اغلاق

شيخ الصحافة الفلسطيني نهاية جنائزية، بقلم: رشدي الماضي

..."وقد توفي في حيفا في مطلع سنة – 1048(؟)، إبّان الاضطرابات، وبم تُتح الظروف له آنذاك الاحتفال بوفاته كما يليق به وبجهوده"، هذا ما كتبه قلم نجيب عن نجيب نصّار،

 

"شيخ الصَّحافة الفلسطينية" كما يصفهُ كثيرون.
في إشارة الاستفهام، التي تجعل يوم موتهِ منسيّا، ما يجعل من ذاكرة الأحزان المتجدّدة ذاكرة وحيدة، كما لو كان الحزن المتوارث بديلا عن ذاكرة تُحْسِنْ المحاكمة، والحزن ماء غريب، لا يغسل ما يجب غسله إلّا في لحظات هاربة.
وعليه رفيقاتي، رفاقي أبناء هذا الوطن "المَنْسي"، كأن موت "أبو فلسطين" في ذلك اليوم المطير – ربّما – رمززيّا قبل أن يكون جسديا، فالشّيخ الذي تداعى، وقد جاوز الثّمانين، كان قد آثر العزلة في بيته في بلد الشّيخ، ضاحية حيفا، فإن حاصره الشَّجن، حملته خطاه المتثاقية الى بيّارة موز في بيسان، محاورا أطيافا تقاسمه لوعة قديمة.
كان جسد "شيخنا" قد استسلم للتّداعي، بعد رحلة مجيدة، والقرى الفلسطينيّة تتساقط، والأمطار تنسج مشهدا جنائزيا، وصوت مُخْتنق لزمنٍ يسقط في الأفول. كان وطنُهُ يسقط من يد الى أخرى، واسمه المألوف تُطارده أسماء غريبة، ونصّار، الذي احتجب وراء الأشجار وثِقَل السّنين، يرى الى وطن يغيب، مؤثرا أن يغيب مع وطنه الذي يغيب، بعد أن نذر عمرهُ له، وهو الوطن الذي قاسمه التداعي والغياب.
كان نصّار، في ذلك اليوم الجنائزي، يُصافح موته الثالث، فقد لقي موته الثّاني وهو يُغلق "كرملَهُ" في مطلع الحرب العالميّة الثانية، بعد صدور مستمر قارب ربع قرن من الزَّمن.
وربّما كان، وهو يُصْمِنُ صوته، يشعر بعبء العُمْر، مدركا وهو في العقل اليقظ، أن انفتاح ثورة 1936 على الفراغ، فتح على وطنه باب الهاوية، مع ذلك، فإنّ "أبو فلسطين" الذي كان يضع طربوشَهُ مائلا على طريقة تُجّار بيروت، كان قد تعرّف الى موته الأول، وهو يرى الى أرواح ميّتة صدئة وغثاثة سياسية، أخرجت محمد عزة دروزة عن طوره أكثر من مرّة، وأتلفت أعصاب خليل السكاكيني مرّات عديدة...
رحل "أبو فلسطين" وفي قلبه غصّة بعد أن كان يمشي في وارع حيفا وحيدا، لا يلتفت اليه أحد، يمشي وهو يُصْمِتُ صوتَهُ، ويشعر بعبء العمر...
نعم!!! رحل "شيخ الصَّحافة الفلسطينيّة، في ذلك اليوم الجنائزي الى قبره مخذولا في وداع أخير نَفَرُهُ قليل. لأنّ "الآخرون" حملوا خذلانهم ورحلوا...

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق