اغلاق

برقيات بين يديّ مؤتمر الافتاء ‘دور العلماء والدّعاة والأئمة في الاصلاح المجتمعي‘

1. لا يخفى على أحد ما للإفتاء من مكانة في الدّين فهو على مدار التّاريخ الجهاز الموجِّه لمسار الأمة وصمّام الأمان لها من كلّ داخلة وشائبة وحمى ثوابتها المتينة خصوصاً

 
د. مشهور فوّاز محاجنة ر
ئيس المجلس الاسلامي للافتاء

إذا كان الافتاء جهة مستقلة لا تنتمي لأي جهة ولا تخضع لأي مؤسسة ولا تملى عليها سياسات فوقية غير سياسة الشّرع .
فالتّجربة تؤكّد أنّ الافتاء التّابع وهو الأضعف دائماً  أمام الضغوطات والتّحديات والسّياسات الخارجية والدّاخلية والفوقية وبالمقابل الافتاء المتبوع هو الأدعى للموضوعية وقول كلمة الحق وعدم المداهنة والخضوع لأيّ مطلب يتنافى مع هيئات الشّريعة فضلاً عن أركانها وثوابتها .
ولهذا كلّه كان علماؤنا قديماً ينأون بأنفسهم عن دخول أبواب السّلاطين وقبول عطاياهم ونِحَلِهم مخافة أن يقع في قلوبهم أدنى مجاملة على حساب الشّرع الذّي يمثّلونه .
ولعلّ واقعنا المعاش كشف النّقاب وأماط اللّثام عن كثيرين ممّن كنّا نتوخى منهم على أقل تقدير أن يكون ذنباً في الحق إن لم يكن رأساً فيه وإذ به يقع في مستنقع فتن اغراء وإغواء السّلطة الحاكمة ويرضى لنفسه بأن  يكون بقلمه وفكره ولسانه وخطابه سيفاً مسلّطاً تحرّكه يد ظالمة جائرة ،  والأعجب من ذلك أن يبتدع لنفسه ولمن يوجّهه الغطاء الشّرعي بتأويلات فاسدة وليّ عنق النّصوص وتوجيهها وفق مراد السّياسة التّي تملى وتفرض عليه .
ولهذا كلّه تضافرت النّصوص المحذّرة من الدّخول على السّلطان وملازمة بابه ، فمن هذه الأحاديث الصّحاح :
ما رواه أبو داود والتّرمذي والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعاً  : "... ومن أتى السلطانَ افتُتِنَ"
وعند التّرمذي وابن حِبّان عن كعب بن عجرة مرفوعاً " إنّه سيكون بعدي أمراءُ فمن دخل عليهم فصدَّقهم بكذبِهم وأعانهم على ظُلمهم فليس مني ولستُ منه وليس بواردٍ عليَّ الحوضَ ومن لم يدخلْ عليهم ولم يعنْهم على ظلمِهم ولم يصدِّقْهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ عليَّ الحوضَ "  .
وجاء في جامع بيان العلم وفضله: "شر الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء".
هكذا حرص سلفنا ألاّ يكن هنالك أدنى تأثير للسلطان عليهم رغم أنّ سلطانهم في ذلك الزّمان كان مسلماً يحكم بالشّرع ، فكيف الحال إذا كان السّلطان لا يحكم ولا يحتكم بالشّرع ؟! وكيف الحال إذا كان الحاكم ليس بمسلم ؟!
ولعلّ حكم اتباع  السّلطان ليس  مقصوراً على اتباع  شخص الحاكم  فحسب بل يندرج تحته السّلطة الحاكمة بكافة مرافقها وأذرعها ويلحق به الافتاء الذّي يخضع لسياسة حزبية أو رؤى تنظيمية !!
2.ربّ قائل يقول ما علاقة عنوان المؤتمر " دور العلماء والأئمة والدّعاة في الاصلاح المجتمعي "  بالبرقية السّابقة التّي تؤكّد على ضرورة استقلالية الافتاء من أيّ تبعية لأي جهة أو مؤسسة أو تنظيم ؟!
وللإجابة عن ذلك نقول : العلاقة بينهما علاقة طردية  ومتلازمة ومترابطة ومتداخلة لا تنفك أبداً ، فأنّى للعالم الذّي يخضع لسياسة أو لرؤى حزبية ضيقة  أن يوفّق بين مصلحة الشّرع والمجتمع العامة وبين مصلحة حزبه أو مؤسسته  إذا ما تعارضت المصلحتان ؟! وأنّى له أن يتسع صدره للرأي الآخر وهو يمثّل سياسة ورؤى محددة ؟ وأنّى له أن يقف أمام سياسة المؤسسة التّي ينتمي إليها إذا ما تعارضت مع الشّرع ؟!
ولذا كلّه لا يمكن أن يتقلد زمام الاصلاح المجتمعي  إلاّ أهل العلم الثقات الذّين كسبوا ثقتهم من الجمهور اختياراً لا فرضاً !! ولا يمكن أن يجمع بين المدارس والاجتهادات المختلفة إلاّ من كان متحرراً من أسر الحزبية والتنظيم والمؤسسة !!
وهكذا تتضح العلاقة بين البرقية الأولى والعنوان وضوحاً جلياً للعيان .
3.يأتي مؤتمرنا هذا ليؤكّد أنّ أهل العلم الشّرعي بكلّ أطيافهم واجتهاداتهم يدٌ واحدة أمام الفساد بكلّ أشكاله وألوانه وأنواعه وضروبه وعلى رأس الفساد الفتاوى الشّاذة والأقوال المهجورة التّي تخالف اجماع الأمة ولا تندرج تحت اجتهاد معتبر   .
4.يأتي هذا المؤتمر ليؤكّد أنّنا في مرحلة تحديات صعبة على كافة المستويات تستدعي أن نقف قلباً وقالباً لمواجهتها وللدفاع عن ثوابتنا الشّرعية من أن تعصف بها أيّ موجة حاقدة أو مغرضة أو متخاذلة أو مرتزقة أو متلوثة بشبهات العصر .
5.كنّا قديماً نسمع أنّ هنالك شبهات للمستشرقين حول الاسلام ولكن بتنا في زمان نسمع فيه أصواتاً لمن ينتسبون للعلم والدّين يشككون بثوابت شرعية عاشت الأمة عليها قروناً من الزّمان  ومطية هؤلاء  في ذلك كلّه وقائدهم :  العقل تارة ،  والمصلحة تارة ثانية  وضروريات الواقع واحتياجاته ومتطلباته تارة ثالثة  وردّ أدلة صحيحة في السّنة  وتأويلات فاسدة تروي أهواءهم وتغذّي مآربهم !!
 أو من خلال احياء وبثّ فتاوى وأقوال شاذة مندرسة  لم تصح نسبتها لأهلها وهي :  ما تسمى بالمذاهب المندرسة في فقهنا الاسلامي والتّي أجمع على عدم جواز  تقليدها واتباعها والعمل بها ،  وذلك ليجد لحزبه أو  المؤسسة التّي ينتمي إليها الغطاء الشّرعي الذّي هو أوهى من بيت العنكبوت ضعفاً ،  وهكذا يوهم نفسه أنّ معه الغطاء الشّرعي والحقيقة أنّه  يتستر بالشرع ويلبّس على العوام ويخدعهم بروايات وأقوال مهجورة وغير ذلك من التبريرات التّي يُسعى من ورائها لا أقول هدم الثّوابت بقدر ما أنّها تنمّ عن هزيمة نفسية تسعى لارضاء الواقع والحياة المدنية المعاصرة أو لإرضاء  الحزب أو السّلطة الحاكمة  .
6. لطالما سمعنا عن مؤتمرات تحت عنوان " حوار الأديان " ولكن قلّما سمعنا عن مؤتمر يدعو لحوار أبناء الدّين والعقيدة والقبلة الواحدة لذا أتى هذا المؤتمر لبثّ روح الحوار بين أبناء العقيدة الواحدة  وللتحذير بالوقت نفسه  من الغلو والتعصب المذموم ومراعاة مسائل الاختلاف والتّقريب بينها ما دام الاختلاف في دائرة الاجتهاد المقبول والمعتبر شرعاً .
7.يأتي هذا المؤتمر لتعميق أدب الاختلاف وقبول الآخر واحترام وجهة نظره والتّركيز على المتفق عليه وعدم تصوير المختلف فيه كأنّه متفق عليه والفروع كأنّها أصول والهيئات كأنّها واجبات ،  وبالوقت نفسه التّحذير من الفتاوى الشّاذة والأقوال المهجورة  غير المعتبرة شرعاً مراعياً بذلك عدم اثارة الفتن والضغائن .
وكأنّ هذا المؤتمر يهتف بالعلماء والأئمة والدّعاة  ويقول لا يمكن أن  يتحقق في حياتنا الاصلاح المجتمعي إلاّ بعد التقارب بين أهل العلم الشّرعي والتعاون على المتفق عليه والاعذار في المختلف فيه طالما أنّ المسألة تحتمل الاختلاف .

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من دنيا ودين اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق