اغلاق

قليلٌ منَ الاعتدالِ لا يضرُّ ! بقلم: آثار حاج يحيى

لستُ منْ مسوّقي الأوهامِ ودعاةِ الرّضوخِ للظّروفِ الظّالمةِ، لكنّني أستاءُ بشكلٍ متكرّرٍ كلّما رأيتُ شخصًا سوداويًّا يلعنُ الواقعَ باستمرارٍ، فتجدُهُ يلقي اللّومَ على الظّروفِ الخارجيّةِ

كلّما ضاقَ به العيشُ، فيشتمُ القدرَ، ويسبُّ النّصيبَ، ويحملُ همومَ الدّنيا ومنْ فيها، ويتشدّقُ بالحديثِ عن مساوئِ الحياةِ فقط، لا لشيءٍ سوى أنَّ الحياةَ لمْ تأتِ على مقاسِهِ، وَلمْ تستجبْ لِمتطلّباتِهِ الخاصّةِ الضّيّقةِ.
فهذا النّوعُ منَ الأشخاصِ يظنُّ خاطئًا أنَّ الحياةَ فُصِّلَتْ لِتلائمَ أهواءَهُ وَأطباعَهُ ومعتقداتِهِ، وكأنَّها وُجِدَتْ بمقاساتِهِ الخاصّةِ، وما أنْ ينقصَ منْ هذهِ المقاساتِ مليميترَ قُماشٍ حتَّى تجدَهُ كثيرَ التّذمّرِ، متجهّمَ الوجهِ، سريعَ الغضبِ، شديدَ الطّبعِ، منقبضَ النّفسِ كَأنَّهُ عائدٌ من جنازةٍ، متناسيًا أنَّ الحياةَ مركّبةٌ ومعقّدّةٌ ومتشابكةٌ وحبلى بِالتّناقضاتِ، ولا وجودَ لِلمثاليّةِ فيها مهما تمنّيْنا ذلكَ، فالوضعُ المثاليُّ بالنّسبةِ لي قد يكونُ جهنّمًا بِالنسبةِ لِلآخرِ، وفي التّالي لا يمكنُ أنْ تناسِبَ الحياةُ مقاساتِ الجميعِ. أضفْ إلى ذلكَ أنَّ كلَّ شيءٍ نختارُهُ نكونُ باختيارِنا قدْ خسرْنا نقيضَهُ الّذي لا يمكنُ أنْ يجتمعَ معَهُ، فالوالدُ الواعي يكونُ على درايةٍ تامّةٍ بأنَّ تربيةَ الأبناءِ على الدّيموقراطيّةِ قدْ تأتي على حسابِ الطّاعةِ في كثيرٍ منَ الأحيانِ، والعاملُ الحادقُ يعي أنَّ تفضيلَ الأرباحِ الماديّةِ قدْ يأتي على حسابِ الرّاحةِ النّفسيّةِ وَالجسديّةِ، وَالغارفُ من بحرِ العلمِ يعرفُ حقَّ المعرفةِ أنَّ النّجاحَ وَالتّفوّقَ يقترنُ بِثمنٍ، فيكونُ على حسابِ الرّاحةِ وَالاستجمامِ، كما وَأنَّ إحساسَ الأمومةِ الرّائعَ قدْ يسبّبُ لنا الإرهاقَ لكثرةِ السّهرِ على راحةِ الأبناءِ، والقائمةُ تطولُ وتطولُ....
منْ جانبٍ آخرَ يجبُ ألّا نغفلَ حقيقةَ وجودِ نعمٍ كثيرةٍ، لا تعدُّ ولا تحصى، أسبغَ بها اللهُ على عبادِهِ، وَقدْ وعدَنا بِها بِقولِهِ: {وَلسوفَ يعطيكَ ربُّكَ فَترضى}، فكانَ وعدُهُ حقًّا... ومنْ نعمِ اللهِ علينا ما نملكُ من صحّةٍ وَعافيةٍ وَقدراتٍ جسديّةٍ تمكّنُنَا منَ القيامِ بِكلِّ ما نحتاجُهُ، ووهبَنا كذلكَ العقلَ الرّاجحَ لِنفكّرَ وَنفرّقَ بينَ الصّوابِ والخطأِ، وَأفاضَ عليْنا بِالدّفءِ العائليِّ وَبِزينةِ الأبناءِ، وَأغدقَ عليْنا بِالمالِ لِنتذوّقَ كرمَ الحياةِ فلا نحتاجُ منّةَ أحدٍ، وَجعلَ لنا بيوتًا نسكنُها وَنحتمي بِها وَننعمُ بِالرّاحةِ وَالسّكينةِ.
وَمنَ الخطأِ ألّا ينظرَ المرءُ إلى كلِّ ذلكَ وَيسلّطَ بصرَهُ فقط على ما ينقصُهُ، كَمَنْ يملكُ قصرًا كبيرًا باذخَ التّرفِ فلا يقدّرُ قيمتَهُ، بلْ تجدُهُ متضايقًا متذمّرًا منَ الشّبّاكِ المعطّلِ في الغرفةِ السّفلى! لأنَّهُ اعتادَ أنْ يرى في "الحبّةِ قبّةً" متغاضيًا كلَّ الجمالِ الّذي يملُكُهُ، مركّزًا بِالشّيءِ السّخيفِ النّاقصِ؛ فتتحوّلُ حياتُهُ جرّاءَ ذلكَ إلى شقاءٍ، ويسوّدُ الدّنيا على نفسِهِ، وَيعكسُ سوداويّتَهُ على المحيطينَ بِهِ، فلا تجدُ بينَهُم من تلمعُ عيناهُ لمباهجِ الحياةِ وجمالِها. وقدْ تجدُ كذلكَ منَ الوالدينِ منْ يملكُ أبناءً في قمّةِ الرّقيِّ والأدبِ والعلمِ، غيرَ أنّهُ لا يقدّرُ هذا الكنزَ الثّمينَ، ولا يقيّمُ أبناءَه إلّا منْ خلالِ بعضِ الأطباعِ السّيّئةِ، وَكأنَّ الواحدَ منهُمْ يتوقّعُ أنْ ينجبَ إلهًا كاملَ الأوصافِ لا تشوبُهُ أيّةُ عيوبٍ!
أكرّرُ في نهايةِ حديثي أنَّ هدفي ليسَ الدّعوةَ إلى قبولِ الواقعِ بِكلِّ مساوئِهِ دونَ أيّةِ محاولةٍ لِتحسينِهِ وَتغييرِهِ إلى الأفضلِ، بلْ هدفي الحثُّ على التّفكيرِ الإيجابيِّ المقترنِ بِالعملِ وَمواجهةِ الشّدائدِ، التّفكيرِ المعتدلِ والمتّزنِ الّذي ينظرُ إلى الأمورِ بِموضوعيّةٍ وشموليّةٍ وبلا مبالغةٍ؛ فيقدّرُ نعمَ اللهِ عليهِ محاولًا سدَّ ما كانَ ناقصًا دونَ مبالغةٍ في تقييمِ الأمورِ تقييمًا سلبيًّا، لأنَّ ذلكَ يخسرهُ القدرةَ على الفرحِ بما أُوتِيَ ولوْ كانَ كثيرًا. فالحياةُ، أعزّائي، جميلةٌ وَحبلى بما يسرُّنا وما يسوؤنا، ولنْ يقدّرَ ذلكَ إلّا منْ يصرُّ على النّظرِ إلى الأمورِ بمنظارٍ ضيّقٍ بحجمِ خرمِ الإبرةِ، حينَها يكونُ قدْ جنى على نفسِهِ وعلى ذويه، وسبَّبَ لهُمْ تعاسةً وشقاءً لا بديلَ لهُما متجاهلًا قولَهُ تعالى: {وأمّا بِنعمةِ ربِّكَ فَحدّثْ}.

بقلم : آثار حاج يحيى - باحثة ومحاضرة في كليّة بيت بيرل

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق