اغلاق

دورنا الوَسطِي لحفظ استدامة القائمة المشتركة، بقلم: بروفيسور راسم خمايسي

يكثر الحديث عن إمكانية استدامة تكوين وتفعيل القائمة المشتركة، لأسباب خارجية يقوم بها البرلمان الاسرائيلي او لدوافع داخلية واختلاف بين مركباتها. ويمارس تجاهها


بروفيسور راسم خمايسي  

نقد داخلي وخارجي، بعضه بَنّاء وايجابي وغيور عليها، وبعضه نكدي وجاحد، والبعض الآخر هدام. والسؤال الذي يطرح، ما هو منطلق الحركة الإسلامية للتعامل مع القائمة المشتركة وما إسقاطاته على تَشَكُّل قواعد تشاركية على المستوى العربي المحلي، القطري، الدولي والاممي؟ هذه الحركة التي تنطلق من روئ ايمانية، مفاهيم قِيَمِية، وسلوكيات ومعايشة تعتمد على قواعد فقهية إسلامية تقوم بتجسيدها في عملها السياسي محققة لمبدأ الوسطية.
لا شك ان للحركة الإسلامية، بصفتها رافدا مهما من طيف الحركات والأحزاب السياسية العاملة والمؤثرة لدى المواطنين العرب الفلسطينيين، دورا فعالا وفاعلا في تكوين وإقامة القائمة المشتركة. ربما يختلف الجمهور في تقييم هذا الدور وحجمه وأهميته، ولكن المهم انه كان وما زال دورا متوازنا، موازنا ومهما في استدامة القائمة المشتركة. يُشهَد للحركة الإسلامية بانها التزمت بما اتفق عليه مع ذوي العلاقة لتطبيق التداول بين أعضاء الكنيست، كجزء من التوافق بين مركبات القائمة المشتركة. تعاملت الحركة الإسلامية مع القائمة المشتركة كمورد استراتيجي من اجل تأمين وزيادة التمثيل العربي وحضوره الواعد داخل البرلمان في إسرائيل. هذا التمثيل له أهمية خاصة في واقع التمييز والعنصرية التي نعاني منها نحن المواطنين العرب. لذا فان الامر المهم هو ليس فقط ترتيب الكراسي ومنح الحصص من الأطراف/الأحزاب المشاركة، رغم أهمية ذلك في الحضور السياسي والانتمائي والاقتصادي. وان منطلقات حفظ القائمة المشتركة في الظرفية الجيوسياسية التي يعيشها العرب الفلسطينيون في وطنهم تتطلب تذويت مفاهيم المشاركة الواعية الواعدة لتحقيق غايات الوحدة والتوافق لإنجاز أهداف رباط وتمكين مجتمعنا وتطويره. لذلك فان استعداد تطبيق المشاركة داخل إطار سياسي توافقي جامع، رغم الوعي الكامل بان المشاركة لا تعني محو الذات أو إلغاءها ولا تعني الاندماج الكامل أو قبول كامل للمختلف. بل مكنت المشاركة حفظ الذات وإبراز مكونات وبرامج فكرية وسياسية. كما ان التحالف والمشاورة مع المختلف في مركبات كثيرة يمكن التوافق عليها، يساهم إيجابيا لإنجاز اهداف وسياسات مرغوبة آخذة بعين الاعتبار، المقدرات، الإمكانيات، الأولويات والمعيقات. كما أن المتحالف والمشارك يجب ان يعي ويدرك دور الفرد "عضو برلمان" في نقل الفكرة وتطبيقها لتحقيق انجازات لمن يمثلهم ويسعى الى تحقيق مطالبهم وتوفير منافعهم.
هذا يعني ان الموضوع ليس فقط مسألة محاصصة ومشاركة على أساس "كوته حزبية"، بل يجب أن يعي ويدرك كل طرف مشارك (حركة او حزب) واجبه ومسؤوليته، بان عليه أن يرشح ويرسل ذوي القدرة الأفضل لكي يُمَثلوه داخل إطار المشتركة، ولاحقا داخل البرلمان. لان هذا التمثيل والأداء البرلماني يعكس ليس دوره الفردي بموجب ادائية الفئوي، بل يكون له تأثير مباشر على صياغة الخطاب واللغة وتحقيق الانجازات للمجتمع الذي انتخبه أولا ولكل المواطنين. وان الناظر والراصد لأداء أعضاء القائمة المشتركة يجد بينهم تفاوتا في الأداء والانجازات، تشكيل خطاب ولغة وحضور برلماني. لسنا في صدد تقييم هذه الأدوار ولكن الحكمة ان نتعلم من هذه التجربة وان نستفيد منها لبناء واستدامة القائمة المشتركة على المستوى الأدائي والممارسة لأعضاء البرلمان المنتخبين والتابعين لها. خاصة وأن القائمة المشتركة لا تعمل في فراغ، بل يمارس ضدها وضد أعضاء البرلمان المُنتمين والمشاركين بها هجوم وتخضع لتحديات كثيرة من قبل فكر وممارسة أعضاء برلمان ينتمون إلى الطيف السياسي الإسرائيلي الصهيوني. وان دور الفرد في البرلمان هو مهم جدا من اجل ترجمة القدرة الشخصية على خلق الحوار وصياغة الائتلافات السياسية، الاستراتيجية والتكتيكية المنفعية، وممارسة مقايضات لتحقيق أهداف مرغوبة. أي أن الذهنية الدوغماتية الصدامية او تلك غير الجاهزة لتفعيل المشاركة في هذه اللعبة البرلمانية (سياسيا، معرفيا، وإداريا) ربما يكون دورها اقل في تحقيق الإنجازات. ان الفكر السياسي بحاجة إلى رُسُل لعرضه وإقناع المعارض أو المخالف به أو محاججته ومصارعته. وهذا يعني أن المحاصصة مهمة لخلق التشارك واستدامته مع المختلف، ولكن المهم هو توفر القدرة لدى المشاركين في المحاصصة على تحقيق الأهداف المرجوة. ورغم كل الانتقاد البَنّاء الذي أشارك أبناء مجتمعي به لإنجازات الاخوة أعضاء وعضوات البرلمان ممثلي القائمة المشتركة، إلا أنني أستطيع أن أقول، أن تجربتنا بحاجة إلى تقييم، واداءنا يتطلب التحسين، وعملنا المشترك المُمَأسس بحاجة إلى ترشيد ودفع إلى الأمام. وان مهمة الحركة الإسلامية المساهمة الفَعاّلة الفاعِلة، كما كانت، لتطوير مبدأ المشاركة ليس لانجازات انتخابية أو انتهازية لا سمح الله، بل لاعتبارات فكرية سياسية ولتحقيق مبدأ الاستخلاف في الارض بموجب مبدأ الوَسَطية. تحقيق هذا المبدأ يبعدنا عن الغُلو والانغلاق على الذات، ويمكننا من نشر رسالة التعاون وإحقاق القسط للذات ومع المختلف.

ثلاث دوائر
تقع أهمية هذه الوسطية التشاركية في ثلاث دوائر نوجزها فيما يلي:
الأولى، دائرة مجتمع المواطنين العرب الفلسطينيين المحلي: هذا المجتمع مُكَّون من عدة تيارات سياسية وتنوع اجتماعي وطائفي. المُكوِنات المُختلفة والمًتنوعة لها حقها في التشكيل والتنشئة السوسيو-سياسية وبناء ذاتها بموجب فكر ترى أنه يناسبها ويخدمها في سيرورة حياتها الفردية والجمعية. فهذا المجتمع، يعيد تشكيل ذاته بعد النكبة وفي واقع المعاناة، الاقصاء، التمييز والعنصرية المقيتة التي يعيشها. وان الفكر الإسلامي والتراث العربي يشكل أساس مكونات هذا المجتمع رغم تنوعه. وبين مكونات هذا المجتمع السياسية كثير من المشترك في مواجهة سياسات الحكومات الإسرائيلية، وقليل من الاختلاف الجذري الأيديولوجي في أولويات الظرفية الحالية. رغم أن أولويات كل مركب سياسي، يختلف ولكن هناك إجماعا على فرض الوجود في الوطن وتنميته وإحقاق الحقوق وتوفير العدل. لذا فان هذه المبادئ لا نختلف معها او عليها بل نسعى جميعنا تحقيقها بشكل عام. وهذا يعني أن تبنى الوسطية واعتمادها لدى مجمل الطيف السياسي العربي، تمكن التعايش والمعايشة مع الأفكار والممارسات التي لا تسعى لإلغاء أو محاربة التراث والحضور الإسلامي، بل تحترمه وتتوافق معه في كثير من أفكارها وممارساتها وتنتمي إليه حضاريا وثقافيا على الأقل. ان استعداد التيار الإسلامي لريادة المشاركة في هذه الاختلافات، ضمن دوائر تحقيق أدب الاختلاف، هو جزء من مكونات الفكر الإسلامي وممارسته النيرة المستمرة. وان قدرتنا على المشاركة، التعامل مع المختلف من إخوتنا أبناء شعبنا وأهلنا في مدننا وقرانا، هو امتحان حقيقي لقدرتنا على المشاركة مع المختلف في الدوائر الأخرى التي سنتناولها لاحقا. لذلك فان هذه المشاركة تجمع نقاط قوة أخلاقية تطبيق وسطية الإسلام وحال المسلمين، وإخراجهم من دوائر ما يُتَهمون به أنهم يحاولون عزل أنفسهم أو يحاولون فرض فكرهم ودينهم على المختلف بالإكراه. لا، فان تطبيق المدرسة المحمدية المنصوص عليها كذلك في ميثاق المدينة المنورة هو خير نموذج يشار اليه بالاعتراف بالآخر المتنوع المختلف والعيش معه بأمان. وان التحالف والمشاركة لتحقيق غايات صالح الإنسان وعدم الإفساد في الأرض هي مركبات يُجمِع عليها أبناء شعبنا وممثلوه السياسيون رغم انتمائهم القومي، الاشتراكي او حتى المنفعي غير الانتهازي. لذلك فان المشاركة في بناء التعاون مع الآخر وتطبيق دائرة المشاركة والتعاون داخل مجتمعنا هي دائرة استراتيجية، لان عملنا وتحملنا لبعضنا البعض وعيشنا وتشكيلنا اطر سياسية مشتركة، رغم التنوع والاختلاف، هو أمر يَصُب في صالحنا ويحول دون انزلاقنا إلى متاهات وصراعات نراها ونعايشها في دول ومجتمعات عربية اسلامية تحيط بنا وجلب الدمار والخراب لها، وهذا ما يجب أن نتجنبه. نحن نعي ونعلم أن هناك بعض المبادرين السياسيين الذين يسعون إلى تحقيق الهيمنة الذاتية. وهذا أمر نجده في كل مكان، ولكن علينا وضع كوابح مؤسساتية تحول دون انفلات هؤلاء المبادرين السياسيين، مهما كانت قوتهم وادوارهم، ووضعهم في اطر التداول المرغوب، لكي نستفيد من المشاركة في خلق وممارسة فكر التداول المؤسساتي البَناء وتطوير العمل المجتمعي والجمعي المتوافق عليه، وليس التبعية للفرد التي ربما تدخلنا الى متاهات لا يُحمَد عُقباها.
الدائرة الثانية دائرة المواطنة القطرية، نعي جيدا حالة المواطنة المشروطة ورغبة الإقصاء والاتهام التي تُمارس ضدنا من الحكومات، الأحزاب وبعض قادة الدولة الصهيونيين. وفي هذا السياق أظن أن النظرة والتعامل الدوغماتي الصدامي والنمطي التقليدي مع الأحزاب الصهيونية وقيادة الدولة هو ليس من صالحنا، خاصة وان هناك تعاونا وتنوعا في أدوات وأولويات هذه الأحزاب وكيفية النظرة والتعامل مع مصالحنا ومنافعنا، رغم تراكم الاعتداءات ونسج علاقة عدم الثقة والتخويف غير المتماثلة والمتناظرة. لا شك أننا في حالة صراع، ولكن هذا الصراع بحاجة إلى تفتيش عن حلول وتسويات لتخفيفه. وان القطيعة هي ليست الطريق للتعامل مع هذا الصراع في ظرفيتنا، بل المشاركة الواعية التي يعمل بها، وتدار بشكل منفعي ذرائعي غير انتهازي. النظرة للدولة كأمر قِيَمي أصبح في كثير من المجتمعات، حتى اليهودية منها، غير موجود او انه ضعيف، بل النظرة للدولة تتركز على واجبها ودورها في النواحي الوظائفية، الخدماتية والإدارية لساسة شؤون المجتمعات التي تعيش في الدولة الحديثة. وان دور قيام، وجود واستدامة القائمة المشتركة والمشاركة في مؤسسات الدولة المختلفة والمتعددة بحضور وسطي ندي غير مهادن هو نقطة قوة لنا.
إن الدارس لحضور القائمة المشتركة في المنظومة السياسية القطرية يجد ان لها حضورا رغم رغبة إقصائها، التمييز ضدها والتحريض عليها. ولكن وجودها لا يمكن تجاوزه. ويمكن الإشارة إلى كثير من المنافع التي حققتها رغم بعض الإخفاقات، المبرر بعضها، ولكن ما يهمنا في هذا السياق ان حفظ استدامة المشتركة بمشاركة فعالة وفاعلة للحركة الإسلامية على المستوى القطري لتحقيق المشاركة التشاركية في المواطنة المتساوية غير المشروطة هو أمر حميد، خاصة ما يؤمن حفظنا وتنميتا في وطننا. إن التحولات في العالم بعد نشوء الدولة الوطنية/القومية والصراع حول دور هذه الدولة القِيَمي أو الوظائفي، وزيادة المطالبة لتحويل مكانة الدولة من الإطار الانتمائي القومي إلى الإطار الوظائفي وتأمين المواطنة المشاركة والتشاركية، بما في ذلك تقاسم الخير العام وموارد القوة المادية والرمزية بشكل منصف ونزيه هو جزء من صراعنا ومطالبنا. لذلك فان من مصلحتنا المشاركة التشاركية مبنية على منطلقات فكرية أخلاقية تسعى إلى إحقاق الحقوق وتامين الانصاف بموجب اعراف حقوق الإنسان والمواطن التي لا يوجد تعارض بينها وبين رسالة الإسلام. وان مقاطعه المشاركة تعني الإقصاء الذاتي والانزلاق إلى العزلة في عالم يميل أكثر للانفتاح والمشاركة عابرة الحدود. صحيح أن واقعنا مليء بالتعقيدات والتناقضات. ولكن هذا الوضع ورثناه ولسنا سببا في تكوينه، ولكن لدينا حاضرا نستطيع تشكليه وهو بأيدينا ولنا مستقبلا يجب أن نعي لكيفية الاستعداد والاعداد له. وان محاولات بعض الإخوة طرح مسألة مشاركتنا في إطار انها ربما تُجَمِل الديموقراطية الإسرائيلية، هو ادعاء أتفهمه خاصة في ظل هيمنة يمينية عنصرية. ولكن التحدي هو كيف يمكن مواجهة هذه الهيمنة بخطاب وسلوك أخلاقي عقلاني يخلق تحالفات ومشاركات مع مختلفين دينيا، ثقافيا، أيديولوجيا وسياسيا، ولكننا متساوون في المواطنة الرسمية، رغم ان لنا حضورا غير متناظر ومتماثل في الحيز الجيوسياسي؟. وان وجود وتفعيل القائمة المشتركة وزيادة قدرتنا على المشاركة والتشارك فيما بين أطرافها من الأحزاب والحركات العربية، يمنحها القوة الأخلاقية والسياسية لفتح آفاق المشاركة مع المختلف إن كان صهيونيا متنورا قابلا للمختلف أو غير ذلك، في سبيل تحويل الدولة وجهازها السياسي والإداري الوظائفي نحو نظام أكثر ديموقراطية وتعددية. لان حفظ النظام الديموقراطي، رغم العجز فيه، وتأمين سيادة القانون، رغم انه في بعض الأحيان مجحف وغير أخلاقي، ولكنه أفضل من الدكتاتورية وغياب القانون التي تساهم في نشر الفوضى التي نرفضها. هكذا فان وجود القائمة المشتركة واستدامتها تشكل بوابة مهمة لفتح آفاق المشاركة مع المختلف وانتزاع الحقوق وربما تغيير واقع اللعبة السياسية على مستوى الدولة. ربما يظن البعض أنني ساذج او متفائل أكثر من اللازم في واقع نرى فيه أطرافا كثيرة في الدولة تميل نحو التطرف اليميني وحتى تنمية العنصرية والاقصاء، ولكنني أقول للإخوة بأننا لا يكفي أن نقف ونرصد ما يحدث، بل يجب أن نسأل أنفسنا ما هو دورنا في تغيير هذه التحولات، وهل قمنا بواجبنا لمواجهتها بممارسة خطاب وسلوك تشاركي وليس فقط احتجاجيا مع انني مدرك وواع ما معنى هذا التشارك واستحقاقاته في الظرفية التي نعيشها. ولكن المسؤولية الوطنية والأخلاقية هي ليست مواجهة التطرف بالتطرف بل بالعقلانية والرشاد المبني على أسس أخلاقية لأنها أقوى من المغالاة والتشدد والتطرف المقيت.
الدائرة الثالثة، هي الدائرة الدولية والأممية: تقع علينا مسؤولية الوعي أننا في عالم أصبح يسمى "عالم القرية الصغيرة". أي ما يحدث في مكان ينقل بسرعة إلى مكان آخر بواسطة أدوات الاتصال السريعة ويؤثر على صياغة الخطاب والسلوك المحلي. ونحن نعي أن الحدود أصبحت نافذة مفتوحة وحاليا من الصعب وجود مجتمعات اصلانية مغلقة الثقافة، بل غالبية المجتمعات أصبحت تعيش حالة تنوع وتعددية ثقافية، خاصة بوجود وزيادة أفواج هجرة عابرة لحدود الدولة القطرية. حاليا توجد هجرات كثيرة إلى أوروبا ولدول غربية غنية أخرى. معظم المهاجرين هم من أبناء العرب والمسلمين، وهم يسعون لحفظ دينهم، ثقافتهم وعاداتهم حتى في الدول والمجتمعات المستقبلة او تلك التي يلجؤون اليها. هؤلاء ابناء العرب المسلمين يدخلون حدود أوروبا ومدنها الصغيرة والكبيرة غالبا مكرهين. هذه الهجرة يرحب بها في بعض الأحيان وفي أخرى يمقتها ويرفضها المجتمع المحلي لأسباب مختلفة، لا نريد الخوض فيها في هذا المقال. ولكن ما أريد أن أقوله أن المشاركة الإسلامية في الأطر السياسية المحلية وعلى مستوى الدولة بالمواطنة المحلية والقطرية، رغم التغييرات والتناقضات في الظرفية الجيوسياسية وسياسة الإقصاء والتمييز، الا انه حضور واستدامة القائمة المشتركة بمشاركة إسلامية فيها، رسالة واضحة للمجتمعات العربية والإسلامية التي تنشا في المدن الأوروبية والمجتمعات الغربية، أن الإنسان يستطيع خلق تشارك ومشاركة مع المختلف في ظرفيته التي آل اليها طوعا او قسرا.  وهذا لا يعني التنازل عن هويته وانتمائه، بل يستطيع تطوير انتماءات متعددة تكاملية تراكمية. الانتماء الواحد ليس على حساب الانتماء الآخر. ان المشاركة والتشارك المحلي، بيننا نحن العرب بما في ذلك التيار الإسلامي، لها رسالة واضحة لإخوتنا العرب المسلمين. وتقول لهم، إنكم تستطيعون المشاركة في المواقع التي تسكنونها وان واجبكم ان تحضروا فيها محافظين على الأخلاق والأمن العام والشخصي ومشاركين في البناء في مكان تواجدكم. هذه المشاركة الواعية الواعدة تفوت الفرص على أولئك العنصريين النمطيين والانتهازيين الذين ينظرون لنا نظرة العداء ويسعون الى إيذاء اخوتنا والاعتداء عليهم وحتى يصل الامر ربما لطردهم. هكذا فإن المشاركة والدعوة الواعية إلى مجتمع متنوع متعدد الثقافات ومتكامل على أسس حفظ حقوق الإنسان والمواطن، سوف تساهم في تجنب الاعتداءات الفردية على إخوتنا وإخواننا في المدن الأوروبية.
من يظن أن أداءنا وسلوكنا هنا في الوطن وفي الحيز الذي نتقاسمه والمختبر الذي نعيشه يبقى هنا، هو مجانب للصواب. ما نقوم به ينتقل إلى العالم ويكون ربما نموذجا لتقليده وتبنيه أو استخدامه للطعن بنا وبأخوتنا واخواتنا في مواقع متعددة من العالم. لذلك فان قدرتنا على المشاركة في الدائرة الاولى والثانية لها تبعات على الدائرة الثالثة، وهي مسؤولية الوسطية التي يجب علينا ان نسعى إلى تحقيقها. وهذا دور مهم يجب ان تقوم به الحركة الإسلامية، وتترجمه الى برنامج عمل كجزء من برنامجها الدعوي والسياسي المنطلق من مفاهيم وسلوكيات أخلاقية. 
إن تشكيل القائمة المشتركة كإرادة شعب لدينا نحن المواطنين العرب، في حالة الانقسام الفلسطيني في الأراضي المحتلة والشتات، والذي نأمل ونسعى لإنهائه ولم الشمل في البيت الفلسطيني؛ وفي حالة الصراع والحروب الدائرة في الدول العربية التي ننتمي إليها ثقافيا ووجدانيا، هي نقطة ضوء يجب تطويرها وترشيدها لإصابة أهدافها الحميدة. هذا التشكيل الوحدوي والعمل به، رغم ما يواكبه من تحديات واخفاقات، هو انجاز يجب الحفاظ عليه وتمكينه بتحسين الأداء الفردي والجمعي وتخفيف الشخصنة. وان دور الحركة الإسلامية في استدامة هذا التحالف والمشاركة هو استراتيجي لأنه ينطلق ليس من مفاهيم وسلوكيات مصلحية مزاجية آنية وظرفية، بل هو جزء من مفاهيم قِيَمية ورسالة إنسانية تترجم إلى برنامج سياسي يسعى الى تطوير مفاهيم العيش مع المختلف وقبول التنوع والتفتيش عن المشترك وتعزيزه وتجنب المختلف وتقزيمه. وبناء على هذه المفاهيم النيرة نُهَندس واقعنا ومستقبلنا الاجتماعي والسياسي المحلى، القطري الدولي والاممي، حيث يوجد بينهم تأزر كما أشرنا في هذا المقال الموجز. 
  


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق