اغلاق

بوح الأمكنة - جولة في عبق تراث نابلس، بقلم: زياد جيوسي

ما أن أطللت ومضيفتي د. لينا الشخشير على نابلس القديمة والتراثية، حتى شعرت بعظمة الأجداد والجدات وقوتهم وصمودهم، وشعرت بأرواحهم ترف من حولنا،


تصوير زياد جيوسي


فهمست لمضيفتي بما همست به الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان ابنة نابلس العريقة: "كفاني أموت عليها وأدفن فيها، وتحت ثراها أذوب وأفنى، وأبعث عشبا على أرضها، وأبعث زهرة إليها، تعبث بها كف طفل نمته بلادي، كفاني أظل بحضن بلادي، ترابا وعشبا وزهرة"، فوقفت أمام مسجد الخضراء وهو أقدم مساجد نابلس القائمة والذي عرف باسم "جامع الخضرة" مع كثرة البساتين التي كانت تحيط به، أتنشق عبق الياسمين من حارة الياسمين، وبدأت الجولة بدخول مسجد الخضراء التاريخي والذي يتميز بمئذنته المربعة على نمط المآذن المغربية ويوجد مئذنة مشابهة بالشكل في مدينة الرملة الفلسطينية أيضا، والمئذنة تتميز ببعدها عن المسجد حوالي 30م،وموقع الجامع في الجهة الجنوبية الغربية لحارة الياسمينة بالقرب من عين العسل، فنابلس اشتهرت بعيون الماء النقية والعذبة، والعديد من مساجدها كانت قرب عيون الماء، وموقع المسجد في الأصل كان موقعا أثريا يعود لفترة العصر الحجري الحديث، ومغارة يقال أن سيدنا يعقوب حزن فيها على فقدانه ولده سيدنا يوسف، فسميت مغارة الحزن أو خلوة المحزون ولذا يسمي البعض المسجد بجامع حزن يعقوب، وهذا الكلام لا سند تاريخي له، وقد وصف الشيخ عبد الغني النابلسي الرحالة والمتصوف الشهير المسجد والمغارة بقوله:"توجهنا إلى جهة مسجد الخضراء، وهاتيك الروضة النضرا، وكانت النسمات عطرة الهبوب، والأزاهير متنوعة الضروب، إلى جامع قديم البنيان، متهدم الجوانب والأركان، فيه بركة ماء كبيرة، ذات الطول والعرض مربعة الجوانب، والأركان مساوية للأرض، والماء يجري فيها من أفواه سواقيها، وحولها الأشجار والبساتين، والأزهار، والرياحين، وقبل البركة مسجد للصلوات، فيه محراب، وسقفه معقود من الأحجار، وفي الداخل مغارة، يقال إن يعقوب عليه السلام كان مقيماً فيها، وإن ذلك المسجد كله كان بيتاً له، وتلك نقول لم تزل العامة ترويها"،ثم بنى الرومان على الموقع مبنى كنيسة زينوها بالبازليكا ولكن المبنى تهدم مع عوامل الزمن حتى الفتح الإسلامي فبني مسجد في الموقع تم تحويله لكنيسة من قبل الصليبيين المحتلين، وحين طردوا من فلسطين أعاد القائد صلاح الدين الموقع لمسجد من جديد، واستمر حتى عهد السلطان المملوكي سيف الدين قلاوون حيث بنى المسجد الحالي، وما زالت يافطة حجرية منقوشة فوق البوابة تشير إلى ذلك.
   تجولت في المسجد ولم أجد مفتوحا الا الطابق العلوي الحديث، ومسجد الخضرة تعرضت بعض أجزائه للهدم من قبل الاحتلال في اجتياح 2002 م  وخاصة الجزء الغربي منه وغرف تحفيظ القرآن وتم إعادة بنائه وترميمه، فتجولت في الساحة ومن النافذة تأملت المحراب الجميل المتميز بنقوشه والآيات القرآنية والنقوش على النمط الأندلسي الجميل، وفي الساحة بركة الوضوء التي تأخذ مياهها من عين العسل، وبجوار المسجد في الباحة عدة قبور واضح أنها قديمة من طبيعة شكلها الحجري المنحوت والمنقوش، ولكنها مهدمة وبحاجة لترميم فهلا انتبهت وزارة الأوقاف الفلسطينية أو الجهات المعنية لذلك؟ وقد قرأت على أحدها وهو الأجدد عبارة تقول: "هذا قبر الشهيد حسين أحمد سمحان من الفندق في معركة نابلس سنة 1257ه"، وفي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كان المسجد مقرا للمتصوفين من أتباع الطريقة الرفاعية، وتعرضت أجزاء منه للهدم إثر الزلزال الشهير عام 1927 حتى جرى ترميمه في عهد سليمان طوقان في أواسط القرن العشرين والذي كان إبانها رئيس بلدية نابلس، وقام أهل الخير بإعادة ترميمه عام 1975 مرة أخرى، وواضح من طبيعة وشكل الحجارة وأحجامها في جدران المسجد مروره بفترات ترميم مختلفة ومتباعدة.
    ما أن دخلنا حارة الياسمين وبدأنا بالتجوال في أزقتها ودروبها وأنماط البناء ما بين البناء العادي والأبنية التي تشابه القصور، حتى استعادت ذاكرتي مباني دمشق القديمة وحي الساروجة، فلا غرابة أن تسمى نابلس دمشق الصغرى، وشعرت أن كل بناء فيها وكل زقاق وكل شارع وكل حوش أو حارة تروي حكايات تاريخ يعود لتاريخ أول ضربة معول ضربها كنعان فأنشأ شكيم لتروي الحكاية، حكاية أرض هي لنا أبناء كنعان منذ فجر التاريخ، فنابلس بطبيعة أبنيتها والعقود التي توصل الأبنية فوق الأزقة تشير لماذا كانت ملاذا للثوار والمناضلين، فهي تتيح الحركة دون النزول إلى الشوارع والأزقة من فوق المنازل والأحواش، وفي حوش العطعوط كان يختفي القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات وهو يعد العدة لانطلاق عمليات الثورة،وشهدت أزقة نابلس معارك استشهد فيها عدد كبير من الشهداء منذ الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 وخاصة في الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى، وما زالت نابلس تقدم الشهيد تلو الشهيد، وكلما تجولت في أزقة نابلس وشاهدت النصب التذكارية ولوحات أسماء الشهداء، كنت أشعر بعبق دمهم يمازج ياسمينات نابلس، فلا أمتلك إلا أن أقف بإجلال وأقرأ الفاتحة على أرواحهم.
   من زقاق إلى زقاق كنت أسير ومضيفتي د. لينا الشخشير حتى شعرت بتأنيب الضمير أنني أتعبتها كل هذا التعب وهي الفتاة الشابة الرقيقة، وتذكرت جولاتي السابقة منفردا وجولتي مع الشاب عياد الشحرور صديق ابني والذي رافقني أول جولة في دروب نابلس، وتذكرت أسطورة اسم "نابلس" بنسبته للأفعى الضخمة المسماة "لس" التي كانت تلتهم البشر وتسمم الآبار حتى تم قتلها وكانت تمتلك نابا ضخما تم خلعه فسميت "ناب لس"، وطبعا كما أشرت فهي ليست أكثر من أسطورة رويت بأكثر من شكل، بينما حقيقة الاسم تعود لبناء المدينة في موقعها الحالي بدلا من موقعها القديم "تل بلاطة" حيث كان اسمها شكيم  بعد أن هدمها الرومان وبنى إمبراطورهم قسبازيان المدينة الجديدة في الموقع الجديدفي وادٍ بين جبلين هما: عيبال وجرزيم؛ ويبلغ ارتفاع جبل عيبال 940 م وجبل جرزيم 870 م، ليصبح اسمها "نيابوليس" أي المدينة الجديدة وتم تحريف الاسم إلى "نابلس" عبر الزمان.
   نمط أبنية نابلس قائم على العقود المتصالبة على أقواس بحجارة ضخمة حملت الأبنية فوقها، ولا يخلو سطح من القباب أو من العلالي إضافة للقصور مثل قصر النابلسي وقصر النمر وقصر عبد الهادي وغيرها والتي سأتحدث عنها خلال التجوال، فسرنا بالأسواق المختلفة مثل سوق الحدادين وسوق البصل والسوق الشرقي وغيرها من الأسواق، حتى وصلنا إلى مطاحن ومحامص بن بريك والتي أنشأها المرحوم عبد الفتاح بريك "أبو زيدان" عام 1936 وآلت لورثته، وهي مطاحن مشهورة بالبن والبهارات والعطارة المختلفة، وقد عمل مالكها الحالي باسل بريك منذ أواسط الأربعينات من القرن الماضي على تحويل المساحة الداخلية إلى متحف تراثي بحكم هوايته بجمع المواد التراثية من أي منطقة، فأصبح البهو الداخلي في هذا المبنى التراثي العريق عبارة عن صالة مفروشة بالفرش العربي والبسط اليدوية وفي كل زاوية فيه ومن لحظة الدخول للمطاحن عبارة عن متحف يروي حكاية ذاكرة شعب لا تتوقف، فشعب بلا ذاكرة شعب يسهل شطبه، ونحن شعب عصي على الشطب بما نمتلك من ذاكرة وتراث وحكاية شعب شق الصخر وبنى حضارة.
ولذا اخترت نماذج من الأبنية والصناعات والأمكنة للحديث عنها، فنابلس تحتاج سنوات من البحث والتجوال والتوثيق، فهناك نابلس التي تحت الأرض ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر سراديب معقدة، وهناك أبنية وحارات وآثارات تحت الأرض، إضافة إلى عشرات المقامات والعديد من الكنائس والأديرة وسبل المياه والمساجد والأوقات وحكايات لا حصر لها، وبعد أن قرأنا الفاتحة على ضريح المرحوم مصطفى بك الفقاري أمير الركب المصري والذي توفي ودفن في نابلس عام 1051 ه، اتجهنا إلى مصبنة عرفات للقاء السيد نصير عرفات ليحدثنا عن عملية تحويل المصبنة إلى متحف ومؤسسة ومن ثم إلى مصبنة النابلسي "البدر" وهمست لي مضيفتي ودليلي د. لينا الشخشير: الآن سترى أجود أنواع الصابون من زيت الزيتون في العالم، فهمست لها من باب المشاكسة: وهل يرقى لصابون زيت قريتي الخضراء الصغيرة جيوس الذي يطبخ في البيوت ولا استخدم منذ طفولتي صابونا غيره؟ فضحكنا معا، فالمصبنة التي نتجه لها تعود إلى 850 عاما، وهي بعض مما تبقى من هذه الصناعة التاريخية التي اشتهرت بها نابلس دون غيرها في فلسطين، والتي سيكون عنها حديث في الحلقة القادمة يروي بعضا من حكاية من الصعب روايتها بالكامل.





لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا
لمزيد من اخبار عالمية وسياسية اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق