اغلاق

طائرات الجبهة لا تُحلق في الفضاء، بقلم: نبيل عودة-الناصرة

جبهة الناصرة تحاول الطيران. يثير غضبها ان طائرة علي سلام تحلق وحيدة في أجواء الناصرة. ما العمل؟ طائرتها السوفييتية أضحت بلا قطع غيار.


نبيل عودة

 الصين تحولت الى السوق الحرة ولا يعنيها عجز الشيوعيين في العالم، فهل تلتفت لمجموعة عاجزة عن الطيران في الناصرة؟ هل تقتطع من أرباحها الهائلة ما يجعل شيوعيي إسرائيل يتخلون عن عشيقتهم السوفييتية (لتكن ذكراها مخلدة) لعشيقة صينية لم يذوقوا شهدها بعد؟
 القلب لم يتعود ان لا يحب الأرض السوفييتية حتى لو صار على راسها بوتين وصار اسمها روسيا وتحررت دول المجموعة السوفييتية من التبعية لموسكو وأضحت دولا حرة .. وهم ما زالوا يحلمون بعودة الروح للاتحاد سوفييتي.
الزعامة العتيقة لم تعد قادرة على نفخ روح حيه في محركات طائرة اكل عليها الدهر وشرب، وأضحت تليق بمتحف التاريخ، ربما يقرر علي سلام إقامة متحف نصراوي للتاريخ، وأول ما يجب عرضه هي طائرة الجبهة وطياريها الى جانب نشيد "بالطول بالعرض الجبهة تهز الأرض".
 كان أصحاب الكروش الثورية المنتفخة يجولون ويصولون في عالم اشتراكي، بطائرات حديثة، البعض يقول ان ما تمتع به أصحاب الكروش الثوريين، هو ما حرم منه مواطني تلك الدول.
اذن هل يتنازلوا عن طائرة تحلق بمواجهة طائرة علي سلام في سماء الناصرة؟ كان ظنهم انهم بطائرة او بدونها الناصرة ستبقى خاضعة لهم.
 هزيمتهم واصرارهم الثوري رغم الهزيمة، جعلهم يعيدون اصلاح محرك طائرتهم .. بأيدي جبهوية شابة فتحت صفحة جديدة في تنظيم الجبهة .. وأعلنت انها "صفحة جديدة في الناصرة" رغم ان الغرف المغلقة تبحث عن بدائل؟ هل يجرأون على إنزال الصفحة الجديدة ووضع صفحة أخرى، حتى لو كانت قديمة؟
طبعا هم في ورطة، والطائرة على المدرج عاجزة عن التحليق.
مثلا اعرف قائدا شيوعيا عربيا من إسرائيل كان يخرج بثلاث رحلات كل سنة على الأقل للدول الاشتراكية، ومع كل رحلة يعود بجيوب منتفخة بالدولارات، وبعلب الكافيار الذي تقدر الكيلوغرام الواحد منه بأكثر من 1500 دولار... عدا قطعة قماش يشتريها من الجوخ الإنكليزي من قبرص لتفصيل بدلة جديدة، وكانت قبرص محطة في الطريق الى موسكو ومختلف اقطار ما كان يسمى العالم الاشتراكي، قبل ان يتحرر أيضا من سلطة موسكو ومن كابوس الزعماء الشيوعيين السواح وذوي المكانة الملكية في تلك الأقطار. طبعا لذلك الزعيم بدلتان او ثلاثة جديدتان كل سنة، اذ لا يليق بزعيم شيوعي بارز ان يقوم بزيارة رفاقه في العالم الاشتراكي ببدلة سبق وان زارهم بها سابقا، خاصة وانه سيلتقي قيادات الطبقة العمالية العالمية، رحمها الله ورحم قياداتها وبدلات قياداتها.
ماذا كان يحدث لو فكروا بشراء طائرة جديدة لجبهة الناصرة؟
 البعض طرح نظرية جديدة ان عدم تحليق الطائرة الجبهوية هو بسبب وزن البدلات من الجوخ الإنكليزي التي يرتديها الزعماء.
حين توفي ذلك الزعيم الطبقي للعمال الكادحين الفقراء المستغلين اقتصاديا حتى الرمق الأخير في إسرائيل، كان في خزانته ليس اقل من 15 بدلة جديدة عدا ما تبرع به لفقراء الطبقة العاملة من بدلات استعملت خلال مسيرة حياته .. مثبتا بالتطبيق انه قائد بروليتاري يغار على مصالح واحوال الطبقة العاملة التي يقود نضالها ضد الرأسمالية الشرهة ..التي جعلت العمال شبه عراة ويشتهون رغيف الخبز وليس بدلات من الجوخ الانكليزي الذي ربما لم يسمعوا عنه.!!
البعض قد يظن اني اكتب مقالا سياسيا، لا سادتي الكرام، انا اسجل ذكريات وانطباعات، عن قيادات كنت أظن ان اقوالهم هي نصوص شيوعية مقدسة .. حتى اكتشفنا اننا كنا صبيانا لا نفقه كيف تجري الأمور، ومن فتح عينيه وحاول مجرد ان يقول كلمة حق، جرى اتهامه بالخيانة للمبادئ الشيوعية وفصله من الحزب، ولا ضرورة لأذكر أسماء شخصيات مثقفة كبيرة، منهم قادة بارزون، شخصيات ثقافية، احدها مؤرخ، واحدها كاتب بارز وآخر شاعر وقصصي ومؤرخ، وآخر اصبح مدير مدرسة ثانوية، وآخر استلم قيادة سلطة محلية، وآخر صنعوا منه أديبا كبيرا عظيما لأنه يعيش راقصا على وقع تصفيقهم .. ولا ضرورة لذكر أسماء، الجيل المخضرم يعرف من اعني ..
اسمعوا هذه الحكاية من ضمن حكايات عديدة، كشفها لي عضوان في المكتب السياسي للحزب أحدهما عضو سابق وذلك بجلسة غذاء في مطعم في مدينة سخنين، كانا يضحكان وهما يستعيدان التفاصيل، قال الرفيق العربي: اذا استمر هذا الحزب مع هذه القيادات لسنوات أخرى، مصيره ان يضمحل. الرفيق اليهودي قال انه امر بالغ الخطورة آمل ان لا يحدث. لكن تحققت التوقعات السيئة مع الأسف الشديد، وضاع حلمي الثوري، اذ كنت احلم بنقاوة شخصية وتلاحم رفاقي، وليس "بلفتك ما لفتك".
حافظت على ما سمعت منهما سرا بناء على طلبهما، اذ كان احدهما (الرفيق اليهودي) ما يزال عضوا في المكتب السياسي ونفذت وعدي، والآن لم يعد لوعدي أهمية ..
والحكاية تظهر نوعية الطروحات في المكتب السياسي وما يشغل "القادة الثوريين" وكيف يديرون معاركهم الطبقية من اجل الطبقة العاملة وضد التمييز العنصري والاضطهاد القومي.
والتفاصيل كما رواها الصديقان: قائد شيوعي كبير قال في اجتماع لقيادة الحزب، ان الرفاق البلغاريين غاضبون جدا عليه، لأنه لم يزرهم منذ 3 سنوات بسبب انشغاله بزيارة الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي الأخرى ولم يزر بلغاريا.
 كان حضرته قد عاد لتوه من زيارة الى تشيكوسلوفاكيا، قال انه يقترح ان يشترك في مؤتمر الأحزاب الشيوعية الذي يعقد في موسكو بعد أسبوع، وان يزور بعد المؤتمر بلغاريا ليرضي رفاقه البلغار الغاضبين عليه لأنه لم يزرهم منذ سنوات، وليثبت لهم انه لم ينساهم كما يظنون، ويقضي معهم بضعة أيام، ثم يعود الى إسرائيل. طبعا بما انه قائد بارز قُبل اقتراحه من الجميع، بعضهم صوت مع الاقتراح خوفا من ان يفقدوا حقهم بالرحلة التالية...
 سافر ذلك القائد الكبير الى موسكو، قضى أسبوعان حيث حضر اجتماع الأحزاب الشيوعية ووقع على البيان الذي صدر، وهو "خرطة برطة" وتكرار ممل لما صار كليشيهات. ومن ثم سافر الى بلغاريا، حيث استقبل استقبال الملوك، عناق وقبلات وكلمات ترحيب باسم الطبقة العاملة وقادتها البلغار، ووجهوا حراب كلماتهم ضد الرأسمالية الشرهة التي تستغل الطبقة العاملة .. وبذلك أرضى رفاقه البلغار، وارضوه بحفنات من الدولارات، وقضى شهرا كاملا في افخر الفنادق البلغارية مع مترجم وسائق وممثل للحزب، يرضيهم زعيما وراء زعيم متجولا في جميع انحاء بلغاريا الاشتراكية ملقيا خطاباته الثورية على الشعب البلغاري الذي تحرر من غول الرأسمالية المتوحشة.
عاد بعد شهر من بلغاريا ليخبر رفاقه ان زيارته كانت هامة وناجحة وانه اتفق مع الرفاق البلغار على كل المواضيع السياسية التي بحثت، وحصل على دعم مالي للحزب وصحافته العربية والعبرية، وانه تعهد امامهم ان يزور بلغاريا مرة في السنة على الأقل.
نعود لقصة الطائرة الجبهوية التي كلما حاولت التحليق والانطلاق يحدث ما يبقيها أرضا. وهي التعبير عما صار واقعا في مدينة الناصرة.
جاء رفيق مسؤول وطلب اجتماع عاجل لقيادة الحزب، وخرجوا ببيان يستنكرون فيه مؤامرات الاستعمار والصهيونية التي تبقي طائرتهم ملتصقة بالأرض. ورفعوا شعارات تطالب بانطلاق طائرتهم الى الفضاء حتى بإيجاد طيار توافقي يقبله الجميع. لكن يبدو ان جناحي الطائرة يحتاجان الى نصوص ماركسية - لينينية تلصق عليها منعا للعيون الحاسدة، وبعدها لا بد ان تحلق.
انطلقت الطائرة وقبل ان تبدأ التحليق في الفضاء سقط الجناحان. قالوا ان المشكلة ربما بالمحركات، يجب تغيير الزيت والفلاتر، نفذوا ذلك. انطلقت الطائرة على المدرج، ولحظة قبل ان تحلق سقط الجناحان مرة أخرى على الأرض، منفصلين عن جسم الطائرة التي لم تحلق طبعا، رغم النصوص الماركسية اللينينية المسجلة على جناحيها.
رأى طيار امريكي ما حصل. ضحك حتى الثمالة، وقال يا له من غباء، أعيدوا تركيب الجناحين، واكتبوا عليهما "الله يحفظ أمريكا" وستطيرون...
قال الطيار الجبهوي:
- ماذا؟ هل جننت؟
- ما يهمك الأمر .. جرب، هل ستخسر شيئا؟ انا اكفل الطائرة بأن تحلق.
وهذا ما جرى، بعد أسبوع انطلقت الطائرة بجناحيها المسجل عليهما "الله يحفظ أمريكا" واذا هي تحلق عاليا في الفضاء.
طرح الأمر على قيادة الحزب والجبهة .. وقرروا ان ايدي الصهيونية وعملاء الامبريالية وراء مؤامرة سقوط جناحي الطائرة في التحليقين السابقين، وان تلك الجملة لم تكن وراء نجاح تحليق الطائرة وجرى فصل الطيار الذي سجل جملة "الله يحفظ أمريكا" لأنه خان مبادئ حزبه واستبدل بطيار آخر، شيوعي عريق من حارة الروم الحمراء... لكن للأسف مع اول محاولة للطيران بعد محو جملة "الله يحمي أمريكا" ارتفعت الطائرة في الجو .. صفق رفاق الحزب والجبهة بحماسة وسحجوا وهتفوا: "بالطول بالعرض الجبهة تهز الأرض".. وبالفعل اهتزت الأرض، اذ ان الطائرة ما ان بلغت 100 متر ارتفاعا في الجو وإذا جناحي الطائرة ينفصلان وتهوى الطائرة على الأرض محطمة ومزلزلة للأرض حسب شعار بالطول بالعرض ... دفن الطيار بمراسيم حزبية وعقدت ندوة تأبين، وقالوا ان ايدي الصهيوينة والامبريالية ما تزال تعبث بمصير الثوريين. وان وصول علي سلام قبل سنوات لرئاسة بلدية الناصرة، هو جزء من المؤامرة تماما كما حدث مع طائرة الجبهة.
الآن ركبوا جناحات جديد لطائرات عديدة بعضها بدون طيار .. بدأت صور الطائرات والطيارين تحلق في أجواء الناصرة .. توقعوا هبوطها الاضطراري قريبا .. وغدا لناظره قريب!!


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق