اغلاق

حول رواية ‘ڤيتا- أنا عدوّة أنا‘ ، بقلم: يوسف سلامة

قرأت رواية الكاتبة ميسون أسدي الجديدة "ڤيتا- أنا عدوّة أنا" على نفس واحد، بما تحويه من متعة وعنصر تشويق ولكنّني فضّلت هذه المرّة ألا يكون رأيي لنفسي ومتعتي الذاتية،



فتقديرًا على ما أبدعته هذه الكاتبة، أسجّل ملاحظاتي على الملأ... "ڤيتا- أنا عدوّة أنا" رواية واقعية طويلة تقع في (140) صفحة من الحجم المتوسّط، تتشابك فيها الأحداث وتتقاطع الأمكنة والأزمنة، وتتلاقى الشخصيات وتتصادم، إلا أن مسارها القصصي واضح ومتّسق في مراحله.
أبدأ من الاهداء والتوطئة اللذان وقعتهما باسمها. مرّة أخرى تؤكّد ميسون على أمميّتها، حيث تعلمنا بأنّها ستأخذنا إلى عوالم غير عوالمنا معتبرة أن الكون الذي تعيش به بيت والدها وليس مجرّد بيت بالإيجار، وقد لمسنا هذا الأمر في رواياتها السابقة، حيث ذهبت بنا إلى منطقة المثلث الفلسطيني في روايتها "مثلث توت الأرض"، وأخذتنا معها إلى أرمينيا وتركيا وإلى حيث يتواجد الأرمن على بقاع الأرض في روايتها "تراحيل الأرمن"، وفي هذه الرواية تأخذنا إلى روسيا في زمن غابر لتصل بنا إلى أمور تدور حولنا ولا نلتفت إليها. وتتجلى أمميّة ميسون أسدي بأنها تتخطى التعصب الديني، فهي من أب وأم مسلمة، ولا ندري ان كانت تسير على هذا الدرب، لكنّنا نراها تقتبس دائما من الكتب السماوية، وهنا تبدأ قصتها بجملة "أحبو أعدائكم" من إنجيل لوقا، وفي نهاية القصّة تورد فقرة من التوراة "أحب لغيرك كما تحب لنفسك".
ومن التوطئة ندرك مدى ثقافة هذه الكاتبة، التي تهتم بالأدب العالمي وتقتبس منه لتوضّح لنا ما حصل لها قبل البدء بكتابة الرواية، تدخلنا في همومها القصصية لتضعنا مكانها متخيلين بأننا نحن من يكتب الرواية وليست هي. قليلون هم الكتاب الذين يفصحون عن مصدر رواياتهم وكيف تتم عملية الكتابة عندهم، وكأنّ الأمر هو سرّ المهنة، لكن ميسون تكشف لنا أوراقها واثقة الخطوة تمشي ملكا.
الفن القصصي في هذه الرواية
لاحظنا مرارًا أن ميسون أسدي تهتمّ كثيرا في طريقة عرضها القصصي وتحاول دائمًا اتباع أسلوب جديد في هذا الفن، وأحيانًا يكون مبتكر ولم يستعمل من قبل.
في رواية "ڤيتا-أنا عدوّة أنا"، وقبل البدء في القصة، ترحل بنا الكاتبة إلى أوائل القرن الثامن عشر، وهي شبه مقدمة للراوية، يمكن الاستغناء عنها، لكن الكاتبة أصرّت على إدخالها لتجعل القارئ على بيّنة من مكان الحدث، وهو موطن أبطال الرواية، لم تترك الكاتبة مجالا للتساؤلات، بحثت واجتهدت لتقدم للقارئ وجبة كاملة. ولم تكتف الكاتبة بذلك، فقد قفلت الرواية بما بدأته بشبه المقدمة تلك.
من هنا يلفت نظرنا إلى أنّها قسّمت الرواية إلى أبواب، وهذا الأمر متبّع ورائج، لكن أديبتنا استعملت كلمة باب بمعناها الحرفي، فجاءت العناوين على سبيل المثال: "باب البوابة"، "باب البيت"، "باب الخزانة" وغيرها... وقد أضافت لكل باب رسمة تعبيرية على نمط القصص الروسية الكلاسيكية، وكان ذلك زيادة في الايهام وجعلنا نعيش ذلك العالم.
استعمال الكاتبة لتقنية "الفلاش باك" كان مبتكرا أيضًا، فقد وضعت بطلة القصة في مستشفى، ليس كونها مريضة، بل كونها تقوم برسم لوحة لامرأة عجوز ثرية، وجعلت هذه المرأة جزءً هامًا من القصة، وخلال ما يجري بين الرسامة والمرأة العجوز، يأتي "الفلاش باك"، لتعود بنا البطلة الحقيقية إلى حياتها الماضية، ولا تتوقف الكاتبة عند الماضي السحيق، فهي تعيدنا باستمرار بطريقة سلسة إلى الحاضر، حتّى أنها تذهب بنا إلى مستقبل لم يحدث بعد، وهذا ما نراه في "الباب الذي لم يفتح بعد".
على اعتبار بأن بطلة الرواية رسّامة ودرست فنون الرسم بأكثر من معهد، جعلت الكاتبة معرفتها وثقافتها في فن الرسم والذي جاء على لسان البطلة وصديقتها العجوز، جعلته حيّزًا مؤثّرًا على أحداث القصة، وهنا يجد القارئ متعة إضافية بالتعرف على أعمال لفنانين عالميين والابحار في عالم الفن التشكيلي، فعلى سبيل المثال نشاهد لوحة "آكلو البطاطا" لفان جوخ، ولوحة "إصرار الذاكرة" لسلفادور دالي، و"المرأة الباكية" لبيكاسو، و"القطار" لمونيه ولوحات لم نسمع عنها من قبل. كل هذا يأتي في سياق قصصي مشوق. وقد استعانت الكاتبة بصديقتها الرسامة الروسية ڤيتا تانئيل لترسم لها لوحة الغلاف والتي هي بعنوان "الأرملة" حتّى تكون لوحتها القصصية متكاملة فنّيًّا.
الوصف في مجريات القصة، يجعلنا نعتقد بأن الكاتبة كانت في جميع أماكن أحداث الرواية وبأنّها تعرف الأبطال بشكل شخصي. ولا أعتقد بأن ذلك حدث على وجه الدقّة، وأنا أحسب ذلك لسعة اضطلاع الكاتبة وتسخير خيالها المقرون بالمعرفة، لتخرج لنا بهذا الوصف الجميل.
لم ألاحظ أخطاء لغوية أو مطبعية في هذه القصّة، وربما يعود ذلك لعدم اهتمامي الشخصي بهذا الأمر، فاللغة بالنسبة لي هي وسيلة تواصل، وما يهمني بالأساس هو عدم وقوع الكاتب في كتابة الرموز والطلاسم التي لا يفهمها سواه، وأعتقد بأن البعض يكتبون أمورا لا يفهموها بأنفسهم، وهذا ما لم يحدث مع كاتبتنا ميسون أسدي، التي تتحلى بشفافية متناهية في كتاباتها، وتأخذ بعين الاعتبار القارئ ومدى امتاعه الغير محدود...
لذلك أحب أن أقرأ لهذه الكاتبة وأنا على علم مسبّق بأنني سأجد المتعة المرجوة، وهذا ما حصل معي أثناء قراءتي لرواية "ڤيتا- أنا عدوّة أنا"...

 

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق