اغلاق

قراءة في كتاب طلال بن أديبة، بقلم: عبدالله دعيس

"طلال بن أديبة" قصة مصورة للأطفال، تحكي سيرة حياة رجل الأعمال الريادي الفلسطيني طلال أبو غزالة، ورحلته من اللجوء والعَوز إلى بناء امبراطورية أعمال


غلاف القصة

أعمال ضخمة، تحمل بين طيّاتها دروسا تربوية عديدة، وبأسلوب شيّق، ولغة أدبية موحية ومناسبة للأطفال، ورسومات ملوّنة معبّرة ومناسبة للأحداث.
تختار الكاتبة - وربما صاحب السّيرة - عنوان (طلال بن أديبة) لكتابها، فتنسب السيّد طلال إلى والدته وليس إلى والده أو عائلته كما هو معهود؛ لتبرز دور الأم وفضلها في تنشئة الطفل، ووضعه في طريق النّجاح. أمّا صورة الغلاف فهي للأب وهو يقود الطفل مسرعًا نحو فجر مشرق، يحمل وثيقة ملكيته للأرض، ويحيطه برتقال يافا من كلّ جانب. فالعنوان والغلاف يجمعان الأب والأم والطفل والوطن، في اختيار موفّق ذي دلالة ورؤية، فهذه القصة تبدأ بتوجيه القارئ الناشئ وتعليمه الدروس التّربوية، وتنير دربه نحو مستقبل زاهر، قبل أن يقلب صفحتها الأولى.
وتقسّم الكاتبة السيرة إلى فصول تحمل عناوين مختارة بعناية تدلّ على مضمونها، وتبدأ كل فصل بقول مأثور يثير الفضول للقراءة ويحلّق بالقارئ في خيال جامح، مترقّبا أحداث الفصل بشوق. وفي هذه الفصول، تضيء الكاتبة ومضات من حياة طلال أبو غزالة، كافية لتعزيز التوجّه الإيجابي لدى الطفل للاستفادة من سيرة هذا الرجل والاقتداء به.
تبدأ القصة بالطفل وهو يصعد أعلى شجرة برتقال في يافا؛ ويصرّ على الوصول إلى برتقالة كبيرة أعلى الشجرة، أصابتها الشمس فأعطتها رونقا ورائحة وحجما، ولا يكتفي بحبات البرتقال التي تتكاثر على أغصان الشجرة المتدلّية على الأرض، في دلالة رمزية لشخصية طلال أبو غزالة وسعيه نحو العلا طوال سنوات حياته رغم الصعاب، ثمّ لا يستأثر بالبرتقالة بل يقدمها لوالدته، لتكون هذه الحكاية عنوانا لحياة ملؤها الطموح وتذلليل الصعاب حتى الوصول إلى الهدف، وعدم الاستئثار بالفائدة بل ليعم الخير على الجميع، وهو توجه إيجابي ودرس للناشئة. ثمّ تعرّج على أحداث حياته عندما يخرج لاجئا إلى لبنان ويعيش حياة عنوانها الفقر والحرمان، لكنّه يجتهد ويجدّ ويكابد الصعاب بإيجابيّة منقطعة النظير، حتى يصل إلى النّجاح في كلّ مرحلة من مراحل حياته. وفي ثنايا هذه الأحداث تبثّ الكثير من الدروس والعبر للقارئ الصغير دون تلقين ولا توجيه، وإنّما عن طريق الأمثلة الحيّة المقنعة.
ومن الدروس والعبر التي يمكن أن يستشفّها القارئ من خلال أحداث السيرة المشوٌّقة ما يلي:
•       دور الوالدين الإيجابي في تنشئة الطفل وتوجيهه نحو العلم والإبداع.
•       ربط الوالدين لولدهما بالأرض والوطن وإشعاره بأهميتها.
•       العلاقة الحميميّة بين الأب والأمّ وتأثيرها الإيجابي على الطفل.
•       الأب والأم القدوة لأولادهما.
•       إطراء الوالدين للطفل والتعزيز الإيجابيّ لهما أكبر الأثر في نجاحه.
•       قيام الطفل ببعض الأعمال المناسبة لسنّه تقوّي شخصيته وتعطيه فرص أكبر للنجاح من مجرّد الانصراف للدراسة.
•       أهمية الانتباه للطبيعة التي تحيط بالطفل وتدبّرها والتفكر بها، وخاصة السماء والنجوم، من أجل نمو سليم.
•       أهمية الاستيقاظ المبكر للعائلة.
•       التوجه نحو العلم واعتباره جهادا ووسيلة من أجل استعادة الوطن، تضاهي حمل السلاح للقاء العدو.
•       الإيجابية في التعامل مع المشكلات، وخلق النجاح من رحم المحنة وقلب المأساة.
•       عدم التركيز على السلبيات والمشكلات التي تواجه الشخص، والتطلع الدائم نحو النجاح؛ فالكاتبة لا تسترسل في وصف ما حلّ في الشعب الفلسطيني عند النكبة، ولا معاناة اللجوء، بقدر نجاح طلال في تجاوز هذه المحن.
•       كسب المحبة والاحترام وثقة الجميع كوسيلة للنجاح، والتسامح مع من يسيء إليك.
•       أهمية التعاون والعمل الجماعي والعمل كفريق متكاتف.
•       الإرادة القوية والإصرار والتصميم على النجاح وعدم النكوص والخوف من الفشل.
•       وضع هدف عالٍ كبير والإصرار على تحقيقه.
•       الثقة بالنفس والثقة بالنجاح.
•       أن يكون الإيمان بالله والثقة به دائما قرينا للعمل والجد.
•       من مزايا الناجحين الاهتمام بالآخرين والإيثار ومساعدة الآخرين ليسلكوا درب النجاح.
•       عدم الإصابة بالإحباط حتّى مع تفاقم المشكلات، والإيجابية والابتعاد عن اليأس.
•       الإخلاص والتفاني في العمل.
•       عدم الاكتفاء بالنجاح المرحلي أو الوظيفة، وإنما المجازفة والاستمرار في رفع سقف الأهداف.
•       تكون استعادة الحقوق بالتفوّق على العدو بالعلم والفكر والثقافة.
•       أهمية العمل والجهد والمثابرة من أجل النجاج الذي لا يأتي على طبق من ذهب.
كلّ هذا الزّخم من الدروس التربويّة صاغتها الكاتبة في قالب قصصيّ واقعيّ ممتع ومقنع دون تلقين أو تكرار مملّ، مما جعلها عظيمة الفائدة لكل طفل يطّلع عليها. وابتعدت الكاتبة عن ذكر السلبيات والعوائق، فلم تستغرق في وصف معاناة اللاجئين والحرقة على الوطن السليب، ولم تذكر سبب خروج طلال من الكويت عام 1990، بل ركّزت على الإيجابيات والاستفادة من المحنة لصناعة النجاح وبداية مرحلة جديدة.
لكن، ليت الكاتبة توقفت عند صفحة 32 ولم تقحم الفصل المعنون بِ (الأردن بوابتي إلى العالم). فمع كلّ الاحترام والتقدير للأردن، إلا أن هذا الفصل لم يكن متوافقًا مع النسق العام للقصة ولم يضف إليها، بل نأى بها عن الروح التي بثّتها خلال جميع الفصول السابقة. فهي عودة إلى مربع الفشل العربيّ حيث الفرد الملهَم الذي يدير المسرح لوحده بحنكة، لا يخطئ ويترفّع عن الانتقاد ويعمّ خيره الجميع وتبرَّر جميع أعماله، في تناقض تام مع الشخص الطموح الذي يقود المجموعة في عمل جماعي وتعاون وانسجام نحو النجاح والذي رأيناه في الفصول السابقة من خلال شخصية طلال أبو غزالة.
تستخدم الكاتبة ضمير المتكلّم في سرد حياة طلال أبو غزالة فتجعل الطفل قريبا جدّا من الشخصيّة ويعيش معها أحداث حياتها ويتأثر بها، وكأنّه هو نفسه يعيش هذا الدور ويخطو نحو النجاح والسؤدّد. اختيار موفّق وسرد أكثر من رائع.

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق