اغلاق

سيرة الفنان العراقي رضا العبد الله

بانيت : اسمه رضا العبدالله. أتى من العراق الحديث ليصبح من أهم الفنانين موهبةً وابتداعا. تشمل أعماله الموسيقى العربية الكلاسيكية (المقام)



إلى جانب الأنواع الشعبية المعروفة في منطقته وخارجها. يعتبر صوته الغني والمفعم بالطاقة، ومهاراته في التلحين والتعديل مثالاً يقتدى به. أما الشعر الذي يكيّفه والكلمات التي يؤلّفها فتتخطى المواضيع الرومانسية المألوفة لتغوص في أعماق العلاقات البشرية وبالتالي، الواقع الاجتماعي والسياسي. وتختبئ وراء إنجازات رضا الرائعة قصة شخصية أليمة عاشها في عراق صدام حسين. فلقد استمدّ من شدّته ومعاناته التشبّث والتركيز والحافز ليصبح أحد ألمع النجوم في الشرق الأوسط اليوم.
وُلد رضا العبدالله في بغداد... فناناً بالفطرة. وفي المدرسة، كان يسترسل في الغناء عفوياً في الصف، وكان أداؤه جيداً لدرجة أن المعلّم كان يتوقف ليستمع له، حتى انه كان يبدأ اليوم قائلاً: "رضا، ماذا ستسمعنا اليوم؟" لمع رضا في مسرحيات المدرسة والحفلات الموسيقية، وأخذ يؤلف أغانيه الخاصة في سن العاشرة. شجّعه والداه، فاشتريا له الآلات الموسيقية، وخصوصاً العود، وهي آلة الملحّنين العرب الرئيسية. كان رضا مولعاً بأسطورتي الفن الكلاسيكي، العراقيين ناظم الغزالي ومحمد الكبنجي. وهكذا ترعرع رضا الشاب، يلتجئ إلى أحضان الموسيقى الجميلة ليبتعد عن جو الفوضى والظلم الذي اتّسمت به أولى سنوات صدام. في زمن كان الفنانون فيه يخيّرون ما بين الغناء للنظام أو عدم الغناء، بقي رضا بعيداً عن الأنظار، فراح يغنّي ويلحّن ويتمرّن في البيت. 
بلغ رضا سن الرشد خلال فترة الاضطراب والعنف في حرب إيران-العراق. وفي الثامنة عشر من عمره، التحق بمعهد بيت الفن والموسيقى في بغداد، العراق (House of Art and Music Conservatory of Iraq)، حيث درس لستّ سنوات كافة أوجه الموسيقى. أثار رضا انتباه الملحّن منير بشير، أحد أبرز الشخصيات في موسيقى القرن العشرين العراقية، في مرحلة مبكرة، فأخذ يلقّنه أعمال روحي خماش، والدكتور سالم عبد الكريم، وعلي إمام، والكثير غيرهم. تخرّج رضا بتفوّق كملحّن وعازف على العود.
تابع رضا دراساته الموسيقية في أكاديمية الفنون والموسيقى والمسرح (Academy of Arts, Music and Theatre). ثم بدأ بتسجيل أعماله الموسيقية، على الرغم من أن الفوضى كانت تعمّ صناعة الموسيقى في العراق في تلك الحقبة، وبالتالي لم تروَّج هذه الأعمال. خلال أحداث غزو الكويت وبعدها حرب الخليج، كان رضا يلحّن أغاني تدعو المواطنين إلى رمي السلاح واستبدالها بالآلات الموسيقية، وكان شعاره الأساسي: "نعم للموسيقى، لا للحروب"، شعار بالكاد يكون رسالة شعب لنظام صدام المحاصِر. في العام 1993، علّق رضا مسيرته في الموسيقى إذ تخرّج والتحق مباشرةً بالجيش العراقي ليمضي أشهر الخدمة الجبرية الثمانية عشر. غير أن الجيش رفض تسريح رضا عند انتهاء خدمته، فخاف من أن يقضي حياته في الجيش ولا يحقق أبداً حلمه بأن يصبح فنانا. تحوّلت حياة رضا الشخصية إلى كابوس عندما اعتقلت السلطات والديه وعذّبتهما، إذ اضطر ليعيل عشرة إخوة وأخوات – لا يزال حتى اليوم متكفلاً بهم. كان رضا يتطلّع إلى غاية شبه مستحيلة، هي النجاة من الطغيان في حياته العراقية. 
حاول رضا الهروب من الجيش، ولكن قُبض عليه وسُجن مدة 100 يوم. عاش خلال احتجازه أعمالاً رهيبة من التعذيب، وهي تجارب لم تفارق ذهنه حتى اليوم. بعد ذلك، حُكم عليه بقطع إحدى أذنيه وبالسجن ستة عشر عاما. هذا وأجبِر رضا على دمغ جبينه بصليب، كي لا يتزوج أو يحصل على وظيفة بعد إطلاق سراحه. نُقل رضا إلى مخيّم عسكري حيث خضع للتعذيب والضرب لثلاثة أيام. وفي منتصف ليل اليوم الرابع، كعمه رجلان في زنزانته ووضعاه في صندوق سيارة، وابتعدا به مئات الأميال في الصحراء. وعندما توقفت السيارة، وفُكّت العصابة عن عينيه، عرف أن الخاطفين كانا في الحقيقة أخويه. فاصطحباه إلى منزله ليرى والديه لبضع دقائق. ثم أعطي جواز سفر وأبلِغ بأن عليه مغادرة العراق في أقل من 24 ساعة.
كانت سنة 1997 حينها. انخفض وزن رضا في هذه الفترة إلى 58 كلغ، فصار بالكاد قادراً على السير أو الكلام. اتجه رضا نحو الحدود الأردنية لا يحمل سوى القليل من الثياب وعوده. ولدى وصوله وجد مئات النساء والأولاد وكبار السن ينتظرون تحت لهيب الشمس. اعتقد رضا أن عبوره الحدود قد يستغرق أياماً، إلا أن الحظ حالفه، فنادى موظف الحدود اسمه بعد خمس عشرة دقيقة. وفي لحظة عبوره إلى الأردن هذه، خالجه شعورٌ لم يفارق كيانه حتى اليوم. غمره إحساس من الحرية، فأخذ يذرف دموع الفرح. فلقد مُنح فرصة جديدة للعيش، وأصبح عازماً على النجاح في حياته الفنية أكثر من أي وقت مضى. وجد رضا نفسه في عمّان، ثم في مدينة إربد، حيث غنّى في المطاعم وسرعان ما لفت الأنظار. فساعده طالب إماراتي قد آمن بموهبته على الحصول على تأشيرة دخول إلى دبي، وتمكّن أخيراً من الشروع في تسجيل الأغاني التي ستجعل منه نجما. 
 بدأ رضا يغنّي في حفلات موسيقية خاصة وفي حفلات الزفاف في دبي، فانتشرت شهرته بسرعة. احتلّت أغنيته الأولى "الملح والزاد" – وهي تجديد جريء لأغنية كلاسيكية - المرتبة الأولى للعام 1997 في الإمارات. أما أغنيته الثانية، تحت عنوان "هلي"، فكانت خاصة به، وتحكي عن رجل يتوق إلى الزواج عن حب، ضد مشيئة عائلته. وبعدها، سجّل رضا ثلاثة ألبومات مع شركة روتانا/EMI، أوّلها كان ألبوم "ظالم" (2000)، تبعه ألبوم "بعدك حبيبي" (2003)، ثم "إحنا بزمن" (2005). وأحدث ألبوم "بعدك حبيبي" ضجة فنية إذ شكّل انتقالاً من الغناء الكلاسيكي إلى الأغاني الشعبية (البوب العربي). واستطاع رضا أن يتميز بين أفضل المغنين الشعبيين في الشرق الأوسط، بفضل تمارينه ومعرفته بأقدم التقاليد العربية الكلاسيكية وأغناها. هذا وشكّلت كلمات هذا الألبوم أساساً جديداً للموسيقى الشعبية فغاصت في أعماق علاقة مضطربة. فكان رضا يخاطب في أغنيته امرأة ويقول لها: "لمَ الشجار؟ أنت رقيقة وجميلة جدا. من أين يأتي هذا الغضب؟ إنه من الخارج، وليس من داخلك". وأراد رضا أن يعطي بهذه المشاكل الرومانسية المغنّاة مثلاً عن المحن السياسية، كما لو كان يخاطب أهل المنطقة قائلاً: أنتم مسالمون بالفطرة، فلمَ هذا الغضب؟ أحدهم يفعل بكم ذلك".
صعب على الأذن مقاومة كلمات ذكية وحساسة كهذه من رجل عانى جحيم الحرب، من رجل ساحر ووسيم وموهوب للغاية. حتى إن الرجال أرادوا التمثّل به، وودّت النساء لو يتقرّبن منه. تمحورت أغاني رضا حول الجمل اللحنية الملفتة للسمع، التي تأتي غالباً في بداية الأغنية، ما شكّل تغييراً للعادة المتبعة، وميّزه أكثر فأكثر بين المغنين الشعبيين في المنطقة.
سوف يطلق رضا في شهر حزيران/يونيو 2009 ألبومه الرابع "يوم وسنة"، الذي يتضمن مجموعة من أربع عشرة أغنية، قد عمل على إنتاجها وتسجيلها مع فريقه، وهو ثمرة جهود استمرت أربع سنوات. يجمع هذا الألبوم المهم ما بين الأغاني العراقية التقليدية والبوب العربي والغربي -  كل الأنواع من المقام إلى التكنو. وتدخل في الأغاني آلات الكمان والعود والفيولونسيل والفلوت والكلارينت ضمن أسلوب عربي، وأيضاً الغيتار والسّكسية، والعزف بطريقة غربية وعربية، فضلاً عن الطبلة والطبل والمقاطع الايقاعية. ومن بين القطع الموسيقية الخاصة برضا، نجد أغنية "لا تسافر"، المهداة إلى والدته التي بكت عندما غادر العراق عام 1997، ولفظت أنفاسها الأخيرة بين ذراعيه في دبي بعد عشر سنوات. وتحيي الأغنية التي يحمل الألبوم اسمها قصة غرام عاشها رضا في شبابه في العراق. عند التقائهما صدفة بعد سنة، أصبح انفصالهما مستحيلاً، ويقول رضا لحبيبته إن كل لحظة من بعاده عنها تمرّ وكأنها سنة. وهذه الرسالة، بأن الحياة قصيرة لا يمكننا التنبؤ لها، ولا بد لنا من عيشها بطولها وعرضها، تعني الكثير بالنسبة إلى جميع العراقيين. وفي الوقت عينه، إنها واقع عام، إحساس رجل ذاق الأمرين في الحياة، فقرر أن يحمل معه عادات بلده العظيمة إلى القرن الحادي والعشرين.

( لارسال مواد وصور لموقع بانيت – عنواننا panet@panet.co.il)

*لمشاهدة موقع بانيت عبر تلفون اورنج وبيلفون النقال ارسل رسالة sms واكتب فيها panet ثم ارسلها الى 3322 وبانيت معك على طول.



لدخول لزاوية الفن اضغط هنا

لمزيد من فن من العالم العربي اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق