اغلاق

نحو الخروج من حالة المؤقت وأثره على الذهنية والممارسة التخطيطية/ بروفيسور راسم خمايسي

رغم استمرار وجودنا واستئناف تطورنا، نحن العرب الفلسطينيين، في الوطن المجزأ جيوسياسيا، بعد خسارتنا في معارك عسكرية أطلقت عليها مسميات "نكبة 1948"،


بروفيسور راسم محيي الدين خمايسي 

"نكسة 1967"، الا أننا ما زلنا نسمع أصوات ونشهد سلوكيات تطرح قضايانا وتتعامل مع واقعنا وكأننا نعيش حالة المؤقت. هذه الحالة ترافق خطابنا، سلوكنا واستعدادنا المحدود في المشاركة لإنتاج وبناء مستقبلنا وتشكيل حيزنا العام على مستوى البلدة، الاقليم والقطر. مع اننا كأفراد نقوم بالبناء والتقدم، ولكننا كمجتمع ما زالت تطغى علينا حالة المؤقت، والتي نجدها في التعامل مع ذاتنا ومع الطرف الآخر الصهيوني بشكل ندي متحدي، مما تساهم في اعاقة خروجنا الى مستقبل يمكننا تجاوز الماضوية (خطابا وسلوكا)، لحضور واقعنا وتخطيط مستقبلنا ان كان لوحدنا او بالمشاركة مع الطرف الذي نتصارع معه، وبيننا يوجد عداء وخصام مليء بالآلام، التحديات والمعاناة. حالة المؤقت تطغى على إعاقة تمكين وتطوير ذهنيتنا التخطيطية بالمشاركة في انتاج المكان، وتبقينا في حاله تصارع نحو البقاء والتطور الجمعي والفردي.
تعني حالة المؤقت في هذا السياق نشوء واقع مفروض، غير مرغوب يُؤمَل زواله ويُنتَظر تغييره دون القدرة على تحديد الزمان والمكان لزواله، ودون الاعداد والاستعداد لمرحلة ما بعد زوال وتغيير الواقع لبناء واقع جديد. بعض الناس الذين يعتمدون العقيدة الدينية نجدهم ينتظرون فرج الله ويكثرون من قول سبحان مبدل الأحوال ومُغيرها من حال الى حال دون الاخذ بالأسباب. اخرون يُذوتون ثقافة الفقر والخنوع للواقع ويتعاملون معه كأنه قدر، وبعضهم يلعن الواقع ويتهم مسبباته، راصدا لإسقاطاته، محتجا عليه دون العمل الكافي للاشتباك معه لتغييره آخذا بأسباب التغيير المنظمة والمُمَأسسة، وانجازها بشكل تراكمي، ودون وعي كاف لتسارع عملية التغيير في الظرفية والسياق التي يجري بها. نعي جيدا ان الامر الذي يُمكِن ان ندعي به في سياق هذا المقال ان الامر الثابت هو حقيقة التَغيير والتَغيُّير. هذه الحقيقة يعيشها ويُعايِشها كل واحد منا كفرد، كجمع، كدول وكأمة. وان دارس التاريخ والحاضر لواقعه يشهد على ذلك تصديقا لمقولة "دوام الحال من المحال"، وقوله تعالى: "وتلك الأيام نداولها بين الناس....". وان قدرة الانسان على تبرير التَغيير والتَغيُّير او التأقلم له هي كبيرة، لان الحياة ترفض الجمود والفراغ بها، وان من صفات البشر التبرير والتأقلم ان كان ذلك في حالة تأمين صراع الوجود او تلبية لاحتياجات وطموحات قيمية مادية ورمزية. كما ان عملية التغيير والتَّغَيُّر؛ والتبرير والتأقلم، هي عملية تكاملية تراكمية سياقية، تحدث نتيجة عوامل خارجية ننتظر حدوثها ونُغَيِّب أنفسنا منها وعنها، او اننا نقوم بدور محدود، نحن افرادا ومجموعات، لتشكيل وخلق عوامل داخلية ذاتية تساهم في احداث التغيير لنقلنا من حالة المؤقت غير المساهم في عملية التغيير، الى طرف فَعّال في صياغة وإنتاج حالة التغيير المرغوبة، التي تلبي احتياجاتنا، رغباتنا وطموحاتنا.
ان من يتعامل مع الواقع والمستقبل (فردا كان او جماعة)، بذهنية المؤقت، يطغى على سلوكه حالة من الانتظار وتحديد/ تحييد او حتى تجميد المبادرات لتغير الواقع وتخطيط المستقبل. حالة الانتظار هذه تقلل من قدرة صاحبها على الانتقال من واقع ومكانة المفعول به للفاعل، ومن رد الفعل للفعل ومن المستهلك للمنتج، مما يساهم في بعض الأحيان في التخلف، او اتهام الغير في تنشئة الواقع دون نقد مُحَفِز وباني للذات، وكأنها غير مسؤوله عما يحدث لها. الانكى من ذلك، ان هؤلاء الذين تطغى عليهم ذهنية المؤقت في المجتمع، وهم ليسوا بقلة، ينتقدون وحتى يتهمون بعض المبادرين للخروج من حالة المؤقت، ويعملون متقدمين نحو الحضور والمشاركة الفعالة والندية في انتاج حاضرهم والتخطيط لمستقبلهم، وكأنهم يقبلون الهيمنة في الواقع المفروض ويشرعنون معايشته. هذه الاتهامات غير المبررة، تساهم في خلق جو من التشكيك واشغال المبادِر الفاعل للتغيير في محاولات التصدي لاتهامات اشخاص يدعون انهم يمتلكون الحقيقة، وكأن غيرهم مجانب للصواب ولا يمتلك الحق في الخروج من حالة المؤقت. هذه الحالة المرضية التي أطلق عليها في هذا المقال "حالة المؤقت" اصابتنا نحن المجتمع العربي الفلسطيني في الوطن، كجزء مما اصابنا من حالات مرضية أخرى، واعاقت تطوير ذهنية تخطيطيه تتشابك مع الواقع وتقاوم الظلم والاجحاف في واقع لا تتوفر به قوة متماثلة ومتناظرة، ولا يلتزم بتطبيق منظومة أخلاقية عادلة ونزيهه.
رصدي لغالبية خطابنا وسلوكنا في مجتمعنا العربي الفلسطيني في الوطن المجزأ جيو-سياسا، والذي فرضته حالة الصراع مع الحركة الصهيونية ومع دولة إسرائيل، وحددت لكل مجموعة مكانة مختلفة من حيث التعريف الإداري للمواطنة، رغم ان المجتمع الفلسطيني يسعى لتشكيل هويته الجمعية، على الأقل وجدانيا وثقافيا في الواقع المرتبك. هذا التقسيم الذي فُرِضَ علينا نتيجة لعوامل خارجية، حَوَّلَنا الى ثلاث مجموعات رئيسة لها مكانة وحالة واطار قانوني، اداري، سلوكي وحتى ذهني يحدد سلوكها اليومي، ويَصيغ رؤيتها وأهدافها. المجموعة الأولى تشملنا نحن العرب الفلسطينيين، المواطنون في دولة إسرائيل ونحمل الهوية والجنسية الإسرائيلية، رغم احتلالنا ونكبتنا عام 1948، نسعى الى تحقيق المساواة وتحقيق الحقوق المدنية، وإزالة الغبن وحالة المواطنة المشروطة، ونطالب بتحقيق العدل الانتقالي بالمشاركة والتشارك في دولة إسرائيل وفي وطننا. المجموعة الثانية، هم العرب الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية التي احتلت بعد النكسة؛ هزيمة عام 1967، وهدفهم التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. اما المجموعة الثالثة، فتشمل اللاجئين الفلسطينيين الذين ما زال بعضهم يسكن مخيمات اللجوء المبعثرة في الدول العربية المجاورة (الأردن، سوريا ولبنان على وجه الخصوص)، او خرجوا منها كرها ام طوعا، وهم يعيشون في الشتات في بقاع الأرض، ولكن ما زال حنين العودة للوطن الام، فلسطين، وتطبيق حق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة هو هدفهم ومبتغاهم. رغم التقاطع والتكامل بين المجموعات الثلاثة، الا ان حالة المؤقت وعدم الاستقرار الفردي والجمعي ترافق صياغة خطابهم، لغتهم وروايتهم وتؤثر بشكل مباشر على سلوكهم، قدرتهم واستعدادهم لبرمجة وتخطيط واقعهم ومستقبلهم. كجزء من هذا التقاطع وجود لاجئين هجروا من ديارهم داخل المجموعات الثلاثة. لدينا نحن المواطنين العرب مُهَجرون، نظموا أنفسهم في اطار "مهجرو الداخل"، او حسب تعريفهم بموجب القانون الإسرائيلي "حاضرون غائبون" بعد ان سُلِبَت ديارهم واملاكهم، مع انهم مازالوا يعيشون في الوطن ويحملون الجنسية الاسرائيلية. كذلك هناك مخيمات لجوء في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما ان هناك حالات لجوء في الشتات، جزء منها حدث لمرة ثانية، الأولى بعد طردهم وخروجهم من وطن الام، فلسطين، الى مخيمات اللجوء في الدول العربية، والمرحلة الثانية بعد خروجهم من مخيمات اللجوء نتيجة حروب داخلية، كما يحدث الآن في مخيم اليرموك (سوريا) مع مزيد الأسف.

"تعزيز الحضور والاستعداد للقبول بتسويات تنقلنا من حالة المؤقت المنتظر الى الثابت المستقر"
لا اريد في هذا المقال الموجز ان اتناول عملية الانتظار لإقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وهو مطلب غالب وعابر للمجموعات الثلاثة. فنحن العرب الفلسطينيون مواطني إسرائيل صِغنا شعار "السلام والمساواة". هذا الشعار ربط بين الوطني والمدني، وطرح جديلة وتآزر العلاقة فيما بينهما، حتى أصبحت علاقة شرطية في بعض المفاهيم والسلوكيات. ونظرا لتأخر انجاز إقامة الدولة الفلسطينية، يطرح سؤال: هل نبقى اسيري هذا الشعار وننتظر تحقيقه دون وضع بدائل او صياغة أولويات تمكننا من تطوير حاله تساهم أكثر في إنجازه، من خلال تعزيز الحضور والاستعداد للقبول بتسويات تنقلنا من حالة المؤقت المنتظر الى الثابت المستقر المخطط الباني. هذا يعنى اننا بحاجة الى إعادة تقييم التغيرات والتحولات التي تجري علينا وحولنا ونتعامل معها ليس فقط كمستهلكين ومحتجين، بل كعامل مساهم في تشكيلها ومشاركين في انتاجها.
كجزء من حالة المؤقت التي نعيشها، ونظرا لهذا الأسر المفاهيمى والسلوكي، ما زلنا نستصعب تعريف أنفسنا، من نحن؟ ان كان ذلك انتماء قِيَميا او اجرائيا تقنيا. فعلى سبيل المثال تم نقاش هذا الامر كجزء من التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل عام 2006، حيث رصدنا مسميات أخرى ما زالت دارجة في حالات وسياقات مختلفة مثل؛ "عرب الداخل" "فلسطينيو الداخل" "عرب 48" "عرب إسرائيل" " العرب في إسرائيل" "عرب داخل الخط الأخضر"، الى آخره من المسميات التي شكلت تشكيلة ومصفوفة مكونة من مروحية من التسميات التي تترنح بين عدة مركبات: مركب المكان الجيوسياسي، المركب الوطني الفلسطيني، المركب القومي/ الثقافي العربي، المركب الزماني، المركب الديني الطائفي، المركب العددي (اقلية) ومركب المواطنة الإسرائيلي. عادة ما تحدث نقاشات وخلافات بيننا حول هذا التعريف الاولي وهو "الاسم". لكل واحد منا الحق الأساسي وهو الاسم والعنوان كفرد. اما حالنا (افرادا وجمع) الذي وقعنا فيه مكرهين، ونعايشه متحدين، ما زال دون اسم متفق عليه يعبر عما ننتمي اليه وطنيا، قوميا، دينيا، ثقافيا ومواطنة. لعل التسمية "العرب الفلسطينيون مواطنو إسرائيل"، تم اعتمادها) في وثيقة "التصور المستقبلي"، تُعتبر فريدة نظرا لواقعنا ومكانتنا المُرَكبة، المعقدة والمتشابكة، وهي نتيجة مباشرة لحالة المؤقت التي نعيشها، وحالة الصراع بين الدولة التي نحن مواطنين بها وظائفيا واداريا، وبين شعبنا الذي ننتمي اليه وجدانيا وثقافيا.
ان حسم التوافق على اسمنا وعنواننا الجمعي مازال قضية خلافية بيننا. ربما يدعي من يدعي ان هذا المركب التعريفي الرمزي هو ليس بالأمر المهم او هو ليس بالضرورة في راس سلم أولوية مجتمعنا، وآخرون يدعون خلاف ذلك. السجال بين الفرقاء دائم، يبدأ بالتسمية، حيث يأخذها البعض الى دوائر التطبيع، الخنوع، الاحتواء، الاندماج، فقدان الهوية، او/ والوكالة لعناصر خارجية تسعى الى توظيفنا لمصالحها واجندتها. لا شك ان موضوع تعريف الذات وتحديد الهوية هو مركب مهم للخروج من حالة المؤقت الى حالة المستقر. وان ادراكنا ان واقع مركب يولد تشكيل هوية مُرَكبة على المستوى الفردي والجمعي، وان التعامل مع هذه التعريفات بالمركب الوظائفي البنيوي وتخفيف التَمَرْكُز والتشديد على المركب الرمزي، الانتمائي القيمي، دون غفلانه، تجاهله او نكرانه، ربما يُسعفنا للخروج بتوافق للخروج من أحد مركبات حالة المؤقت. طبعا الامر لا يمكن حسمه بقرار او مقال، بل هو جزء من سيرورة تغيير وتحولات في ذاتنا وما حولنا. مع ذلك فان هذا المركب في حالة المؤقت له أثر على خطابنا وسلوكنا وعلى تطوير ذهنيتنا وادائنا التخطيطي المستقبلي وإدارة شؤوننا على المستويات المختلفة كما سأشير اليها لاحقا بإيجاز في هذا المقال.
ان حالة المؤقت التي نعيشها هي ليست وليدة حالة تخوفات معاناة نفسية مجتمعية في ذاتنا، بل هي نتيجة خطاب وسلوك ممارس ضدنا من قبل الدولة والتي تطرح مخططات وبرامج مزدوجة، تشير الينا كمؤقتين. فنسمع عن خطط وسيناريوهات تسويات جيوسياسية تشمل مثلا إعادة رسم الحدود لإخراج مدينة ام الفحم او بلدات عربية في المثلث من الدولة لنقلها الى الدولة الفلسطينية، بالموازاة تخطط وتبرمج وتعزز دولة إسرائيل الرسمية ومعها الوكالة الصهيونية العالمية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، والتي من المتوقع ان تكون ضمن الدولة الفلسطينية حسب الشرعية الدولية. ولكن إسرائيل الرسمية والحركة الصهيونية لا تتعامل وتسلك مع احتلالها وسيطرتها على هذه الأرض كحالة مؤقتة عمليا، كما يتعامل معها الفلسطينيون، بل تقوم بفرض واقع تراكمي على الأرض يعتمد على خطط طويلة المدى لتعزيز استقرار سيطرتها واحتلالها للأرض ليس فقط عسكريا وجيوسياسا، بل يعزز هذا الاحتلال بإحلال اثني وقومي للمساهمة في التغيير الديموغرافي. بالموازاة تطبق سياسات حصر وتركيز العرب الفلسطينيون في حيزات محدودة والتعامل معهم كمؤقتين. كما اننا نسمع أصوات يهودية صهيونية يمينية حتى في البرلمان الإسرائيلي تصرخ تجاه الاخوة أعضاء البرلمان العرب بالقول "روح من هون"، روح على غزة او سوريا او للسلطة الفلسطينية، وتهدف بذلك اغتيال مواطنتنا. هذه الأصوات الصارخة نسمعها ونشاهدها تمارس بشكل فظ، ضد اقوال ومواقف أعضاء برلمان عرب يحتجون على سياسات الحكومات وادارتها للحيز العام، وكأن أعضاء البرلمان العرب غير شرعيين او هم من درجة ثانية، وليس من حقهم انتقاد وفضح سياسات وممارسات الثابت "الإسرائيلي الصهيوني" بالقول لهم " احذروا أنتم مؤقتين"، ليس من حقكم المشاركة في إدارة الدولة لأنها ليست ملكا لكم، وان الدولة ملك لليهود، ونمن عليكم بمنح مكانة المواطنة المشروطة لكم العرب الفلسطينيون. بالمقابل، طبعا غير المتماثل والمتناظر، نجد أصواتا وأقوالا شعبوبه، تصدر بشكل عفوي او مقصود من قبل اخوة عرب تدعي بان دولة إسرائيل وحتى اليهود بها هم مؤقتين، ويستدلون على ذلك من مصادر تصنف دينية او من مؤشرات هجرة سلبية تترك إسرائيل، او باقتباس بعض الافراد اليهود المحتجين على سياسة الدولة. وفي حالات اخري نسمع اقوالا محبطة عندما نطرح تخطيط مستقبلي للعرب او حتى لبلدة عربية، مثل: " لا تغلبوا أنفسكم، الدولة تخطط لطردنا او تمارس ضدنا سياسات نقل سكاني- ترانسفير". هذه الاقوال تُعَبِر عن حالة المؤقت وعدم الاستقرار، حتى ولو انها مخالفة للواقع المعاش الذي يمارسه الافراد يوميا والخطاب العام والرسمي. ولكن وجوده في حلقات متعددة وعلى مستويات مختلفة ينغص ويدخل معيقات ذهنية تشكك في الاستقرار المستقبلي والرغبة في إنتاج المكان الذي نعيشه، خاصة لدى العرب الذين ما زالوا يعانون من آلام النكبة وسياسات الحصار والاسر الحيزي الفردي والجمعي، وتمارس ضدهم سياسات مميزة سلبيا تقلص فرص التنمية والحراك الحيزي، الوظائفي والبنيوي.
هكذا فان علاقة الدولة، بشكل مباشر او غير مباشر مع مواطنيها العرب، وعلاقة المواطنين العرب مع الدولة على أسس حالة المؤقت، هي علاقة اقل ما يقال عنها انها غير صحية ومفتاح لواقع صدامي هدام. صحيح ان الدولة الرسمية تتعامل معنا كمواطنين بشكل رسمي، كذلك نحن نتعامل مع الدول كمواطنين، ولكن مازالت استحقاقات المواطنة منقوصة. سلوك وتعامل الدولة او افراد ممثلين بها ولها معنا نحن العرب كمؤقتين مستهترين في حقنا في المواطنة والحقوق المكتسبة منها تجد لها تعبيرا واضحا في نظام الأراضي، سياسات التخطيط وهدم المباني وعدم الاعتراف بقرى واحياء عربية قائمة.  كما ان إعاقة منح المساواة الكاملة بين الموطنين عمليا، ورفض إقرار قانون المساواة كقانون أساس في الدولة بين مواطنيها، واستمرار سن قوانين وتحقيق ممارسات لتُغَلب الطابع الرمزي والقيمي اليهودي، هي مؤشرات ورسائل للمواطنين العرب، تؤكد لبعضهم ان الدولة تتعامل معهم كمؤقتين. من جهة اخرى يخلق هذا الواقع تخوفات لدى المواطنين العرب من حالة المؤقت، خاصة في ظرفية عدم الاستقرار والصراعات المحيطة بنا والتي تؤثر علينا بشكل مباشر وغير مباشر.                     
تؤثر حالة المؤقت هذه على ذهنية، فكر وممارسة التخطيط المستقبلي. لان التخطيط يحاول رسم وإنتاج صورة المستقبل المطلوبة والمرغوبة. وان التخطيط هو تعبير عن فكر المستقر المُمَأسس والمستعد للتغيير، بل يحدد آفاقه ومعالمه. وهي حالة مغايرة لحالة المؤقت. وهكذا نجد ان الفكر الصهيوني يُمارس عملية التخطيط والبرمجة قبل قيام الدولة، مستخدما أسلوب التخطيط المبادر التصاعدي (من تحت لفوق) ومُسخرا مؤسسات الحكم الفعالة لصالحه. بعد إقامة الدولة استمر هذا الفكر الصهيوني بالنهج التخطيطي، مستخدما قوة وموارد الدولة للمبادرة لتخطيط تنازلي (من فوق لتحت) وفرضة لإنتاج الحيز وصياغته، بما في ذلك استخدام التخطيط الحضري والإقليمي لمحاصرة العرب والاستيلاء على الأرض. بينما واجه العرب هذا الواقع بالتنديد والشجب والنقد والاحتجاج، وفي بعض الأحيان بالمقاومة، دون ان يطرحوا مشروع مخطط بديل معد بشكل منهجي يتبنونه ويسعون لإنتاجه. الدولة أيضا لم تمنحهم القوة والصلاحية لإعداد مخططات محليه وتعاملت معهم كمؤقتين في ظل الحكم العسكري الذي فرض عليهم. ورغم مَدْيَّنة هذا الحكم العسكري عام 1966 بعد ابطاله، الا آثار علاقة المؤقت بين دولة إسرائيل والعرب ما زالت مستمرة بأشكال، وبأدوات وظرفيات مختلفة، محققة لأهداف الدولة لاحتواء العرب ودمجهم بموجب اجندتها المخططة، مستخدمة التخطيط كأداة سيطرة، مُحِدْ ومُحَدِد لتطوير الذهنية والسلوك التخطيطي لديهم. قلة هم الذين بادروا من بيننا نحن العرب لإعداد مخططات بديلة تعتمد منهجية ونتاج تخطيطي واضح. هذا الواقع ما زالت سماته موجودة حتى اليوم. فدراستنا لواقع المخططات الهيكلية في 134 بلدة عربية معترف بها، كشفت ان ليس من قبيل الصدفة ان 75.4% (101 بلدة) من المخططات الهيكلية المعدة او في طور الاعداد عام   2017 للبلدات العربية بودر لها ويتابع تصديقها مسؤولين من الحكم المركزي وغالبيتهم المطلقة هم يهود. ومن متابعه ومشاركة شخصية في اعداد، إقرار مخططات، الاعتراض عليها وتقديم مخططات بديلة، يمكن ان اشير ان خطاب وسلوك المؤقت يشكل سبب في المشاركة المحدودة واخذ المسؤولية على التخطيط الهيكلي. حتى ان بعض رؤساء السلطات المحلية توجهه الى الدولة لتقوم بإعداد مخطط هيكلي لبلدة لأنه يعجز عن ذلك لأسباب لا اريد استعراضها في هذا المقال. رغم ان ممثلي السلطة المركزية يدعون وينتقدون المشاركة المحدودة للعرب في تخطيط الحيز لفظيا، ولكن لا يصيغون سياسة وادوات إنجازيه كافية لتامين المشاركة الفعالة والفاعلة، ويرصدون موارد لخلق حضور عربي كاف في انتاج الفكر والمماسة التخطيطية، من منطلق ان العرب هم جزء من النسيج، المشهد والحيز العام. بالموازاة، ما زال بعض العرب يتحفظ من وعلى المشاركة مبررين ذلك بذرائع وحجج مردها الى حالة المؤقت في تقيمي المتواضع.

"لكي نطور الذهنية والفكر التخطيطي لدينا، لا بد من خروجنا من حالة المؤقت"
يشكل التخطيط بشكل عام، بما في ذلك التخطيط الحضري مركب من المشروع الحداثي الغربي، وتم تصديره الينا نحن العرب الفلسطينيين الذين نميل لنكون مجتمع شرقي تقليدي. هذا المشروع، بما في ذلك التخطيط يشمل مركبات هيمنة، تُغَلِبْ الصالح العام على الخاص، ومصلحة الدولة العامة على مصلحة المواطن او فئات مجتمعية به. وفي حالات الصراع، كما هو حالنا، يستخدم التخطيط كجزء من مصفوفة منظومة الضبط التي تمارسها الدولة للسيطرة على المجتمعات الضعيفة والأقليات. وان حالة المؤقت تساهم بشكل غير مباشر في تحقيق اهداف التخطيط المؤسساتي من جهة، وتضعف الذهنية والممارسة التخطيطية من جهة اخرى، رغم حاجتنا نحن العرب للاشتباك معها وصد الظلم والعدوان الذي يرافق عملية التخطيط ونتاجها.
صحيح ان هناك تطور وتغيير في سياسات وأدوات التخطيط التي ترافق عملية الإصلاحات في جهاز التخطيط الرسمي والتوجيهي في العقد الاخير. هذه الإصلاحات تفتح فرص للمبادرات التخطيطية المحلية الفردية والجمعية، ومعها تطوير الذهنية والممارسة التخطيطية لإنتاج حيزنا بما يلبي احتياجاتنا. لكي نطور الذهنية والفكر التخطيطي لدينا، لا بد من خروجنا من حالة المؤقت. كجزء من هذا الخروج تقع علينا مسؤولية اخذ حق المواطنة بجدية والتعامل مع استحقاقاتها، اخذين بعين الاعتبار خصوصيتنا التي نشأنا بها ونعيشها، غير غافلين او متجاهلين للفروقات، التفريقات وصور التمييز التي تمارسها الدولة مستخدمه قوة الدولة في توزيع الموارد التي لنا حق بها كجزء من حقنا في الخير العام.  بقاؤنا في حالة المؤقت، تدفعنا لان نتصرف كما لو كنا مستأجرين غير محميين مع اننا أصحاب البيت. ولكن خطاب وسلوك البعض منا بحالة المؤقت الماضوي، جعلته يتبنى ويذوت ما هُندسنا عليه (مكرهين او غير مدركين) من قبل الفكر والسلوك الصهيوني لإقصائنا من التخطيط، لكي نكون عمليا كأننا ضيوف مؤقتين في الوطن. حالة المؤقت التي تخالف وتناقض الفكر والعقيدة الوطنية الدينية القيَمِيه التي ننتمي اليها حسب رأيي، تساهم في تحييدنا بشكل مبرمج عن تطوير تخطيط حاضرنا ومستقبلنا، وتساهم في ابقاء ثقافة مترهلة، مُتَهِمة ومُتَهَمة غير مسؤولة، تدعي انها تحمل مشروع نهضوي لبناء امتنا في وطننا، هل هذا ممكن؟!. ان تحولنا نحن العرب من جيل مغلوب هزم في الحرب الى جيل مسالم، وبعضة مُسافط حتى متنازل ليصارع البقاء، وحاليا يتطور لدينا جيل فخور وشامخ، يفتش عن تحقيق ذاته بالمشاركة، واخذ مستحقات المواطنة الحقه والمسؤولة، يتطلب منا إعادة التفكير في حالة المؤقت والتفتيش عن بدائل للخروج منها. هذا الجيل تقع علية مسؤولية الخروج من خطاب وسلوك حالة المؤقت، وتطوير أدائية وأدواته لتتناسب مع تنمية حاضرة وتخطيط مستقبلة كمجتمع مستقر ومستدام، صانع لمشروع نهضوي عام بالمشاركة.   
 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق