجي المسلمين والمسيحيين من الوصول الى الأماكن المقدسة وتمس بشكل دائم حقهم في العبادة وفي إقامة شعائرهم الدينية والاحتفال بأعيادهم. بالمقابل، تعمل سلطات الاحتلال كل ما بوسعها من اجل صبغ القدس بهوية يهودية وذلك على سبيل المثال بواسطة دعم وتكثيف الفعاليات الدينية اليهودية في القدس والبلدة القديمة وحتى في باحات الحرم القدسي الشريف! 

 "لن يغير هذا الخطاب شيئا من التاريخ ومن الواقع وحقيقة ان القدس الشرقية ارضٌ محتلة"
خلاصة القول، مع ان لخطاب الرئيس ترامب وقراره بخصوص القدس أثر معنويٌ سلبي على مشاعر الفلسطينيين وكل الأحرار في العالم، لن يغير هذا الخطاب في نظري شيئا من التاريخ ومن الواقع ومن الحقيقة ان القدس الشرقية ارضٌ محتلة وعلى إسرائيل اعادتها كما باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة للشعب الفلسطيني حتى يقيم دولته المستقلة وليعيش بعد أكثر من قرن من العذاب والاضطهاد بأمن وسلام مع كافة شعوب المنطقة والعالم وبما في ذلك دولة إسرائيل.
حبذا لو أدرك الرئيس ترامب ان الحق والعدل اقوى من كل خطاب وان السلام لا يتحقق بقرار فردي احاديّ الجانب يدعم الاحتلال ويجهز على السلام!
* محام مختص في قضايا الأرض والتخطيط وباحث للقب الدكتوراة في القانون في جامعة تل ابيب.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق