اغلاق

قراءة في قراءة لواقع، بقلم: فالح حبيب

ما مِن شخص إلا ويقف، وبغض النظر عن الوتيرة، أمام المرآة، فمهنم من يقف متأملا، ومنهم مَن يقف مراجعا لحسابات ومستخلصا لعبر ومنهم مَن ينتقد ذاته


فالح حبيب

 لإصلاح، ومنهم ومنهم، لكن ما هو مؤكد أن الغالبية منهم تقف أمام المرآة لحاجة ما. الحال نفسه ينطبق على العالم الأكاديمي، فهناك أبحاث أكاديمية كثيرة تُشكل مرآة للمجتمع تعكس ما فيه له، وتضعه على مِحك اِعادة النظر واِستخلاص العبر من خلال عرض وكشف ما يتوجب التنقيب عنه واِخراجه إلى النور، أحد أبرز هذه المرايا التي تتجلى فيها حقائق دامغة قد لا يقبل الخوض فيها البعض، هو البحث الذي أجرته عميدة كلية التربية في القاسمي دكتور مرام مصاروة، وجمعته بين شطري غلاف كتاب مضمونه يحوي جرأة، يُدعى "بوليتي- دتيا"، ربط ما بين السياسة والدين ودمج السياسة في الدين، وهو تحصيل حاصل للموضوع الذي يتناوله الكتاب.

عندما يتحول الألم الشخصي لجمعي نتيجة لوعي سياسي 
 كتاب قيمي يتناول قضية اِجتماعية إنسانية من منظور آخر مختلف يتعارض مع المتبع والدارج، كلنا معرضون لها، ونجد أنفسنا دون اِدارك في دوامتها، وجزء منا بإدراك ووعي كاملين - اِستخدام فطن مثقف لفاجعة الفقدان وتخليد الذكرى في المجتمع الفلسطيني ليحول إلى مكسب سياسي وديني نتيجة لتأثيرات الوعي الجمعي السياسي والديني، مع العلم أن العلامة الفارقة هي الحد الفاصل بين الخاص الشخصي الذاتي و"تسييس" الفقدان وجعله "شعبويا" يتماشى مع تطلعات الجمع الذكوري "البطركي" إذا صح التعبير.
ما هو ملاحظ وواضح لمن يقرأ الكتاب ويغوص في أعماق سطوره بالإستدراك الإستنتاجي (من العام إلى المحدد)، وليس بالضرورة، أن الكاتبة اِعتمدت في كتابها وجهة نظر ناقدة "نسوية" ثورية على وضع قائم، رغم أنها تقوم بذلك بلطف وتلطف تامين وتتطرق له بتكنيك "جراحي" وذلك بإدراك ووعي كاملين لحساسية الموضوع الذي يُشكل "طابو" مجتمعي (مواضيع يُفضل المجتمع عدم التطرق إليها أو يرفض الخوض فيها لأسباب كثيرة)، لكن مجرد التطرق للموضوع وطرحه ليطفو على السطح، والحديث عنه بتجرد وموضوعية وطرحه علنا، يُعد نوعا من الإحتجاج البديهي غير العفوي، ويطرح تساؤلا بلاغيا، اِجابته مفهومة ضمنا، يرنو إلى واقع أفضل. لِما لا يكون الوضع مغايرا؟!

الفقدان الشخصي يتحول لفرح لإنه شهادة وفِداء
بالإضافة إلى ما ذُكر، يتطرق الكتاب بطريقة أو ما، "تناصا"، للإستخدام المبالغ فيه للصورة النمطية المستوحاة من نموذج "المرأة الشجاعة" ونموذج "رحم الأمة"، الأم المثالية التي تسعى لأن ترقى إلى سقف التوقعات المرجوة، نتيجة الضغط الاجتماعي الذي ترسم خطوطه الذكورية رغم الألم الشخصي الخاص، وذلك نتيجة لتنشئة اِجتماعية تقضي بتبني المقولة "في الحرب يتصرفون كما في الحرب... حين تضرب المَدافع لا مكان للشخصي، الكل يُدافع"، فالعام أولى مِن الخاص، ويا لها من مفارقة (تجعلها التنشئة مفهومة ضمنا) تلك التي يُخان فيها الألم والحزن والحداد الشخصي ويسقط مقابل العام الجمعي وتبدأ الاحتفالات بالوفاة والشهادة في سبيل الوطن، فمَن يتسبب بالحداد هو نفسه الذي يقود للاحتفال، وذلك طمعا بعدم تمكينه في المعركة ومنحه الأفضلية وصورة نصر، كنوع من التحدي. نمط سلوكي يعكس واقعا مركبا يفرضه صراع مركب سياسيا في ظاهره، طرف من طرفي الصراع يقوده ليكون دينيا في باطنه. صراع قومي وطني يحدد ملامحه ويفرض حدوده هو الآخر المنظومة الذكورية. لهذا السبب، وليس فقط، تظهر ملامح نسوية ثورية في البحث على هذا الواقع المركب وأنماط السلوك.
 الكتاب يقوم بصورة غير مباشرة بعملية مراجعة للواقع، وفي الوقت ذاته، يحتج على نمط سلوكي شخصي قائم، يُغذيه "تسييس- المجتمع" في الوقت الذي يفصل فيه خط فاصل دقيق بين الشخصي بالفقدان للجمعي. يُضعضع ويزعزع أنماط سلوكية شخصية اِجتماعية. الكتاب مبني على بحث هام ويقوم بإعادة التفكير على نمط تفكير قائم.

الكتاب يُثير لدى قارئه فضولا ويفتح باب النقاش الفكري التربوي على مصراعيه
 أعترف، كتاب هام بنظري يتناول قضية إنسانية أصابت الكاتبة بواسطته كبد هدفها (اِثارة الموضوع وترسيخه في الحيز العام والخطاب الجماهيري)، فرغم قراءاتي المتعددة، هذا الكتاب أثار فضولي، وهذا قلما يحدث، وأثار جدلا فكريا وأخلاقيا حول ملامح هوية فاجعة الفقدان الخاص من جهة والجمعي من جهة أخرى. الكتاب يُثير ويقود إلى فتح باب النقاش الفكري الثقافي والأخلاقي والاِجتماعي والسياسي والتربوي، ويترك تساؤلات مفتوحة مثل: "كم يمكن الذهاب بعيدا بالجانب الإنساني وتسييس وتعميم الشخصي نزولا عند رغبة الجمع وتطلعاته للحفاظ على هويته "الوجودية" القومية السياسية؟

2- بمنظور موضوعي مُتجرد مِن "الحمولة الإجتماعية والسياسية والدينية"، هل مقبول اِستغلال وتطويع الفقدان الخاص والألم والحزن بشكل يتماشى مع أهداف الجمع؟
 3- هل يُسفّه ويُسخّف شأن فاجعة الفقدان، أم أنه اِستخدام "مرموق" تفرضه ديناميكية العادات والتقاليد وتصنيفات المجتمع وظروفه، وهل يجب القبول بها على أنها مسلمات؟

لا شك أن البحث والكتاب الذي اِعتمده يُعد سابقة ويتسم بالجرأة المتناهية، لموضوع البحث الإنساني "الحساس" من جهة، وتوقيت صدوره الحرج مِن عمر وتاريخ المجتمع الفلسطيني والقضية والصراع في هذه المرحلة بالتحديد.

قد نختلف مع بعض ما فيه، لكن لا نختلف عليه 
 يتطرق الكتاب لقضية عينية محددة (الفقدان في السياق السياسي والديني) ولم يسلط الضوء على فاجعة فقدان من نوع آخر، قد نختلف مع طريقة تناول الموضوع الإختزالية، بمعنى الإكتفاء بسياق واحد لفاجعة الفقدان، أتفهم ذلك، لأنه لا يضر بمضمون الكتاب قيد أنملة أو البحث، ولا ضير بتسليط الضوء على "البعض من كل" والإبحار في جزئية معينة في عالم البحث.
ختاما، أعتقد أن حال شعبنا كحال كل الشعوب التي تواجه اِحتلالا، في "الحرب" يتصرف كما في الحرب وحين تضرب "المدافع" الجميع، يُلغي الشخصي ويلتزم الصمت و"يدافع". سلوك ليس حصريا علينا فقط.
ما لا شك فيه أن الكتاب يتناول قضية من منظور مختلف، والنظر إلى الأمور من منظور مختلف و"بنظارات" أخرى مختلفة مهم جدا.


دكتور مرام مصاروة


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق