اغلاق

الإنسانية لا تتجزأ يا سادة ! بقلم : جميلة شحادة - الناصرة

أذكر، أنه وفي إحدى ليالي كانون العاصفة، وعندما لم أتجاوز الخامسة من عمري بعد، بكيت لأن السماء أمطرت على لعبتي الجماد في ساحة المنزل. وأذكر أيضا،


جميلة شحادة

بأنني لم أتوقف عن البكاء، رغم كل المفاوضات والشروحات لتهدأتي، بل واصلت البكاء، الى أن أحضروا لي لعبتي، فحَضنْتُها وأسكنتها برُكنها الدافئ .
فكيف لي اليومَ أن لا أخرجَ عن صمتي والدمار يملأ كياني، والظلم يخنق صرختي، والحزن يكوي أضلعي. كيف لي اليومَ أن لا أخرج عن صمتي وآهات الأمهات الثكالى تهز عجزي، وملامح الأطفال الجرحى تلوم ضعفي وتؤرّق مضجعي .

الإنسانية لا تتجزأ يا سادة !!
أنا اليوم أدويها صرخة عالية، بأنه لم يعد يهمني، لا الأحزاب، ولا السياسات، ولا الأيدولوجيات المُغناة بأبواق "القيادات".  كما لم تعد تهمني روسيا، ولا أمريكا، ولا كل اتباعهما من دول ودويلات.  لم يعد يهمني اليوم من هو المحِق في قضية سوريا، أهو النظام والحكام، أم هم الثوار أم عناصر وتنظيمات.
يشهد لي كل من عرفني ويعرفني، بأنني قلتُ الحق في كل مكان وزمان، وساندتُ صاحب الحق ووقفت لجانبه في تظلمه، ولم يردعني عن ذلك خسارة منصب أو ترقية أو خسارة علاقتي بإنسان.
 استنكرتُ دائما قتل الأبرياء، استنكرتُ قتل الأبرياء في الكنائس والجوامع وفي كل مكان. وعلى سبيل المثال، استنكرتُ وكتبتُ عندا قتل الأبرياء في الكنيسة البطرسية في العباسية في مصر، والذي كان في ديسمبر 2016. استنكرتُ لا لأن المذبحة حدثت في كنيسة، بل لأن أبرياء قد قتلوا وتركوا وراءهم عائلات حزانى تبكيهم. فما يهمني هو الإنسان لا المكان. فكيف لي إذن، أن لا أبكي أطفال، ونساء، وشيوخ حلب وعفرين والغوطة؟! وقبلهم أطفال، ونساء، وشيوخ العراق وفلسطين. كيف لي أن لا أبكي وأستنكر، كل يوم، وكل دقيقة ، كل ما يحدث في الشام الحبيبة؟
أما ما يزيد المأساة مأساة، هو أن ما يحدث في سوريا، يحدث كل يوم ومنذ ثماني سنوات على مرأى ومسمع من العالم، كل العالم، دون تدخل عادل وجدّي، لحل الأزمة ومنع المأساة. وهنا أستذكر قولا لآينشتاين وهو: "لا يُباد العالم على أيدي الطغاة، وإنما على يدِ اولئك المتفرجين مكتوفي الأيدي". وأما الأمر المخيب أكثر للآمال، هو أن أتابع عددا من الصحفيين والإعلاميين في بعض البلدان، فأجدهم ، ومن خلال منابرهم، يهدئون النفوس بين المختلفين على ما يحدث في سوريا، لأن هناك ما هو أهم من قضية سوريا. فباعتقادهم،  هناك قضايانا الداخلية، منها الاقتصادية ومنها الاجتماعية وغيرهما، والتي يجب تسليط الضوء عليها  ووضعها نصب الأعين. ليس هذا فحسب، بل هؤلاء الإعلاميين يطالبون أبناء مجتمعاتهم، بأن يكفوا عن الخلاف بشأن سوريا وان يتذكروا أنهم شعب واحد وعيب عظيم الخلاف والخصام بسبب ما يحدث في الشام، فذلك شأن يخص الشام وأهله.
وهنا يُسأل السؤال، إذا كان الأمر كذلك يا سادة يا كرام ! فما الذي إذن, يجعل أجنبيا من الدنمارك أو السويد أو المانيا وغيرها، يتعاطف مع اللاجئين أو أن يتظاهر في بلده ضد الحرب على غزة أو العراق أو الشام وغيرهم؟
الإنسانية لا تتجزأ يا سادة ! ولا يجب أن نخرجها من جيوبنا، فقط، عندما نريدها أن تخدم مصلحتنا.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق