اغلاق

غريب.. د. اسامة مصاروة

الفصل‭ ‬الأول المشهد‭ ‬الأول(شقــــران رئيس حكومة ‭"‬همليكا‭"‬, رجل في أواخر الخمسينات من عمره, متوسط القامة يميل إلى السمنة قليلًا, ذو ملامح


د. اسامة مصاروة

أوروبية تحسّ أنه يعرج في مشيته وهو ليس بالأعرج. يجلس شقـــران في مكتبه الخاص في بيته البيضوي والمطّل على البحر. طاولة الماهوجني الضخمة والتي على شكل زاوية قائمة تترأس الغرفة ومن خلفها شبّاك واسع يطلّ على زرقة البحر وأمّامها عدد من الكراسي الفخمة لكنّها أقلّ ارتفاعًا وفخامة من الكرسي التي يجلس عليها شقــران نفسه. على الحائط المقابل لطاولة المكتب صورة لشقـران كبيرة الحجم يُكثر النظر إليها بحبّ وعشق. أثاث فخم وجديد يملأ أرض المكتب. أمّا الستائر فبيضاء اللون تمتد على جوانبها خطوط زرقاء.
الساعة العاشرة صباحًا وشقران ببنطال أسود وقميص أبيض يتحدث إلى مستشاره الخاص وهو رجل سمين قصير القامة ضخم الرأس يبدو كأنه رُكّب على كتفيه إذ لا تُرى رقبته)
شقــــــــــــــــــران: ينتقد الجميع سياستي داخليًا وخارجيًا لكنّني أعرف كيف أخرسهم جميعًا.
المستشـــــــــــار: كيف ستخرس وسائل الإعلام أو المعارضة على سبيل المثال يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: سأضرب الجميع بحجر واحد سأفتح جبهة جديدة.
المستشـــــــــــار: كيف يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: سأفعل ما كان غيري يفعله عندما كان يواجه أزمة سياسية أو إجتماعية أو اقتصادية قد تعصف بمركزه. 
المستشـــــــــــار: بمعنى؟
شقــــــــــــــــــران: سأنتظر الفرصة المواتية لشنّ حرب جديدة على برعيليا. لا يوحِّد شعبنا إلّا الحرب ضد أعدائنا خاصة البرعيليين. لذلك عليك استدعاء القائد العام للجيش حتى نضع الخطة المناسبة لذلك.  
المستشـــــــــــار: سأدعوه يا سيّدي لكن لدي سؤال إن أذنت لي.
شقــــــــــــــــــران: تفضل.
المستشـــــــــــار: متى تنوي شنّ حرب جديدة؟
شقــــــــــــــــــران: متى تتوفر لنا الذريعة لذلك.
المستشـــــــــــار: قد لا تكون كافية لشنّ حرب جديدة. لا تنس يا سيّدي أنّنا ما زلنا نواجه النتائج السيئة للحرب الأخيرة.     
شقــــــــــــــــــران: لم أنس ومع ذلك سأشنّ الحرب لأتفه الأسباب فجميع استطلاعات الرأي العام في همليكا ليست في صالحي ثم أنّنا نخلق الذرائع متى نشاء, أليس كذلك؟
 المستشـــــــــــار: أجل يا سيّدي طالما يظلّ الصراع قائمًا تظلّ الذرائع متوفرة أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: سوف أشنّ عليهم حربًا ضروسًا أُخرس بها خصومي السياسيّين في الداخل على الأقل.
المستشـــــــــــار: والعالم يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لديّ كلمة السر المناسبة لإسكاته.
المستشـــــــــــار: ما هي يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: الإرهاب.
المستشـــــــــــار: إرهابنا يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: لمِ تقول ذلك؟
المستشـــــــــــار: لأنّنا نمارس عليهم الإرهاب منذ عقود والعالم كلّه يعرف ذلك.
المستشـــــــــــار: العالم منشغل الآن بمواجهة إرهاب من نوع جديد وعلينا استغلال ذلك.
المستشـــــــــــار: أليس لنا يد في صنعه يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: الغاية تبرّر الوسيلة أليس كذلك؟
المستشـــــــــــار: أجل يا سيّدي لكنّ الإرهاب قد ينفجر في وجوهنا.
شقــــــــــــــــــران: حاليًا ينفجر في وجوه غيرنا. على كلِّ حال دعنا من هذا الحديث. هناك أمّران علينا الاهتمام بهما.
المستشـــــــــــار: ما هما يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: الأول وهو الأهم موضوع أثاث منزلنا وبالذات مكتبي هذا.
المستشـــــــــــار: لقد وضعت الأثاث الجديد في جميع غرف المنزل أمّس ومكتبك كما ترى يضاهي مكاتب الملوك أنفسهم. أمّا الأثاث القديم فقد نقلناه إلى مقركم الرسميّ. أين المشكلة إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: أريدك أن تنهي هذا المسألة مع الإعلام الذي يعد أنفاسي ويحسدني عليها.
المستشـــــــــــار: اعتبر المسألة منتهية يا سيّدي. ما المشكلة الثانية والأقل أهميّة؟
شقــــــــــــــــــران: مسألة السلام بين همليكا وربليكا.
المستشـــــــــــار: المفاوضات مجمّدة فالسلام مجمّد هو الآخر يا سيّدي. لا أرى أيّة مشكلة هنا أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: علينا أن نكثّف ظهورنا في وسائل الإعلام المختلفة ونحمّل السلطة الربليكيّة مسؤولية إيقاف المفاوضات خاصة بعد أن قررت شنّ حرب جديدة ستكون الحرب الأخيرة ضد ربليكا.
المستشـــــــــــار: لكنّنا المسؤولون عن إيقاف المفاوضات يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أعرف ذلك لكن علينا أن نفهّم العالم أنهم المسؤولون. هل تفهمني؟
المستشـــــــــــار: طبعاً يا سيّدي من مثلي يفهمك. المهم أن يصدقونا وأنا أشك في ذلك. نحن        الوحيدون الذين نصدق أنفسنا أليس كذلك؟
شقــــــــــــــــــران: مع ذلك سأننتظر الفرصة المواتية لضرب ربليكا الضربة القاصمة التي من بعدها لن تقوم لها أيّة قائمة. أرجو ألاّ نضطّر إلى الإنتظار طويلًا.
المستشـــــــــــار: يبدو يا سيّدي أنّك نسيت أمّر برعيليا.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تقصد؟
المستشـــــــــــار: ألا يثير هجومك على ربليكا غضبهم؟
شقــــــــــــــــــران: غضب من؟
المستشـــــــــــار: غضب الدول البرعيليّة يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أضحكتني أيّها المستشـار.
المستشـــــــــــار: لماذا يا سيّدي؟ لم أقل نكتة حتى أُضحِكك.
شقــــــــــــــــــران: طبعًا قلت نكتة بل وسخيفة أيضًا.
المستشـــــــــــار: كيف يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: من مثلك يعرف أنّنا على علاقات حميمة مع معظم الدول البرعيليّة. صحيح أنّها علاقات من وراء الكواليس لكنّها علاقات قويّة بل وأقوى من علاقاتها مع بعضها بعضًا. ولا أخفي عليك سرًا إن قلت إنّهم بحاجة لنا أكثر من حاجتنا إليهم.
المستشـــــــــــار: كيف يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: كيف؟ كيف؟ ألا تتوقف عن تكرار هذا السؤال فأنت تعرف الإجابة ليس فقط على هذا السؤال بل على جميع الأسئلة التي تخصّنا. مع ذلك سأخبرك. ألا يحتاجوننا للحفاظ على سلطانهم؟
المستشـــــــــــار: أجل يا سيّدي لكن بصورة غير مباشرة.
شقــــــــــــــــــران: مباشرة أمّ غير مباشرة، هذا لا يعنيهم بشيء. المهم عندهم الحفاظ على أنظمة حكمهم.
المستشـــــــــــار: الفاسدة يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لو لم تكن فاسدة لما احتاجونا.
المستشـــــــــــار: لكنّهم يحتاجون إلى غمليكا أكثر ممّا يحتاجوننا.
شقــــــــــــــــــران: وهل سترضى غمليكا عنهم أو تدافع عنهم إن نرفض ذلك.
المستشـــــــــــار: أجل، يا سيّدي. الطريق إلى غمليكا يبدأ من همليكا.
شقــــــــــــــــــران: ثمّ هم الآن منشغلون بالإرهاب الهلالي.
المستشـــــــــــار: هو كغيره من صنعنا وصنع أصدقائنا. ألا تخاف يا سيّدي أن ينقلب السحر على الساحر؟
شقــــــــــــــــــران: ليس على كل ساحر.
المستشـــــــــــار: لكن هذا ممكن وقد حدث من قبل وأنت تعرف ذلك.
شقــــــــــــــــــران: اطمئن لن يحدث هذا لنا فهم يحتاجوننا. وحتى لا تسألني كيف؟ هم يحتاجون دعمنا من وراء الكواليس طبعًا بالإضافة إلى معالجة جرحاهم والأهم من ذلك دعمهم عسكريًا.
المستشـــــــــــار: من خلال قصفنا لمواقع أعدائهم، أليس كذلك؟
شقــــــــــــــــــران: عدوّ عدوّي صديقي، أيّها المستشـار.
المستشـــــــــــار: أجل يا سيّدي. بالمناسبة لقد دعاك رئيس التايجر لزيارة بلاده. هل ستقبل الدعوة؟   
شقــــــــــــــــــران: لا نواجه أيّ صراع سياسي في الأمّم المهترئة هذه الأيام. لذلك لا نحتاج إلى        صوت دولته حاليًا. ثمّ إذا أراد مساعدة ما من غمليكا ليطلّبها منهم مباشرة.
المستشـــــــــــار: صدقت يا سيّدي. أصبح كل من يحتاج مساعدتها يطلّب ودّنا. عندي سؤال         آخر يا سيّدي: هل أخبرت المرأة الحديديّة بالموضوع؟
شقــــــــــــــــــران: موضوع الحرب؟ لا لم أخبر تـارا بعد.
(تدخل تــــارا من باب جانبي مرتدية قميصًا بنفسجيًا مفتوح الصدر وبنطالًا أبيض ضيقًا. وتـارا هذه زوجة رئيس الحكومة شقــــــــــــــــــران إمرأة من أصول أوروبية قصيرة نوعًا ما وممتلئة الجسم على غير سمنة. ملامحها قاسية كطريقة حديثها فهي بخيلة المجاملة مسرفة في الملابس)
تــــــــــــــــــــــــارا: من يصفني بالمرأة الحديديّة؟
شقــــــــــــــــــران: (يرفع إحدى الصحف المتناثرة على طاولة مكتبه) لا أحد مجرد إشاعات في الصحف. أنت تعرفين الصحفيين. دائما يبحثون عن إثارة. (للمستشار) يمكنك العودة إلى مكتبك ولا تنس أن تتصل بالقائد العام للجيش وتطلب منه الحضور إلى مكتبي. (قبل أن يخرج المستشار) تذكرت اتصل أيضًا برئيس تايجر واشكره على دعوته وأخبره أنّنا سنعيّن لاحقًا موعدًا للزيارة. هذا ما ينقصني أن أزور دولة متخلفة وفقيرة ومضطربة.   
تــــــــــــــــــــــــارا: هل جننت؟ لا أريد السفر إلى هناك.
شقــــــــــــــــــران: لن نسافر إلى هناك يا تــــارا. لا أعتقد أنك أتيت إليَّ بدافع الشوق والحنين.
تــــــــــــــــــــــــارا: لديّ موضوعان: الأول وهو الأهم موضوع الأثاث.
شقــــــــــــــــــران: موضوع الأثاث انتهينا منه كما ترين. علينا فقط إسكات الحملات الإعلامية الثائرة بشأنها. والآن ما هو الأمّر الثاني؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (تضع بين يديه عددًا من الأوراق) وقّع على هذا التعيينات.
شقــــــــــــــــــران: (محتجًا) تعيينات أخرى! بالأمّس فقط وقعت على خمس منها.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل تريد انتخابك لفترة أخرى؟
شقــــــــــــــــــران: بالتأكيد.
تــــــــــــــــــــــــارا: إذاً وقّع ولا تتكلم, ألا تعرف أنّ كل ما أفعله يصبّ في مصلحتنا.
شقــــــــــــــــــران: هاتي التعيينات لأوقّعها إذًا. (ينظر قليلًا إليها ثم يوقّعها) تعيينات دبلوماسيّة. أليس هذا من اختصاص وزير الخارجيّة؟
تــــــــــــــــــــــــارا: حتى يعيّن من يستفيد منهم!؟ نحن أولى بالإستفادة منهم أليس كذلك؟
شقــــــــــــــــــران: بالتأكيد. لم نخرج بعد من فضائح تعييناته الشخصيّة.
تــــــــــــــــــــــــارا: ليس هذا فحسب بل يهاجمك ليل نهار. أيّ وزير خارجية يهاجم رئيس حكومته؟ لا أفهم لماذا تُبقيه في منصبه؟
شقــــــــــــــــــران: أكل كثيرًا فسمن كثيرًا. لكن كما يقول المثل الشعبي كلّ سمين يأتي يومه.
تــــــــــــــــــــــــارا: كلّ سمين!؟ ليس هذا ما يقوله المثل الشعبي بل...
شقــــــــــــــــــران: (مقاطعاً) أعرف, أعرف, وأعرف أن للحيطان آذان Walls Have Ears.
تــــــــــــــــــــــــارا: أعرف أنك تجيد الإنجليزية وتفتخر بذلك بل وتستغلّ ذلك لكنّك جبان.
شقــــــــــــــــــران: جبان جبان المهم أن أبقى في السلطة.
تــــــــــــــــــــــــارا: كن جبانا إذًا. لا تضيّع وقتي. هات التعيينات. لديّ أشغال كثيرة عليّ القيام بها. إيّاك أن تتخذ قرارًا بدوني. بالمناسبة ما رأيك بأن نسافر إلى غمليكا.
شقــــــــــــــــــران: لقد كنا هناك قبل اسبوعين.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما زلت أذكر تلك السهرة الرائعة.
شقــــــــــــــــــران: ما زلت أذكر الازدحام الذي سببناه هناك والذي أغضب الأهالي كثيرًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: ليذهبوا إلى الجحيم. كانت إجازة جميلة خاصة النجوم الذين قابلناهم.
شقــــــــــــــــــران: أجل كانت إجازة جميلة وسهرة رائعة والأهم ليست على نفقتنا الخاصة, فقد طلبتُ منهم تنظيم محاضرتين لتسديد النفقات.
تــــــــــــــــــــــــارا: هذا ما جعلها رائعة جدا.
(تخرج تـارا من الباب الجانبي ويدخل السكرتيــر من الباب الرئيس وهو رجل طويل القامة نسبيًا ذو شعر قصير أبيض في معظمه. خطاه سريعة ومتقاربة كطائر الحجل. عيناه ضيقتان وحاجباه متواصلان)
السكرتيــــــــــــر: الصحفيون في انتظارك يا سيّدي. هل أدخلهم الآن؟
شقــــــــــــــــــران: كم أكره مقابلتهم.
السكرتيــــــــــــر: لكنك تحبّ الظهور في وسائل الإعلام يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: الصديقة فقط. هيّا أدخلهم.
(يدخل عدد من الصحفيّين ويطلّب السكرتيـر منهم الجلوس)
صحفـــــي أول: سيّدي رئيس الحكومة لقد تمّ انتخابك للمرّة الثالثة لرئاسة الحكومة, لمَ تعزو ذلك؟
شقــــــــــــــــــران:أعزو ذلك لإدارتي الحكيمة التي يؤيدها الشعب، وانتخابي للمرّة الثالثة برهان قاطع على ذلك ولا أعتقد أنها ستكون الأخيرة. 
صحفـــــي أول: ما رأيك أن يصبح نظام حكمنا ملكياً؟
شقــــــــــــــــــران: أليس هذا أفضل من أن تُجرى انتخابات كل سنتين وربما أقل؟
صحفـــــي أول: يمكنك تقديم مشروع لسنّ قانون بهذا الخصوص يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: المهم أن يكون في همليكا نظام حكم مستقر يستطيع الملك من خلاله اتخاذ قرارات حاسمة دون اللجوء إلى موافقة برلمان أو مجلس شيوخ.
صحفـــــي أول: لقد شغلت منصب الملك بدون منازع حتى الآن. مع ذلك ما زال الصراع بيننا وبين جيراننا قائمًا. ألا يدلّ ذلك على عدم قيامك بأيّة مبادرة فعليّة وصادقة منذ فترة حكمك الأولى؟
شقــــــــــــــــــران: قدمت مبادرات كثيرة لم أجد لها شريكًا مناسبًا.
صحفـــــي أول: قصدك من يركع أمّام جلالتك.
شقــــــــــــــــــران: وهل ركوعه عيب أيّها الصحفيّ؟
صحفـــــي أول: يبدو أن نبوءة طبل-مان بأنّ السلام لن يتحقّق حتى بعد مرور جيل أو جيلين قد تحقّق نفسها. ما سبب سلبيتك يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: هذه ليست سلبيّة وإنمّا تكتيك.
صحفـــــي أول: للبقاء في السلطة.
شقــــــــــــــــــران: بل من أجل مراقبة العدو وأفعاله.
صحفـــــي أول: الحكمة أن تتحرك يا سيّدي وأن تتخذ خطوة إيجابيّة لحلّ الصراع.
شقــــــــــــــــــران: أنا أعمل جاهدًا على ‭"‬حلّه‭"‬ وسوف ترى النتائج أقرب مما تتوقع.
صحفيّ ثــــــان: كيف يا سيّدي. الصراع مازال قائمًا منذ عقود ولا نرى لك أيّ تحرك لحلّه؟
شقــــــــــــــــــران: لا تقلق فالحلّ موجود وسوف نبدأ قريبًا بتنفيذه.
صحفيّ ثــــــان: مالذي يجعلك متفائلًا هكذا؟
شقــــــــــــــــــران: لأنه نفس الحلّ الذي سيعلن عنه رئيس غمليكا الجديد.
السكرتيــــــــــــر: فعلا سيكون انتخابه المفاجأة المدوّيّة للعالم بأسره. لكن على ماذا تعوّل يا سيّدي؟      
صحفيّ ثــــــان: أتقصد ذلك الحل الذي بدأنا نسمع به مؤخرًا والمعروف بصفعة القرن أو طبخة القرن؟
شقــــــــــــــــــران: (ضاحكًا ملء شدقيّه) أليست السياسة شكل من أشكال الصفعات أو الطبخات. ألا نقول المطبخ العسكريّ، الإقتصاديّ، السياسيّ... إلخ. ههههه.
صحفيّ ثــــــان: لم أسمع إلا بالمطبخ العسكريّ الذي يطبخ لنا نفس الطبخة دائمًا والتي تسمم كلّ واحد في همليكا وتؤدي إلى موت الكثيرين منهم.
شقــــــــــــــــــران: لا لا طبخاتي لا تسمّم أحدًا بل فيه الشفاء.
صحفيّ ثــــــان: أتقصد لك يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: لي. لنا. وهل هناك فرق.
صحفيّ ثــــــان: يفسّر الناس هذا كتهرّب من الحديث عن الحلّ النهائي للصراع الذي يتطلب بالتالي الاتفاق على الحدود النهائيّة لكل دولة.
شقــــــــــــــــــران: دعهم يفسّرون.
صحفيّ ثــــــان: ألاّ تعتقد أن التهرّب من المفاوضات أو وضع شروط تعجيزية أمّام الطرف الثاني سيعمق الصراع ويدفع بالمنطقة إلى أتون حرب جديدة نعرف كيف تبدأ ولا نعرف كيف تنتهي؟
شقــــــــــــــــــران: ما العمل إذا كان هذا قدرنا.
صحفيّ ثــــــان: لقد منع الإستيطان المكثّف الوصول إلى أيّة اتفاقية سلام, لماذا إذًا تكثفها أكثر فأكثر؟
شقــــــــــــــــــران: هذه بلادنا ولنا الحقّ في الإستيطان في جميع أرجائها.
صحفيّ ثــــــان: كيف ترى إذًا حلّ الدولتين؟
شقــــــــــــــــــران: قلتُ لك سترى ذلك قريبًا, بل وأقرب مما تتصوّر.
صحفيّ ثــــــان: أنت تعرف أن الطرف الثاني لن يجلس إلى طاولة المفاوضات وأنت مستمرّ بمصادرة أراضيهم وتكثيف الإستيطان فيها وطرد الربليكيين من مناطق سكناهم إلى مناطق أخرى.
شقــــــــــــــــــران: لن تكون حاجة إلى جلوسهم قريبًا.
صحفيّ ثــــــان: هل فسّرت لنا سبب هذا التفاؤل, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هناك سبب وجيه للتفاؤل لا أستطيع الكشف عنه حاليًا لكنّك ستعرفه قريبًا.               
صحفيّ ثــــــان:: ألا تعتقد أن ما تقوم به في الأراضي المحتلة سيثير الرأي الدوليّ ضدّنا.
شقــــــــــــــــــران: لا أبالي بالرأي الدولي إطلاقًا. مصلحة همليكا فوق كلً اعتبار.
صحفيّ ثــــــان: يبدو أنّ مصلحة همليكا أصبحت مرادفة لمصلحتك, أليس كذلك؟
شقــــــــــــــــــران: أنت تقول ذلك.
صحفيّ ثــــــان: ألا تعتقد أن السلام يجب أن يكون مصلحة لنا قبل أن يكون مصلحة لهم؟
شقــــــــــــــــــران: قلت لك مصلحة همليكا تأتي فوق وقبل أيّة مصلحة.
صحفيّ ثــــــان: حتى لو جاءت على حساب شعب آخر.
شقــــــــــــــــــران: حتى لو جاءت على حساب العالم كلّه.
صحفيّ ثــــــان: كيف؟
شقــــــــــــــــــران: هل اهتم العالم بنا ونحن في جهنّم.
صحفي ثالث: طالما ذكرت ذلك, ماذا قدّمت للناجين منها؟
شقــــــــــــــــــران: قدّمنا لهم كل عون حتى يعيشوا بقية حياتهم بكرامة.
صحفي ثالث: ما نعلمه أنّ جميعهم يعانون من الفقر والمرض والجوع ولا يجدون المال لشراء ما يحتاجونه من أدوية.
شقــــــــــــــــــران: هذا محض افتراء. ليس هناك أيّ ناج يعاني مما ذكرته.
صحفي ثالث: أتعرف لماذا؟
شقــــــــــــــــــران: طبعًا أعرف, لأنّني أعطيت توجيهاتي لجميع المؤسسات المعنيّة بالاهتمام بهم.
صحفي ثالث: هناك حقيقة أخرى مغايرة لما تقوله, ربما لم تتطلع عليها.
شقــــــــــــــــــران: ما هي؟
صحفي ثالث: لقد بقي منهم نفر قليل ما زالت أمّوال التعويضات تدفع لهم لكنّها تنهب وتسرق وتدخل جيوبًا خاصة..
شقــــــــــــــــــران: هذا ليس صحيحًا, إفحص مصادرك.
(يُسمع صوت هيجان في الخارج وتدخل تــارا غاضبة)
تــــــــــــــــــــــــارا: أين الحرّاس؟ أين هم؟ ليذهبوا ويرسلوا أولئك الغوغائيين إلى الجحيم.
شقــــــــــــــــــران: ما الذي يحدث في الخارج, يا تارا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أعرف, اذهب واطردهم من أمّام بيتنا حتى لا يزعجوا جيراننا الجدد الّذين جاءوا لزيارتنا.
شقــــــــــــــــــران: أتقصدين جيراننا أصحاب الحنفيّات الذهبيّة؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أجل, هم, يا شقـران, وسوف أذهب معهم بعد انتهاء الزيارة حتى أرى بنفسي تلك الحنفيّات. من العار أن تكون حنفيّاتهم من ذهب وحنفيّاتنا غير ذلك.
شقــــــــــــــــــران: لا بأس, يمكننا تغييرها من الميزانيّة الجديدة التي سأقترحها, هذا إذا لم يسنّ القانون الذي أنوي تقديمه للبرلمان.
تــــــــــــــــــــــــارا: أتتّخذ قرارات بدون استشارتي, يا شقران؟ ألم تتعلم بعد؟
شقــــــــــــــــــران: لا, لا, هو نفس المشروع الذي عرضته عليّ عندما زرنا قصر ‭"‬باكنغهام‭"‬, هل تتذكرين؟
(يدخل بعض الحرّاس)
الحارس الأول: سيّدي, في الخارج مجموعة من الفقراء يطالبونك بتأمّين الطعام لهم.
شقــــــــــــــــــران: هل أنا صاحب مطعم, أنا ملك, أقصد رئيس حكومة.
تــــــــــــــــــــــــارا: ماذا يريدون, أيّها الحارس؟
الحارس الأول: يقولون إنّهم جياع ولا يجدون ما يأكلونه بعد أن انخفضت مخصصاتهم وزادت الضرائب وارتفعت الأسعار.
شقــــــــــــــــــران: هذه إجراءات لا بدّ من اتخاذها, وهي من أجل حمايتهم من الأعداء.
الحارس الأول: يقولون لا نريد حروبًا بل خبزًا.
شقــــــــــــــــــران: قل لهم لا خبز بدون حرب.
تــــــــــــــــــــــــارا: انتظر, أيّها الحارس, ليس عندي وقت لمثل هذا النقاش, هيّا اتبعني.
الحارس الأول: إلى أين, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: إلى المطبخ ففيه الكثير الكثير من الكعك, هيّا اتبعني وأنتم أيها الحرّاس اتبعوني أيضًا واحملوا من الكعك كلّ ما تستطيعون حمله ووزعوها على الجياع في الخارج.
الحارس الأول: حاضر, يا سيّدتي.
شقــــــــــــــــــران: إذا لم يبق لديكم أسئلة أخرى, أيّها السادة...
صحفي رابع: ماذا تقول, يا سيّدي, للأزواج الشابة الذين وعدتهم منذ فترة حكمك الأولى بتأمّين شقق لهم وتخفيض أسعارها وحتى الآن لم تف بوعدك, الأمّر الذي أجبر الكثيرين منهم على مغادرة البلاد, بينما جيراننا الربليكيين يريدون العودة إلى قراهم ومدنهم ولا يُسمح لهم بذلك، بل ونقتل يوميًا العديد منهم لأنّهم يعبّرون عن حلمهم هذا.
شقــــــــــــــــــران: نحن عدنا إلى وطننا الذي وعدنا اللّه به. إذا لم يعدهم اللّه به فهذه مشكلة بينهم وبينه. أمّّا بالنسبة للشباب فالدولة في حالة حرب مستمرّة ولا تستطيع النزول عند رغبة هذا أو ذاك. الجميع من أجل الدولة.
صحفي رابع: والدولة من أجلكم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أنت تقول ذلك.
(يُسمع صوت الهيجان في الخارج مرّة أخرى. يدخل الحارس من باب وتـارا من باب آخر)
تــــــــــــــــــــــــارا: ألم توزعوا الكعك عليهم كما أمّرتكم, أيّها الحرّاس؟
الحارس الأول: أجل, يا سيّدتي, لكنّهم رفضوا تناول الكعك, بل ألقوا به على الأرض.
تــــــــــــــــــــــــارا: ماذا تقول؟ هل أصابهم الجنون؟ يرفضون الكعك والخبز أكثر ما يطالبون به, كيف؟
الحارس الأول: يقولون أنهم يطالبون بالخبز, فإن تناولوا الكعك اليوم لمرّة واحدة ولن يجدوه في الغد, لن يستطيعوا العودة إلى الخبز الذي يطالبون به اليوم.
شقــــــــــــــــــران: ليتك لم تقدّمي لهم الكعك, يا تـارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: أردت حل المشكلة, أين أخطأت؟
شقــــــــــــــــــران: ستجعلينهم يفكرون بشيء غير الخبز. ليكن الخبز أسمى مطالبهم حتى يقبِّلون اليد التي تقدّمه لهم. هكذا يفعل الملوك, عليك الاستعداد لذلك. والآن أيّها السادة, اعذرونا وراءنا الكثير من المسؤوليات التي تنتظر الاهتمام بها. شكرًا لكم.
ستار

 

 

الفصل‭ ‬الأول
المشهد‭ ‬الثاني
مطبخ في منزل شقــران, رئيس الحكومة, ساعة مبكرة من ساعات الصباح, تــارا في بيجامة ذهبية وحافية القدمينْ تفتح الجارور الأعلى وتبدأ بالبحث عن شيء ما دون أن تجده.)
تــــــــــــــــــــــــارا: (لنفسها) أين وضع هذا الأحمق علبة قهوة "المعجزة؟" (تبحث ثانية بعصبيّة أكبر دون جدوى) يا له من غبيّ حقير. أين وضعها هذا الأحمق؟ (ثم تبدأ بإخراج محتويات جميع الجوارير وتلقيها على الأرض تباعًا) أخرجتُ كلّ محتويات الجوارير ومع ذلك لا أراها. يا له من مدير بيت تعيس، سألقنه درسا لن ينساه أبدًا، ولمَ أنتظر حتى الصباح. سأتصل به الآن. إنّه يستحق الشنق على إهماله هذا. (تتوجه إلى تلفون المطبخ ثائرة وترفع السماعة فتسقط من يدها فترفعها بتوتر شديد لتسقط ثانية من يدها.) اللعنة! حتى التلفون لا يطيعني.
شقــــــــــــــــــران: (يدخل المطبخ فجأة مرتديًا بيجامة رماديّة كلون شعر رأسه، قميص بيجامته غير مزرر كما يجب، فنصفه الأيمن أطول من نصفه الأيسر. يرتدي حذاء زوجته.)
استيقظت فجأة ولم أجدك في الفراش، فجئت أبحث عنك، وأول مكان توقعت وجودك فيه هو المطبخ وكان توقعي صادقًا, أليس كذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (حانقة) أنت السبب، أنت السبب.
شقــــــــــــــــــران: (محتجًا) كلّهم يقولون إنني السبب حتى قدومك إلى المطبخ, كيف؟ (ثم ملتفتًا إلى الأغراض الملقاة على الأرض) اللعنة, ما الذي يحدث هنا؟ من الحيوان الذي ألقى بهذه الأغراض أرضًا؟ أيّا كان سأطرده في الصباح، ولمَ أنتظر حتى الصباح، سأطرده الآن.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) من الأفضل لك أن تخرس. (ترفع سماعة التلفون ثانية وتتصل برقم مدير البيت) أجبني أيّها الأحمق؟
شقــــــــــــــــــران: تطلبين مني أن أخرس, ثم تريدينني أن أجيبك, كيف؟ 
تــــــــــــــــــــــــارا: (مستفزّة جدًا) كم ذكيّ الغباء أنتَ. اخرس أو طرْ من هنا.
شقــــــــــــــــــران: قبل أسبوع طرت إلى غمليكا، ولا أريد الطيران إليها هذا الأسبوع أيضًا، فسوخاما لا يحبني.
تــــــــــــــــــــــــارا: وأنا لا أحبُّ زوجته.
شقــــــــــــــــــران: انتظري قليلًا وسترين ما سيفعله الرئيس القادم.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل أنت متأكد من نجاحه؟
شقــــــــــــــــــران: طبعًا وبكلّ تأكيد. سترين كيف سيدوس على رؤوس البرعيليين بالجزمة القديمة وقبض ثمنها وبالمليارات وبالهدايا النادرة وكلّما داس أكثر على رؤوسهم ركعوا له أكثر. هكذا هم البرعيليّون لا يركعون إلّا بالجزمة وحتى بالجزمة القديمة
تــــــــــــــــــــــــارا: أنسيت أنّ رئيس غمليكا الأصغر كان أول من ضُرب بالجزمة؟
شقــــــــــــــــــران: وهل اتخذوا من هذه عبرة؟ من يتذكّر ذلك؟ ثمّ ألا تعرفين الفرق بين الأمّرين.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما هو؟
شقــــــــــــــــــران: القاذف الأول أُدخل السجن أمّّا القاذف الغمليكيّ القادم فسوف يرقصُ له البرعيليّون ويتمسّحون ببدلته ناهيك عن المليارات التي سيحصل عليها مقابل كل صفعة من صفعاته.
تــــــــــــــــــــــــارا: دعنا لا نستبق الأيّام. قل لي، هل تحمل هاتفك الخلويّ؟
شقــــــــــــــــــران: طبعًا، هو دائمًا معي حتى وأنا في دورة المياه، يسهل عليّ اتخاذ قرارات حاسمة هناك.
تــــــــــــــــــــــــارا: لذلك رائحتها كريهة. هاته.
شقــــــــــــــــــران : لمَ تريدينه الآن؟ جميع المحلات التجارية مغلقة.
تــــــــــــــــــــــــارا: (صارخة) قلت لك اخرس فأنا لا أطيق ذكاءك.
شقــــــــــــــــــران: (باسمًا ومقتربًا منها) إذا تعترفين بذكائي، أليس كذلك؟ 
تــــــــــــــــــــــــارا: أجل، أنت ذكيّ لدرجة مثيرة للغضب والشفقة معًا، وأنا لا أنكر ذلك فقد استطعت خداع الناس المرّة تلو المرّة.
شقــــــــــــــــــران: هل يوجد برهان على ذكائي أكثر من ذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لكن عليك أن تعرف أن غباءهم هو ما يبرز ذكاءك المقيت.
شقــــــــــــــــــران: (متفاخرًا) المهم أنني ذكيّ بل وذكيّ جدا.
تــــــــــــــــــــــــارا: حذار أن يكتشفوا أكاذيبك، عندها لن ينفعك هذا الذي تفتخر به الآن.
شقــــــــــــــــــران: أنا أعتمد على ذاكرة الناس القصيرة. حتى لو اكتشفوا أكاذيبي، لن يكون هذا إلاّ بعد أن فارقنا الحياة.
تــــــــــــــــــــــــارا: فارقها وحدك، لا دخل لي بهذا الأمّر.
شقــــــــــــــــــران: كلّنا سنموت في يوم من الأيام.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ساخرة) ظننتَ نفسك مخلدًا، ما الذي حدث؟
شقــــــــــــــــــران: أتعرفين، يا تــارا، مسألة الموت هذه تؤرّقني، تمزّقني بل وتخيفني. لا أريد أن أمّوت، لا أريد.
تــــــــــــــــــــــــار: اخرس، لم أدخل المطبخ حتى تزعجني بمخاوفك. أنا أصلاً منزعجة وحانقة فلا تثر أعصابي أكثر من ذلك. ناولني هاتفك.
شقــــــــــــــــــران: لكن مسألة الموت تزعجني بل وتقتلني. دعيني أشرح لك الأمّر، أنا محتاج لمن يسمعني.
تــــــــــــــــــــــــارا: كلّ الناس يسمعونك والمشكلة أنّهم لا يصدقونك. والآن أعطني هاتفك. عندي قضايا أهمّ من فكرة الموت هذه. ثم أنت كبرت على مثل هذه المخاوف. لم تعد طفلًا.
شقــــــــــــــــــران: (يناولها الهاتف) لكن...
تــــــــــــــــــــــــارا: بدون لكن...(تتناول الهاتف, ثم يجلس شقـــران على كرسي قريب واضعاً رأسه بين يديه. تتصل تــارا برقم ما, ثم تنتظر حتى يرد الشخص المطلوب) اصحَ, يا كلب.
شقــــــــــــــــــران: (رافعًا رأسه مذعورًا) لم أفعل شيئًا، يا تـارا, فقط اغمضت عيني للحظة, فأنا مرهق جداً, وأنت تعرفين مدى الإرهاق الذي أعاني منه. فقط بالأمّس...
تــــــــــــــــــــــــارا: قلت لك اخرس, لا أريد سماع مشاكلك الآن.
شقــــــــــــــــــران: لكنّك ناديتني.
تــــــــــــــــــــــــارا: قصدّت كلبًا آخر.
شقــــــــــــــــــران: الحمد لله, شكرًا لك. (يغمض عينيه ثانية)
تــــــــــــــــــــــــارا: (ثائرة) رد, يا كلب.
شقــــــــــــــــــران: (فاتحًا عينيه, لكن تــارا تشير إلى الهاتف بإصبعها) نعم, فهمت, الحمد لله لست أنا المقصود هذه المرّة أيضًا. (يغمض عينيه ثانية)
تــــــــــــــــــــــــارا: (مستفزّة) كلّ هذا نوم, أيّها الغبيّ.
شقــــــــــــــــــران: (رافعًا رأسه وفاتحًا عينيه) نعم, فأنا مرهق جداً, اعذريني, يا تـارا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (ناظرة لزوجها) لست المقصود, نم كما تشاء.
ملّــــــــــــــــــــول: (مدير البيت محتجًا) بعد أن أيقظتني تطلبين مني أن أعود إلى النوم, كيف, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) لم أحدثك بعد, أيّها الغبيّ.
ملّــــــــــــــــــــول: لمَ تهينني, يا سيّدتي؟ لم أفعل شيئا يدعوك لذلك.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ناظرة إلى شقــران الذي رفع رأسه قليلًا) لست المقصود.
ملّــــــــــــــــــــول: إذًا هو المقصود, يا سيّدتي, هل عاد الكابوس إليه مرّة أخرى؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أتصل بك حتى أخبرك بأمّر الكابوس.
ملّــــــــــــــــــــول: إذًا من أجل تلويثه الحمّام مرّة أخرى.
تــــــــــــــــــــــــارا: ولا من أجل هذا أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: (ناهضًا) من يلوّث الحمّام, ملّـــول؟ أيّا كان سأطرده في الصباح, ولِمَ أنتظر حتى الصباح, سأطرده الآن.
تــــــــــــــــــــــــارا: (لزوجها) ألا تخرس حتى أكلّم هذا الأحمق؟
ملّــــــــــــــــــــول : تفضّلي, يا سيّدتي, تكلّمي معه كما تشائين, سأنتظرك.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) أتكلم مع من؟
ملّــــــــــــــــــــول: مع الأحمق.
تــــــــــــــــــــــــارا: أنت الأحمق, أيّها المغفّل.
ملّــــــــــــــــــــول: هل اتصلت بي في مثل هذه الساعة المبكرة حتى تذميني؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أنا اذمك متى شئت، والآن أين وضعت علبة قهوة "المعجزة"؟
ملّــــــــــــــــــــول: (مكررًا) علبة قهوة "المعجزة"؟
تــــــــــــــــــــــــارا: نعم, علبة قهوة "المعجزة" أنتم تعرفونها, أليس كذلك؟
ملّــــــــــــــــــــول: من أنتم, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (مستفزة) ألا تعرف من أنتم؟
ملّــــــــــــــــــــول: أعرف, يا سيّدتي. والآن ما هي مشكلة علبة قهوة "المعجزة" التي أيقظتني في الرابعة صباحًا من أجلها؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا شيء على ما يرام في هذا البيت, وأنت المسؤول.
شقــــــــــــــــــران: (رافعًا رأسه) دائمًا تضعين المسؤولية عليّ. أنا لا أعرف شيئا عن العلبة رغم أنّني فعلًا أحتاج إلى معجزة تخرجني من سيل الاحتجاجات والاعتصامات الذي لا ينقطع.
تــــــــــــــــــــــــارا: (لزوجها) لم أقل إنّك المسؤول عنها.
تــــــــــــــــــــــــارا: إذًا مع السلامة, سيّدتي, أراك غدًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ثائرة) أراك في جهنم غدًا.
ملّــــــــــــــــــــول: هل سنلتقي هناك أيضًا, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ستكون هناك وحدك.
ملّــــــــــــــــــــول: لماذا, يا سيّدتي؟ ألم تقولي إنّني لست المسؤول عنها؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أوجه الكلام إليك, أيّها الغبيّ.
( يرفع شقـران رأسه قليلًا ثم يخلد للنوم ثانية بعد أن تشير له بالنوم) لا أجد العلبة, يا ...
ملّــــــــــــــــــــول: العلبة في الجارور الأول, يا....
تــــــــــــــــــــــــارا: (صارخة) يا ماذا؟
ملّــــــــــــــــــــول: يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: من الحمار الذي أمّرك بوضعها هناك؟
ملّــــــــــــــــــــول: أنت, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: اخرس, يا كلب. (يفتح شقران عينيه قليلًا) لست أنت, هذا الحمار.
ملّــــــــــــــــــــول: أعرف من تقصدين, يا سيّدتي, لا تغضبي عليه كثيرًا، فالغضب يضرّ بصحتك.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ثائرة) أنت الذي تغضبني, أنت. أين العلبة الآن؟
ملّــــــــــــــــــــول: هي أمّامك, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (صارخة) لقد أخرجت كلّ العلب التي في الجوارير ولم أجد العلبة في داخلها. أين هي؟
ملّــــــــــــــــــــول: العلبة التي لم تجديها؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (بفارغ الصبر) نعم, التي لم أجدها, هل تعرف أين هي؟
ملّــــــــــــــــــــول: حيث أمّرتني بوضعها, في الجارور الأول.
تــــــــــــــــــــــــارا: قلت لك لم أجدها هناك, يا حيوان. (لزوجها الذي رفع رأسه) لست أنت الحيوان. لماذا لا تنام في سريرك؟
ملّــــــــــــــــــــول: أنا نائم في سريري, يا سيّدتي, لكن بعد أن أيقظتني لا أعتقد أنني سأخلد إلى النوم مجددًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (صارخة) تنام أو لا تنام هذا لا يهمني. (لزوجها) قلت لك اذهب إلى سريرك.
ملّــــــــــــــــــــول: وأنا قلت لك إنّني في سريري, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: أعرف أنك في سريرك، سمعت هذا من قبل, والآن قل لي, (يرفع شقـران رأسه قليلًا) لست أنت, أين وضعت علبة القهوة, يا .....
ملّــــــــــــــــــــول: لم تبق.....
تــــــــــــــــــــــــارا: لم تبق "معجزة" عندنا, هيّا انهض واشتر لنا علبة جديدة.
ملّــــــــــــــــــــول: أقصد لم تبق صفة سيئة لم تنعتيني بها، يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: إذًا يوجد لدينا قهوة؟
ملّــــــــــــــــــــول: نعم, يا سيّدتي. أمّامك في العلبة الحمراء.
تــــــــــــــــــــــــارا: في العلبة الحمراء! لماذا في العلبة الحمراء؟ كنتَ تشتريها في علب خضراء.
ملّــــــــــــــــــــول: نعم, يا سيّدتي, كانت خضراء فتحولت إلى حمراء.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل أنا واقفة أمّام إشارة ضوئيّة, أيّها الغبيّ؟
ملّــــــــــــــــــــول: لا، يا سيّدتي. (لنفسه) كل شيء واقف في همليكا لكنّكم لا تشعرون بذلك. (لتارا) على كل, ما كان مكتوبا على العلبة الخضراء مكتوب أيضًا على العلبة الحمراء, تعرفين القراءة, يا سيّدتي, أليس كذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: كلّا, كيف أعرفها وقد جئت من الشرق.
ملّــــــــــــــــــــول: لم أتصور أنّك من الشرق, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: غدًا سألقنك درسًا لن تنساه أبدًا. تشتري القهوة في علبة حمراء ولم تخبرني بذلك. حسابك عسير غدًا. (تقفل الهاتف بعصبية شديدة) هذا الأبله صدّق أنّني من الشرق. يا للعار.
شقــــــــــــــــــران: (يصحو قليلًا ) هل ناديتني, يا تــارا
تــــــــــــــــــــــــارا: نعم, ناديتك, هل تريد "معجزة"؟
شقــــــــــــــــــران: نعم, يا تـارا, أنا محتاج لعشر معجزات حتى يهدأ روعي.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل طاردك الكابوس هذه الليلة أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: أجل, يا تارا, ونفس الوجوه أيضًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: وجوه ربليكيّة؟
شقــــــــــــــــــران: لا, يا تــارا, هذه المرّة وجوه همليكيّة.
تــــــــــــــــــــــــارا: ماذا يريدون منك هؤلاء أيضًا؟ بالأمّس فقط وافقت على بناء ألف وحدة سكنية جديدة في الأراضي الربليكيّة.
شقــــــــــــــــــران" هم لا يشبعون, يا تـارا, لا يشبعون.
تــــــــــــــــــــــــارا: طالما تحقق مطالبهم, لماذا يطاردونك في المنام أيضًا؟
شقــــــــــــــــــران: الشهيّة تزداد مع الأكل وأنا مضطرّ لتلبية مطالبهم لأنّهم يستطيعون سحب الكرسيّ من تحتي في أيّة لحظة, وأنت لا تريدين ذلك, أليس كذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: طبعًا لا, ليأخذوا ما يريدون أخذه, المهم ألاّ تخسر الكرسيّ. كلّ تنازل من أجل الكرسيّ مباح, ثم هل ندفع لهم من جيوبنا؟
شقــــــــــــــــــران: بالضبط, يا تـارا, نحن لا ندفع شيئًا من جيوبنا, والأراضي التي نبني عليها المستوطنات ليست لنا أصلًا. يعني نحن نعطي ما ليس لنا, هل يوجد أسهل من ذلك؟ القوّة هي منطق هذا العصر، وهي التي تسمح للقويّ أن يعطي ما لا يملك، وطالما ليس هناك من بعارض أو يقاوم فمن يردعه ويمنعه؟
تــــــــــــــــــــــــارا: طالما تحصل على احتياجاتك، فالغاية تبرر الوسيلة.
شقــــــــــــــــــران: يا لئيمة, احتياجاتي! أليس لك احتياجات خاصة أيضًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هل هناك فرق بين احتياجاتي واحتياجاتك؟
شقــــــــــــــــــران: احتياجاتك تخرج دائمًا عن الميزانيّة المخصّصة لنا, لذلك تجلبين لنا الفضائح باستمرار.
تــــــــــــــــــــــــارا: أمّا أنت فمتواضع جدًا في طلباتك واحتياجاتك, أقلّ سيجار تدخّنه يكلّف خزينة الدولة المئات من الدولارات.
شقــــــــــــــــــران: وهل نسيت حقيبتك التي اشتريتها بثلاثة آلاف دولار؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أشترها على حساب الدولة, بل على حساب صديقة لي, كما يشتري لك أصدقاؤك أشياء كثيرة.
شقــــــــــــــــــران: لا أعرف كيف تصل أخبارنا إلى الصحفيّين، لعنهم الله؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أكيد ملّـول, هذا الشرقي اللعين, يخبرهم بكلّ ما نفعله. لا أدري لماذا لا نوظف مدير بيت من أصول أوروبيّة.
شقــــــــــــــــــران: حتى نُتّهم بالعنصرية؟ لا, يا تــارا, علينا تحمّلهم, أصلًا نحن لا نتواجد في البيت كثيراً, وهم لا يرافقوننا في سفرياتنا المتعاقبة.
تــــــــــــــــــــــــارا: أين نعيش, يا شقران؟ إن أكلنا أو شربنا أو سافرنا يحسدنا الجميع.
شقــــــــــــــــــران: المشكلة في وسائل الإعلام, لكن لا تتأثري, لينشروا ما يشاؤون نشره. هل أعددت "المعجزة"؟
تــــــــــــــــــــــــارا : أجل, هي جاهزة.
شقــــــــــــــــــران: ليت المعجزات تأتي بمثل هذه السهولة، فأنا محتاج للتخلّص من العديد من الناس.
تــــــــــــــــــــــــارا: وأنا كذلك.
شقــــــــــــــــــران: هل أنت أيضًا تريدين التخلّص من ذوي اللحى الحمراء؟
تــــــــــــــــــــــــارا: بل ما هو أسوأ منهم.
شقــــــــــــــــــران: إذاً من ذوي اللحى السوداء.
تــــــــــــــــــــــــارا: أسوأ, أسوأ.
شقــــــــــــــــــران: لم يبق غير الصحفيّين.
تــــــــــــــــــــــــارا: ولا الصحفيين.
شقــــــــــــــــــران" هل هناك أسوأ من كلّ هؤلاء؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (محبطة) أجل, أجل. علبة القهوة الحمراء.
شقــــــــــــــــــران: (مكررًا بدهشة) علبة القهوة الحمراء! كيف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: اعتدت أن أشرب القهوة من علبة خضراء, والآن يريدونني أن أشربها من علبة حمراء. أليست هذه جريمة كبرى؟
شقــــــــــــــــــران: ليت مشاكلي كلّها بهذا المستوى.
تــــــــــــــــــــــــارا: أنسيت كيف صرخت على ضيّقة العينين عندما وضعت حذاءك تحت السرير.
شقــــــــــــــــــران: لم أصرخ عليها لفعلها ذلك, بل لأنها وضعت الفردة اليسرى على يمين الفردة اليمنى, والمفروض أن تفعل العكس.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما الفرق؟ أنت دائما تعمل من الحبّة قبّة.
شقــــــــــــــــــران:( يكرر المثل) من الحبّة قبّة, أحب هذا المثل, يذكرني بالمثل الإنجليزي Much Ado About Nothing. أكيد قاله شعب ذو حضارة عريقة كالإغريق مثلا.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أدري, لكنني سمعته من خادمة برعيّة تشتغل في بيت صديقة لي.
شقــــــــــــــــــران: هذا ليس معقولاً, يا تــارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: لماذا؟ إذا بدت كالبرعيّة, ومشت كالبرعيّة وتكلمت كالبرعيّة فهي برعيّة.
شقــــــــــــــــــران: أذكر قولًا مثل هذا القول, لكن ليس هذا ما قصدته بقولي غير معقول.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما الذي قصدته إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: قصدت الحذاء.
تــــــــــــــــــــــــارا: الحذاء الذي وضعته الخادمة بصورة معكوسة.
شقــــــــــــــــــران: (مستفزًا) ولا هذا, يا تـارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (متوترة) عن أيّ حذاء تتحدث إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: الحذاء الذي ألبسه الآن.
تــــــــــــــــــــــــارا: (تنظر إلى الحذاء) هذا حذائي, لماذا لبسته؟
شقــــــــــــــــــران: نهضت من الكابوس فزعًا فأدخلت قدميّ في حذائك معتقدًا أنّه حذائي.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما قصّة هذا الكابوس الذي يطاردك في الآونة الأخيرة؟
شقــــــــــــــــــران: لا أعرف, يا تـارا. ماذا عليّ أن أفعل؟
تــــــــــــــــــــــــارا: اذهب إلى عرّافك واقصص عليه رؤياك.
شقــــــــــــــــــران: ذهبت إليه ولم يفدني بشيء, بل بالعكس, أصبحت فريسة للكابوس تقريبًا كلّ ليلة.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل أغضبتَ أحداً من ذوي اللحى الحمراء مرّة ثانية؟
شقــــــــــــــــــران: لا, لا, الكوابيس التي تطاردني مؤخرًا ليست من ذوي اللحى الحمراء بل السوداء. عندما أغفو أرى الأرض تنشقّ تحتي ويخرج منها الكثير من ذوي اللحى السوداء.
تــــــــــــــــــــــــارا: يا له من كابوس مخيف.
شقــــــــــــــــــران: حتى تعذريني. كيف لي أن أبحث عن حذائي على مهل وأنا أرتعد من الخوف. كيف, يا تــارا, كيف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: البسه كما تشاء، لن ألومنَّك مرّة ثانية. والآن لنعد إلى سريرنا.
شقــــــــــــــــــران: لنبق هنا, يا تارا, أخاف العودة إلى سريري. لا أريد النوم, لا أريد.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا تخف. هيّا قم ولا تتصرف كالأطفال. قم ولا ترتعد, فمك قبيح وأنت ترتعد.
شقــــــــــــــــــران: حتى أنت تسخرين من فمي. ألا يكفيني رسامو الكاريكاتير الذين يشوّهون ملامحي.
تــــــــــــــــــــــــارا: معهم كلّ الحقّ في ذلك, فشفتاك بشعتان وعندما ترتعد فرائصك تزداد بشاعتهما. هيّا انهض واستند عليّ.
شقــــــــــــــــــران: هؤلاء الأوباش...
تــــــــــــــــــــــــارا: لا تخف من الكوابيس, سنحاربهم وسنقضي عليهم.
شقــــــــــــــــــران: لا أقصد الكوابيس, بل الصحفيّين الذي يشيعون دائمًا أنّني أستند عليك.
تــــــــــــــــــــــــارا: هيّا استند عليّ ولا تعمل لهم أيّ حساب, إلاّ إذا استطعت السير بمفردك.
شقــــــــــــــــــران: لا لا, دعيني أستند عليك, أنا خائف. ألا ترين كيف أرتعد من الخوف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: بلى, أرى كيف أصبحت شفتاك أكثر اعوجاجًا وانتفاخًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل‭ ‬الأول
المشهد‭ ‬الثالث
(غرفة نوم شقـران وتــارا. غرفة واسعة بيضويّة الشكل أيضًا, ورغم ضخامته يترك السرير مكانًا كافيًا لخزانة الملابس الممتدّة على طول الحائط الأيمن والمكدّسة بملابس فاخرة ثمينة. على يسارها خزانة أصغر حجمًا اصطفت عليها أزواج عديدة من الأحذية الرجاليّة والنسائيّة. ستائر الغرفة على غرار ستائر مكتب شقــــران, جميلة فاخرة وجديدة. يصحو شقــران من النوم فزعًا ثم ينظر حوله وتحت السرير, وبعد أن اطمئنّ على سلامته يجلس على السرير ويراقب تـــارا وهي تشخر بصوت مزعج. الساعة التاسعة والنصف صباحًا)
شقــــــــــــــــــران: يا له من كابوس فظيع, فظيع.
تــــــــــــــــــــــــارا: (صاحية) هل عدت للهلوسة مرّة أخرى؟ ألن تشفى من هذا الكابوس "الفزيع"؟
شقــــــــــــــــــران: الحمد لله أنه كابوس وليس أكثر.
تــــــــــــــــــــــــارا: من طاردك هذه المرّة, ذوو لحية حمراء أمّ سوداء؟
شقــــــــــــــــــران: سوداء, بل وسوداء جدًا, يا تـــارا. أنا خائف, أنا مذعور.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا تخف, عُد إلى نومك.
شقــــــــــــــــــران: لا أستطيع النوم, سيظل يزعجني.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أعتقد أنه سيزعجك مجددًا.
شقــــــــــــــــــران: بل سيزعجني جدًا, أنا أعرف ذلك.
تــــــــــــــــــــــــارا: ألهذه الدرجة يزعجك الكابوس؟
شقــــــــــــــــــران: أنا لا أتحدّث عن الكابوس.
تــــــــــــــــــــــــارا: عمّ تتحدّث إذًا؟
شقــــــــــــــــــران" عن شخيرك الذي يحرمني من النوم. وإن نمت فسرعان ما يطاردني الكابوس.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا يكفي أنّكَ تشخر بل وتكذب.
شقــــــــــــــــــران: لمَ تتجنّين عليّ؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أنا أتجنّى عليك! يا حرام. من أوصلك إلى منصبك هذا غير أكاذيبك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: إن تريديني أن أكون صادقًا، فعليك التخلي عن منصبك كزوجة رئيس الحكومة . هل تريدين ذلك حقًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: طبعاً لا, ما الذي سيبقى لي بعد ذلك؟ من سينظر إليّ أصلًا، فجميعهم يكرهونني ولا يطيقون رؤيتي وأعرف ما يقولون عني, لكن ذلك لا يعطيك الحقّ في الكذب عليّ. اكذب كما تشاء إلاّ عليّ, فأنا أخبر الناس بأكاذيبك.
شقــــــــــــــــــران: أكاذيبي! ليس لي أكاذيب سوى ما تخدم مصلحتي, بل مصلحتنا. ثم إنّ هناك أكاذيب مشروعة, أليس كذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أحد يصدّقك إلا الأغبياء.
شقــــــــــــــــــران: الحمد لله أن هناك أغبياء يصدّقونني. تصوّري لو كان الناس كلّهم أذكياء، ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟
تــــــــــــــــــــــــارا: الحمد لله, والآن عد إلى نومك ولا تتحرك كثيرًا.
شقــــــــــــــــــران: وأنت لا تشخري عاليًا. ليس مستبعدًا أنّ الكوابيس تطاردني بسبب شخيرك.
تــــــــــــــــــــــــارا: اذهب ونم في غرفة أخرى وحدك إذًا.
شقــــــــــــــــــران: أخاف أن أنام وحدي, قد يزعجني مرّة أخرى.
تــــــــــــــــــــــــارا: شخيري! هل يصل إلى هناك أيضًا؟
شقــــــــــــــــــران: لا, كابوس اللحى السوداء. أه يا تـــارا, كم هم مخيفون, لكنّني سأتجاهله.
تــــــــــــــــــــــــارا: تسلّح بالشجاعة وتجاهله.
شقثران: حاولت لكني فشلت, حتى بعد أن وضعت قطنًا في أذنيّ.
تــــــــــــــــــــــــارا: لمَ تضع القطن في أذنيك؟
شقــــــــــــــــــران: حتى لا أسمع شخيرك.
تــــــــــــــــــــــــارا: ظننتك تتكلم عن الكابوس.
شقــــــــــــــــــران: كابوس اللحى السوداء! لا هؤلاء لا يمكن تجاهلهم. آه, يا تـــارا, كم أريد القضاء عليهم مرّة واحدة وإلى الأبد, وسيكون ذلك قريبا إن شاء الله.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا يمكن القضاء عليهم, لأن غيرهم سيأتون. حدثني عنهم, يا شقـران.
 شقــــــــــــــــــران: سترين, يا تـــارا, سترين.
تــــــــــــــــــــــــارا: ماذا تقصد؟
شقــــــــــــــــــران: سأخبرك فيما بعد.
تــــــــــــــــــــــــارا: أتنوي عمل شيء دون علمي؟
شقــــــــــــــــــران: لا تشغلي بالك بهذا الأمّر. والآن دعيني أحدّثك عن الكابوس.
تــــــــــــــــــــــــارا: هيّا أخبرني.
شقــــــــــــــــــران: أكون نائمًا ومرتاحًا ولا يزعجني شيء باستثناء....
تــــــــــــــــــــــــارا: باستثناء ماذا, الكابوس؟
شقــــــــــــــــــران: (مترددًا) باستثناء... باستثناء....
تــــــــــــــــــــــــارا: قل ولا تتردّد, باستثناء ماذا؟
شقــــــــــــــــــران: قلت لك ليس مهمًا... لا أريدك أن تغضبي عليّ
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) أتقصد شخيري الذي تدّعيه؟
شقــــــــــــــــــران: أرأيت, لقد غضبت عليّ.
تــــــــــــــــــــــــارا: لست غاضبة عليك, لقد اعتدت على افتراءاتك. هيّا أخبرني, ماذا ترى؟
شفران: أرى الأرض تميد بي كأنّ هزّة أرضيّة ضربت الغرفة. ثم تنشقّ الأرض وتنفتح عدة حفر تخرج منها لحى سوداء كثيرة تتسابق لقتلي أو خطفي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (واضعة يدها على شفتيه) لا ترتعد, عادت شفتاك لقبحهما.
شقــــــــــــــــــران: من السهل أن تطلبي مني ذلك, فأنت لم تري الكابوس. لو رأيته لعذرتني.
تــــــــــــــــــــــــارا: (خارجة من السرير) لديّ فكرة.
شقــــــــــــــــــران: أيّة فكرة.
تــــــــــــــــــــــــارا: تعال نجلس في الشرفة ونطلب لنا فنجانين من "المعجزة". أعتقد أن سوس قد وصلت الآن.
شقــــــــــــــــــران: "المعجزة" ثانية, لن تأتي, يا تـــارا, لن تأتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: من المؤكد أنّها في المطبخ الآن.
شقــــــــــــــــــران: المعجزة؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ســوس.
ستار


الفصل‭ ‬الأول
المشهد‭ ‬الرابع
(شرفة واسعة تطلّ على حديقة جميلة أزهارها متعدّدة الأشكال والألوان. أمّّا البحر فيتثاءب على الشاطئ على بعد عشرات الأمّتار فقط. في الشرفة كرسيّان للاستراحة بينهما طاولة زجاجية عليها بعض الصحف والمجلات بالإضافة إلى تليفون منزليّ. يضطجع شقران على كرسيّ واحد ويرفع إحدى الصحف ويبدأ بتصفحها, بينما تضطجع تــارا على الكرسيّ الآخر وترفع سماعة التلفون وتدير قرصه.)
تــــــــــــــــــــــــارا: هل أنت في المطبخ, يا سـوس؟
ســــــــــــــــــوس: نعم, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: أعدّي لنا فنجانين من القهوة وأحضريهما إلى الشرفة, وإيّاك أن تغلطي غلطة الأمّس. سيكون اليوم آخر يوم لك في بيتنا.
ســــــــــــــــــوس: لست المسؤولة عن وضع الملح بدلًا من السكر, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) من المسؤول إذًا؟
ســــــــــــــــــوس: من كتب كلمة "سكر" على لاصقة علبة الملح.
شقــــــــــــــــــران: تعالي, يا تارا, وانظري إلى المجلة.
تــــــــــــــــــــــــارا: ولماذا أفعل ذلك؟
ســــــــــــــــــوس: (في التلفون) لم أقل أنّك فعلت ذلك, يا سيّدتي. مدير البيت قال ذلك. قال إنّك فعلت ذلك حتى ينخدع الذباب فيذهب إلى الملح بدلًا من السكر.
تــــــــــــــــــــــــارا: مدير البيت مرّة أخرى, على كلّ حال لي حساب عسير معه لاحقًا.
شقــــــــــــــــــران: اتركي التلفون قليلًا وتعالي انظري. الاحتجاجات لا تتوقف والاتهامات لا تنتهي.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أستطيع النظر إلى أيّ شيء قبل أن تأتيني "المعجزة".
شقــــــــــــــــــران: قبل قليل كنت تنظرين إليّ.
تــــــــــــــــــــــــارا: لذلك لم أر شيئًا.
ســــــــــــــــــوس: أرجوك لا تخبريه أنّك عرفت ذلك مني. لي عائلة كبيرة وإن عرف أنّني فتنت عليه سيطردني بالتأكيد وأنا في حاجة إلى العمل.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا تخافي, لن يطردك.
ســــــــــــــــــوس: لماذا, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لأنّني سأطرده في اللحظة التي تقع عينايّ عليه.
(يلقي شقـران المجلة على الطاولة محبطًا, ثم ينهض ويذهب إلى الدرابزين ويتكئ عليه وينظر إلى أسفل)
شقــــــــــــــــــران: (ينبطح أرضًا مذعورًا) انبطحي أرضًا, يا تـــارا, انبطحي. لقد تحقّق الحلم.
تــــــــــــــــــــــــارا: (تنبطح أرضًا مذعورة ثم بهمس) ما الذي يحدث, يا شقــران؟
شقــــــــــــــــــران: (هامسًا) أسكتي ولا تتحرّكي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (زاحفة نحوه ثم هامسة) ما الذي يجري, يا شقران, ما الذي يجري؟
شقــــــــــــــــــران: (بهمس شديد) اطلبي النجدة, يا تاره, اطلبيها بسرعة.
تــــــــــــــــــــــــارا: (هامسة) لا أسمعك, ماذا تقول؟
شقــــــــــــــــــران: (يضع يده على أذنه كأنه يتحدّث في التلفون ثم يكتب بإصبعه على الأرض     SOS)
تــــــــــــــــــــــــارا: ( بهمس شديد) أتقصد سـوس؟ كنت أتحدث إليها قبل أن تنبطح على الأرض وتطلب مني أن أنبطح أيضًا؟
شقــــــــــــــــــران: (مسيطرًا على غضبه, يكتب الحروف الثلاثة الواحد بعيدًا عن الآخر ثم هامسًا) هل فهمت؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (هامسة) ســوس في المطبخ.
شقــــــــــــــــــران: (يهمس بما يشبه صفارة الإنذار) ويو ويو ويو ويو.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل تقصد النجدة؟
شقــــــــــــــــــران: (يرفع إبهامه إلى أعلى موافقًا)
تــــــــــــــــــــــــارا: (ترفع سماعة التلفون وتطلب النجدة. بعد برهة قصيرة يدخل ستة رجال أمّن, ثلاثة منهم ينبطحون فوق شقــران بأجسادهم القوية, والثلاثة الآخرون ينبطحون فوق تــارا التي تكاد تختنق من ضغط أجسادهم. تحاول الخروج من تحتهم فلا تستطيع فتقول مخنوقة) ابتعدوا عني, أكاد أختنق, ابتعدوا عني.
رجل أمّن أول: لا نستطيع, يا سيّدتي.
شقــــــــــــــــــران: (يعاني من نفس المشكلة) ابتعدوا عني, أكاد أختنق, ابتعدوا عني.
تــــــــــــــــــــــــارا: أتسخر مني, يا شقران؟ (لرجل الأمّن) لماذا لا تستطيع؟ من المخنوق, أنا أمّ أنت؟
رجل أمّن أول: (مغطيًا تـارا) علينا أداء واجبنا, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل واجبك أن تخنقني؟
رجل أمّن أول: لا, يا سيّدتي, واجبنا أن نحميك.
شقــــــــــــــــــران: أنا أختنق, أختنق, أختنق.
رجل أمّن ثان: (مغطيا شقـران) علينا أداء واجبنا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هل واجبك أن تخنقني؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (لزوجها) ألا تكف عن محاكاتي؟ أنت في حاجة إلى رؤيا.
شقــــــــــــــــــران: كيف أرى وهؤلاء يغطونني.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أتحدث عن رؤية, بل عن رؤيا.
رجل أمّن ثان: علينا أن نحميك, يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: ( بصوت مخنوق) ممن تحموننا
رجل أمّن ثان: من الخطر, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: أيّ خطر.
رجل أمّن أول: الخطر الذي يداهمكم, يا سيّدتي. ما الذي حدث, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أعرف, لا أعرف.
رجل أمّن أول: كيف لا تعرفين, يا سيّدتي؟ لقد جئنا بناء على استدعائكم لنا, أليس كذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (من تحتهم بصوت مخنوق) أجل, لكنني لا أعرف ماذا حدث.
رجل أمّن أول: من استدعانا إذًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أنا استدعيتكم.
رجل أمّن أول: إذا أنت تعرفين لماذا استدعيتنا, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: قلت لك لا أعرف, أيّها...أمّا زال الخطر قائمًا؟ أريد أن أتنفس, رائحة عرقكم تقتلني.
رجل أمّن أول: نحن نعرق من أجلكم, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: ليتكم لا تعرقون.
رجل أمّن أول: لا نستطيع, سيّدتي. هذا واجبنا.
تــــــــــــــــــــــــارا: أول مرّة أسمع أحدا يقول إنّ واجبه أن يعرق.
رجل أمّن أول: من أجلكم, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: أستطيع الاستغناء عن ذلك حاليًا.
شقران: هذه أول مرّة أسمعك تقولين إنّك مستعدة عن الاستغناء عن شيء ما.
تــــــــــــــــــــــــارا: أهذا ما لفت انتباهك, يا شقـران؟ ألا تخبرهم بسبب استدعائك لهم؟
رجل أمّن ثان: أجل, يا سيّدي. لماذا استدعيتنا؟ لا نستطيع دحر الخطر عنكم إذا جهلنا مصدره.
شقــــــــــــــــــران: له مصادر كثيرة, أيّها الحارس.
رجل أمّن ثان: أعرف هذا, يا سيّدي. أنت تجتذب إليك خصومًا كثيرين, لكن نريد معرفة مصدر الخطر الذي استدعيتنا من أجله حتى نتخلص منه.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما هو سبب استدعائك لهم, يا شقـران؟ أخبرهم بسرعة, لقد حطّموا ضلوعي. 
شقــــــــــــــــــران: (لنفسه) أليس هذا سببًا وجيهًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ماذا تقول؟ لا أسمعك.
رجل أمّن ثان: لمَ استدعيتنا, يا سيّدي, قل ولا تخف, نحن معك.
شقــــــــــــــــــران: كلّهم يقولون إنّهم معي, لكنّهم داخليا ينتظرون سقوطي, ولولا أنّهم يحصلون على ما يريدون مني لسلخوا جلدي.
رجل أمّن ثان: أعرف ذلك, يا سيّدي. (لنفسه) معهم كلّ الحق.
شقــــــــــــــــــران: ماذا قلت, أيّها الحارس؟
قلت: كان الله في عونك, يا سيّدي. والآن ما الذي هدّد سلامتكم, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: إنّهم يهاجموننا, أيّها الحارس. قف عند الدرابزين وانظر إلى أسفل. من المؤكد أنّهم خرجوا الآن.
(يذهب رجل أمّن ثان ويتكئ على الدرابزين وينظر إلى أسفل) لا أرى أيّ تهديد لسلامتكم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: انظر إلى الأنفاق التي تخترق الحديقة.
تــــــــــــــــــــــــارا: (مذعورة) أنفاق!
شقــــــــــــــــــران: نعم أنفاق, مثل التي رأيتها في الكوابيس.
رجل أنت ثان: لا أرى أنفاقًا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (مذعورًا) هل أكذب أنا؟
رجل أمّ ثان: حاشى لله, يا سيّدي, لكنّني لا أرى أنفاقًا. تعال, يا سيّدي, وانظر بنفسك.
شقــــــــــــــــــران: لا أستطيع, رجلاي لا تقويان على حملي.
رجل أمّن أول: (للحارسين فوقه) احملاه إلى هنا, أيّها الحارسان.
شقــــــــــــــــــران: (يحمله الحارسان فينظر إلى أسفل ويبدأ بالصراخ) نزّلوني، نزّلوني.
رجل أمّن ثالث: لا تخف, يا سيّدي, نحن معك.
شقــــــــــــــــــران: كلّهم يقولون ذلك في البداية, وعندما تتأزّم الأمّور يتنصلون من المسؤوليّة.
رجل أمّن ثالث: لا يمكننا التنصل كالآخرين, يا سيّدي. هذا هو عملنا.
شقــــــــــــــــــران: أنتم تقولون ذلك لكلّ رئيس حكومة, ليس لكم ولاء ثابت.
رجل أمّن ثالث: هذه طبيعة مهنتنا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: طبيعتكم أن لا ولاء لكم. طبعًا ولاؤكم دائما لمن يحكم, لا فرق بينكم وبين الآخرين.
رجل أمّن ثالث: ربّما, يا سيّدي, والآن انظر جيّدًا، هل ترى أنفاقًا في الحديقة؟
شقــــــــــــــــــران: نعم, ألا ترى تلك المسالك التي تخترق الحديقة؟
رجل أمّن ثالث: أجل, ماذا بخصوصها, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: أرى مثلها كلّ ليلة, أيّها الحارس.
رجل أمّن ثالث: أين يا سيّدي, في الحديقة؟
شقــــــــــــــــــران: لا, في منامي, في الكوابيس التي تطاردني.
رجل أمّن ثالث: أَمِن أجل هذه استدعيتنا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أجل, هيّا نزّلوني, نزّلوني, إلى الملجأ, إلى الملجأ.
رجل أمّن ثالث: لقد نزلتَ كثيرًا في الآونة الأخيرة، يا سيّدي.
رجل أمّن ثان: والشعب كلّه نزل معك, يا سيّدي. ألا يكفينا نزول إلى الملاجئ؟
شقــــــــــــــــــران: كيف وهم يلاحقوننا باستمرار؟
رجل أمّن أول: (يترك تـارا ويسير نحو الدرابزين وينظر إلى أسفل) لا داعي للخوف, يا سيّدي, (للحرّاس) تعالوا وانظروا.
(ينهضون فتنهض تارا غاضبة, ثم ترتب بيجامتها وتمشط شعرها بأصابعها وتتجه معهم إلى الدرابزين)
تــــــــــــــــــــــــارا: ما الذي أخافه, أيّها الحارس.
رجل أمّن أول: (مشيرًا إلى المسالك) تلك المسالك, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (تنظر إلى شقران غاضبة) هل أخافتك تلك المسالك, يا شقران؟
شقــــــــــــــــــران: (بعد أن نزّلوه على الأرض) هذه ليست مسالكًا, بل أنفاقًا. لماذا لا تفهمون, إنّها أنفاق, وقريبا سيخرجون منها, الفرار الفرار.
رجل أمّن أول: هذه مسارات حفرها خلد, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: إذًا كلامي صحيح, يا تـارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: كيف صحيح, يا فصيح؟
شقــــــــــــــــــران: من يخرج من النفق الذي أراه في الكابوس يشبه الخلد تمامًا, ثم انظري كم نفقًا في الحديقة. لا يستطيع خلد واحد أن يحفر كلّ هذه الأنفاق بمفرده.
رجل أمّن أول: ربّما عدد من الخلدان, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هم كذلك يحفرون معًا ويخرجون معًا.
رجل أمّن أول: اهدأ, يا سيّدي, ليس هناك ما يدعو لمثل هذا الخوف.
شقــــــــــــــــــران: لن أهدأ حتى تقتلوهم جميعًا.
رجل أمّن ثان: حاضر, يا سيّدي, سنقتل الخلدان جميعها.
شقــــــــــــــــــران: (محتجًا) هم ليسوا خلدانًا, أيّها الحارس.
رجل أمّن ثالث: من هم إذًا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: ذوو اللحى السوداء, لقد وصلوا إلينا. هيّا أخرجوا إلى الحديقة وفجروا أنفاقهم واقتلوهم. أريد أن أراهم مقطعين إربًا إربًا. هيّا اخرجوا, أمّ أنّكم لا تصلحون لمثل هذا العمل.
رجل أمّن أول: اطمئن, يا سيّدي, سنقتلهم جميعًا.
شقــــــــــــــــــران: سأنتظر هنا حتى أتأكّد من ذلك.
تــــــــــــــــــــــــارا: هيّا ندخل غرفتنا, يا شقـران, ودع الحرّاس يقومون بواجبهم.
شقــــــــــــــــــران: هيّا انزلوا وقوموا بواجبكم, أمّ أنّ واجبكم يقتصر على خنقنا تحت أجسادكم.
رجل أمّن ثان: لا تقلق, يا سيّدي, سنفعل كل ما يجب فعله. أنصحك بأن تدخل غرفتك وتستريح.
شقــــــــــــــــــران: سأبقى هنا لأراقب ما ستفعلون. هيّا فجّروا الحديقة واخرجوهم, هيّا.
رجل أمّن أول: سأنزل حالًا وأطلب من مدير البيت أن يعطينا الأدوات المناسبة لحفر المسارات. هيّا بنا يا حرّاس, اتبعوني.
تــــــــــــــــــــــــارا: أتركوا الأمّر, يا حرّاس, لا داعي لحفر الحديقة وتشويهها. هيّا, يا شقــران, هيّا ندخل ولا داعي لفضائح أخرى.
شقــــــــــــــــــران: (محتجًا) قلت لك لن أدخل. ادخلي أنت إن أردت ذلك.
تــــــــــــــــــــــــارا: (محبطة) ابق هنا وحدك, أمّّا أنا فسأدخل غرفتي وأطلب "المعجزة" التي لم أحصل عليها حتى الآن, وقبل أن أدخل انتبه إلى شفتيك فقد انتفختا كثيرًا.
شقــــــــــــــــــران: افعلي ما تشائين, أنا باق هنا.
(تغادر تــارا الشرفة بينما ينتظر شقــران ظهور الحرّاس في الحديقة. يخرج الحرّاس بعد عدة دقائق ومعهم أدوات حفر ويبدؤون بحفر المسالك. بعد مرور ساعة من الحفر ينجح أحد الحرّاس بإخراج خلد من مخبئه, يحاول الإمساك به لكنّه يراوغه طويلًا ويُفشل محاولاته, لكنّه ينجح أخيرًا بالقبض عليه. ثم يرفع الخلد ويلوّح به في الهواء حتى يراه شقــران ويتأكد من حقيقته. وفجأة يعضّ الخلد يد الحارس فيسقطه أرضًا وهو يصرخ من الألم.)
شقــــــــــــــــــران: (قبل أن يدخل الغرفة) هل تصدقني الآن؟ ها هو قد عضّ يدك. قلت لكم هم يتصرفون مثل الخلدان, قلت لكم.
(يدخل السكرتيـــر لاهثًا)
السكرتيــــــــــــر: بحثت عنك في مكتبك, يا سيّدي, ولم أجدك, فأخبرتني تـارا أنّك في الشرفة. (ينظر إلى شقــران) ما الذي يجري هنا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: لقد وصلوا إلينا, أيّها السكرتيــر.
السكرتيــــــــــــر: كيف علمت, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: كيف علمت! انظر إلى أسفل لترى بنفسك.
السكرتيــــــــــــر: لا أفهمك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: كلّكم لا تفهمون وعليّ أن أفهم بدلًا منكم.
السكرتيــــــــــــر: من أجل ذلك تمّ انتخابك لمنصب رئيس الحكومة.
شقــــــــــــــــــران: لكنّني أمّوت خوفًا.
السكرتيــــــــــــر: امسك أعصابك, يا سيّدي, قبل أن يصلوا.
شقــــــــــــــــــران: قلت لك إنّهم وصلوا, ألا تفهم ما أقوله لك.
السكرتيــــــــــــر: أنا أتكلّم عن القائد العام للجيش ومن معه, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لقد جاءوا في الوقت المناسب. هيّا أدخلهم فورًا، الويل لكم, ايّها الخلدان, لن تحميكم الأنفاق مني أبدًا.

 

 

 

 

 

 


الفصل‭ ‬الأول‭ ‬
المشهد‭ ‬الخامس
(شقــــــــــــــــــران يجلس في مكتبه الخاص مع السكرتيـــر وخمسة من القادة العسكريّين, من بينهم القائد العام.)
شقــــــــــــــــــران: طلبت مقابلتكم, ايّها القادة, للتشاور معكم حول موضوع في غاية الأهميّة وأرجو أن يظلّ الأمّر داخل هذه الجدران حاليًا.
القائد العام: (بملامح قاسية وصوت متهدّج) سيّدي, هناك خبر عاجل عليك معرفته قبل الحديث عن أيّ موضوع آخر.
شقــــــــــــــــــران: ما الأمّر, أيّها القائد؟
القائد العام: علمنا قبل قليل أن عددًا من الربليكيّين قد تسلّلوا إلى مستوطنة "دمار" واقتحموا مخزنًا وسرقوا منه بضع صناديق من النور. ومنذ أن علمنا بالأمّر نقوم بعملية تفتيش واسعة النطاق في المنطقة حتى نعيدهم إلى الظلام.
شقــــــــــــــــــران: أريدكم أن تجدوا النور بأقرب وقت ولكم مطلق الحريّة في اتخاذ أيّ قرار أو وسيلة من أجل ذلك.
قائد الجيش: سنعيدهم إلى الظلام, يا سيّدي, لا تقلق.
قائد عسكري أول: سنفعل كل ما يجب فعله, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لا تتهاونوا ولا تأخذنّكم رحمة ولا رأفة بأحد منهم.
قائد عسكري ثان: لا تقلق, يا سيّدي, لن يحظوا بليلة منيرة واحدة.
شقــــــــــــــــــران: أعيدوهم إلى الظلام, أيّها القادة. هذه مهمتكم ومستقبلكم مرتبط بنجاحها.
قائد عسكري رابع: سنعيدهم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: وفقكم الله, أيّها القادة.
(يخرج القادة العسكريون ويبقى شقران والسكرتير)
شقــــــــــــــــــران: (يفتح علبة السجائر الذهبيّة, يخرج سيجارًا ويشعله ثم يميل بكرسيّه إلى الوراء ويبدأ بتدخين سيجاره بارتياح ما) كالعادة قذفوا إليّ بطوق النجاة.
السكرتيــــــــــــر: (متكئًا على الطاولة قريبًا من شقـران) من, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: الربليكيّون طبعًا.
السكرتيــــــــــــر: كيف, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: كلّما واجهتني أزمة سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة حتى قانونيّة, ارتكبوا حماقة جعلت شعبنا ينسى أو يتناسى مطالبه ويقف إلى جانب حكومته ضدّ العدو المشترك.
السكرتيــــــــــــر: صحيح, يا سيّدي, لكن إلى حين.
شقــــــــــــــــــران: حتى لو كان ذلك إلى حين, فهو يمنحني الوقت الكافي للخروج من الأزمة. ألم أتخلص هكذا من أزمات كثيرة واجهتني من قبل؟
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, لكن الثمن الذي كنا ندفعه كلّ مرّة كان غاليًا جدًا.
شقــــــــــــــــــران: والثمن الذي كانوا يدفعونه كان أغلى بعشرات أو حتى بمئات المرّات.
السكرتيــــــــــــر: بماذا تفكر, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: كما قلت لك, هم دائمًا يقّدمون لي الذريعة لضربهم. لكن هذه المرّة سأضربهم الضربة القاضية.
السكرتيــــــــــــر: ما الخطة, يا سيّدي, إن اذنت لي بالسؤال؟
شقــــــــــــــــــران: سأعلن الحرب عليهم سواء أعثروا على صناديق النور أمّ لم يعثروا عليها. لن أدع فرصة كهذه تضيع من بين يديّ. سأصفعهم صفعة قد تسمّى بصفعة القرن، صفعة تسحقهم سحقًا عندها سيعرف شعب همليكا من ملكهم.
السكرتيــــــــــــر: ألا تنتظر حتى يعثروا عليها ونتجنب المواجهة وإثارة العالم ضدّنا.
شقــــــــــــــــــران: الحرب هي التي توحّد الهمليكيّين وتشغلهم بأمّور أخرى بعيدة عن مطالبهم التي لا تنتهي.
السكرتيــــــــــــر: المعارضة واليسار والصحفيّون لن يسكتوا, سيهاجمونك بشراسة, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: كيف تقول هذا وأنت أكثر الناس معرفة بهم؟ من يجرأ منهم على مهاجمة الحكومة والدولة في حالة حرب بل ووجودها في خطر؟ بالعكس سيقفون إلى جانبنا ربّما أكثر من بعض وزرائنا.
السكرتيــــــــــــر: لا أستطيع إنكار ذلك. يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: مهمّتك الآن, أيّها السكرتيـر, أن تحدّد لي موعدًا آخر مع القائد العام.
السكرتيــــــــــــر: حاضر, يا سيّدي.
(يخرج السكرتيــــر من باب واحد وتدخل تــارا في لباس طويل فضفاض من باب ثان)
شقــــــــــــــــــران: جئت في الوقت المناسب, يا تــارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) ماذا تريد؟ ألا تراني غاضبة وتريد أن تغضبني أكثر؟
شقــــــــــــــــــران: ( متردّدًا) تمنّيت لو ....
تــــــــــــــــــــــــارا: (تنظر إليه ثائرة) ماذا تمنّيت؟
شقــــــــــــــــــران: (ما زال متردّدًا) تمنّيت لو.....تدلّكين....كتفيّ....قليلًا. فهما يؤلمانني كثيرًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (دون أن تنظر إليه) لتبق في خانة التمنّي إذًا.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تقصدين؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أقصد أن الريح لا تهبّ في البحر كما تشاء.
شقــــــــــــــــــران: لا أحبّ السفن ولا الرياح.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل يخيفك البحر, يا شقـران؟
شقــــــــــــــــــران: منذ تلك الحادثة التي مرمرتني, لا أحبّ السفن حتى لو كانت سفنًا صديقة.
تــــــــــــــــــــــــارا: لقد انتهت تلك الحادثة, أمّا تزال تذكرها؟
شقــــــــــــــــــران: كيف أنساها وقد قدم طبل- مان قليلاً من الفلافل لسفيرهم. ألم يكن باستطاعته تقديم صحن من الشوارما حتى يعرفوا أننا نعدّها أفضل منهم؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) يا له من حقير.
شقــــــــــــــــــران: من, طبل- مان؟
تــــــــــــــــــــــــارا: المخنث.
شقــــــــــــــــــران: (مستغربًا) أهو مخنث بالإضافة لكونه بخيلًا؟ لم أعرف ذلك من قبل.
تــــــــــــــــــــــــارا: طبعًا هو مخنث, ومن وظّفه أيضًا مخنث مثله.
شقــــــــــــــــــران: أنا مخنث, يا تــارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: من قال إنك مخنث, يا شقـران؟
شقــــــــــــــــــران: أنت, ألم تقولي الآن إن طبل- مان مخنث ومن وظّفه مخنث أيضًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: قصدت المخنث الذي قلّم أظافري.
شقــــــــــــــــــران: (راضيًا عن نفسه) ليس طبل- مان ولست أنا, الحمد لله.
(يدخل السكرتيــر ومعه مجموعة من الصحف والملفات)
السكرتيــــــــــــر: صباح الخير, يا سيّدي, صباح الخير يا سيّدتي, الحمد لله أنّك هنا, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل أستطيع ألّا أكون هنا, أيّها السكرتيــر؟
السكرتيــــــــــــر: بالطبع لا, وجودك مهم جدًا, يا سيّدتي, إذ دونك لا يُتّخذ أيّ قرار وأمّامكما عدّة قرارات عليكما اتخاذها.
شقــــــــــــــــــران: هل حدّدت لي موعدًا مع القائد العام؟
السكرتيــــــــــــر: نعم, يا سيّدي, يوم السبت القادم
شقــــــــــــــــــران: لنترك الأمّر إذًا حتى يوم السبت القادم.
تــــــــــــــــــــــــارا: عن أيّ أمّر تتحدثان؟
شقــــــــــــــــــران: سأخبرك به لاحقًا, يا تــــارا. أمّّا الآن فلنقرر بشأن الحديقة.
السكرتيــــــــــــر: هناك شأن ملّح أكثر من الحديقة, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (مستغربًا) أكثر من الحديقة! ما هو؟
السكرتيــــــــــــر: الانتخابات القريبة لرئاسة همليكا. هناك كما تعلمان عدّة مرشحين, فمن من بينهم ستدعمانه؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هل علينا أن نقرر الآن؟
سكرتيــــــــــــــــر: أجل, يا سيّدتي, فجميع المرشحين ينتظرون قراركما. بدون دعمكما لا أمّل لأيّ واحد منهم.
شقــــــــــــــــــران: اللعنة, أنت لا تحبين أحدًا منهم.
تــــــــــــــــــــــــارا: صحيح, لذلك لا داعي للكشف عن موقفنا الآن, دعهم يتكهنون كما يشاؤون.
سكرتيــــــــــــــــر: لماذا, يا سيّدي, أقصد يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: حتى ينافقون لنا أكثر وأكثر. ما أقبح نفاقهم لنا.
شقــــــــــــــــــران: أنا شخصيًا أحبّ نفاقهم, فهو أجمل ما فيهم.
السكرتيــــــــــــر: كلّهم كاذبون, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أعرف ذلك وأعرف أنّهم يريدون البقاء على حسابي, أنا الوحيد الذي أعيش من أجل الشعب.
سكرتيــــــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, لذلك يعيش جميع أفراد الشعب برخاء ورفاهية وهم يشكرونك على ذلك.
شقــــــــــــــــــران: لكن الإعلاميّين لا يتوقفون عن مهاجمتي, تباً لهم.
سكرتيــــــــــــــــر: لا تنتبه لما يكتبون, يا سيّدي, فهم يعيشون على الإشاعات والفضائح, وفضائحكما كثيرة, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (مستهجنًا) فضائحنا!
السكرتيــــــــــــر: أقصد ما يشيعونه عنكم.
تــــــــــــــــــــــــارا: ( ثائرة) هذه فضيحة كبرى.
سكرتيــــــــــــــــر: (معتذرًا) آسف, يا سيّدي, يا سيّدتي, كنت أتحدث عن الإعلاميين.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما شأني بالإعلاميين؟
سكرتيــــــــــــــــر: هم يثيرون الإشاعات عن فضائحكما, وأنتما بريئان منها براءة الذئب من ابن يعقوب.
شقــــــــــــــــــران: لا تذكرني بابن يعقوب, لن أسامحه على ما فعله بنا.
سكرتيــــــــــــــــر: ليس أبن يعقوب هذا, يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: يا لها من فضيحة كبرى!
سكرتيــــــــــــــــر: أيّة فضيحة, يا سيّدتي, فالفضائح كثر؟
تــــــــــــــــــــــــارا: إلاّ هذه, فهي الفضيحة التي لا غفران لها.
سكرتيــــــــــــــــر: زيديني علمًا بها, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: انظر لقد سقط اظفري, أليست هذه فضيحة كبرى.
شقــــــــــــــــــران: سقط اظفرك! طبعًا هذه فضيحة كبرى, لا شكّ أنه يؤلمك جدًا. أنستدعي الطبيب, يا تـارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أقصد اظفري الحقيقي, بل الاصطناعي.
شقــــــــــــــــــران: هذه فضيحة أكبر وأعظم, أليس كذلك, أيّها السكرتيــر؟
سكرتيــــــــــــــــر: أجل, يا سيّدتي, أقصد سيّدي, والآن ما الذي تنوي فعله؟
شقــــــــــــــــــران: سأطرده.
تــــــــــــــــــــــــارا: ألآن وليس غدًا, يا شقـران, حتى يكون عبرة لغيره.
السكرتيــــــــــــر: أقصد ما الذي ستفعله بالنسبة لمرشحي الرئاسة.
شقــــــــــــــــــران: اليوم يوم راحتي, ليس يوم اتخاذي لقرارات حاسمة.
سكرتيــــــــــــــــر: لكنّك دائما تتّخذ قراراتك الحاسمة هنا في البيت حتى وأنت في المرحاض.
شقــــــــــــــــــران: شكرًا لك, لقد ذكرتني بالمرحاض. ما أسهل أن يصل الإنسان إلى قرار صائب وهو في المرحاض.
سكرتيــــــــــــــــر: هناك مشكلة, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: متعلقة بالمرحاض؟
سكرتيــــــــــــــــر: لا, يا سيّدي, مشكلة المرحاض مثلها كمثل مشكلة الستائر قد حلّت. كنت أقصد أنّك تنسى في الغداة ما قررته بالأمّس, فيبدأ كلّ شيء من جديد, وهكذا يمرّ أسبوع ثم أسبوع دون اتخاذ أيّ قرار في أيّة مشكلة.
شقــــــــــــــــــران: أليس هذا العمل حكيمًا, أيّها السكرتير؟
سكرتيــــــــــــــــر: كيف, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: يريحني من اتخاذ قرار عاجل.
سكرتيــــــــــــــــر: لكن هناك أمّور تستدعي اتخاذ قرار عاجل, يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: أجل, مثل سقوط اظفري الاصطناعي.
سكرتيــــــــــــــــر: من بين أمّور أخرى, يا سيّدتي, مثل موقف سيّدي من ترشيح السيد أفروري لرئاسة الدولة.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تريدني أن أقول, أيّها السكرتير؟
سكرتيــــــــــــــــر: هل ستدعمه؟
شقــــــــــــــــــران: لم أقرّر بعد.
سكرتيــــــــــــــــر: لكنّه يشعر أو جعلته يشعر أنّك ستدعمه. ألم تعاتقه أمّام الجميع؟ لقد أصابتهم الدهشة كالصاعقة حينما شاهدوك تعانقه.
شقــــــــــــــــــران: لماذا أصابتهم الدهشة؟
شقــــــــــــــــــران: لأنّك لم تعانق أحدًا من قبل.
شقــــــــــــــــــران: هذا لأنّني ممثل بارع, أليس كذلك؟
سكرتيـــــــــــــــر: لا أشك في ذلك, يا سيّدي. فلديك مهارة فائقة في جعل كلّ واحد يعتقد أنّك صديقه, بينما أنت أكثر الناس خوفًا منه. هل لي أن أسألك, يا سيّدي, سؤالًا صريحًا؟
شقــــــــــــــــــران: تفضل.
سكرتيــــــــــــــــر: لديّ إحساس أنّك لن تدعم السيد أفروري, هل أنا محقّ في إحساسي هذا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: إحساسك في محلّه, أيّها السكرتيـر, لست مجنونًا حتى أدعمه.
السكرتيــــــــــــر: لماذا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: له طموحات أكبر من حجمه, أهمّها أنه يريد أن يجلس على كرسيّي هذا. أراد ذلك في الماضي وما زال يخطط للوصول إليه.
سكرتيـــــــــــــــر: لكنّه نفى ذلك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هل أنا غبيّ حتى أصدّقه, فكرسيّ الرئاسة بالنسبة له مجرد حجر يخطو عليه للوصول إلى منصبي هذا.
سكرتيــــــــــــــــر: ( لتارا) وأنت, يا سيّدتي. ما رأيك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أنا أدعم رأي شقـران, لذلك تجدني لا أتدخل في حواركما.
سكرتيــــــــــــــــر: هل لي أن أعرف السبب, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أحبّ زوجته, أليس هذا سببًا وجيهًا بذاته؟
سكرتيــــــــــــــــر: طبعًا, يا سيّدتي, لكن....
تــــــــــــــــــــــــارا: بدون لكن, لن أوضح لك أكثر من ذلك.
سكرتيــــــــــــــــر: لكنّ الإعلاميين يقولون...
تــــــــــــــــــــــــارا: اللعنة عليهم جميعًا.
شقــــــــــــــــــران: ماذا يقولون, أيّها السكرتيــر؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا تقل شيئًا, لا يهمّني ما يقولون, لا يهمّني. ليقولوا إنّي أغار منها, لا يهمّني, ليقولوا إنّها أكثر ذكاءً مني, لا يهمّني, ليقولوا إنّها محبوبة أكثر مني, لا يهمّني, ليقولوا إنّها تظهر في وسائل الإعلام أكثر مني, لا يهمّني. وحتى أقنعك أنّي لا أهتم بما يقولون سأطلب من ذلك المخنث أن يأتي لإلصاق اظفري من جديد.
شقــــــــــــــــــران: (متفاخرًا) هذه هي زوجتي, محاربة عنيدة.
سكرتيــــــــــــــــر: ويقولون إنّك تدعمين السيّد لاشي لأن زوجته لا تشكل تحديًا لك لأنّها كبيرة بالسن؟
تــــــــــــــــــــــــارا: بل لأن زوجها رجل طيب. ثم منذ متى تهمّني إشاعات الإعلاميّين.
سكرتيــــــــــــــــر: أعرف ذلك, يا سيّدتي, أعرف ذلك. والآن ما هو قرارك، يا سيّدي بالنسبة للسيّد دولفين.
شقــــــــــــــــــران: لا أحبّه, لا أريده.
سكرتيــــــــــــــــر: لكنّه من حزبك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران:أعضاء حزبي هم الذين يخيفونني بشكل خاص. لا تستهن بهم ولا تنخدع بابتساماتهم. كن مثلي, أيّها السكرتيـر, وكما يقول مثلنا "احترمه ولا تثق به."
شقــــــــــــــــــران: لكنّه محبوب لدى الناس, يا سيّدي. وللحقيقة أقول إنّه أقل المرشحين فسادًا.
شقــــــــــــــــــران: أنا لا أحّبه لأنّه يذكرني بالدولفين, فابتسامته تذكرني بالدلافين, حتى اسمه دولفين, أيّ مصادفة غريبة هذه, أليس كذلك؟
سكرتيــــــــــــــــر: لكنّه محبوب, يا سيّدي, كما سبق وذكرت لك.
شقــــــــــــــــــران: طبعًا الدلافين تحبّ الناس والناس يحبّونها. لكنّ ابتسامته لا تخدعني, وأنا لا أنسى مواقفه ضدّي أنا شخصيًا.
سكرتيــــــــــــــــر: لا أذكر أنّه أساء إليك, يا سيّدي.
 شقــــــــــــــــــران: هل نسيت تجاهله اقتراحاتي ورغباتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أمّا أنا فأكرهه جدًا جدًا.
سكرتيــــــــــــــــر: لماذا, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هل نسيت ماذا كان يقول لأصحابه؟
سكرتيــــــــــــــــر: كان يقول أشياء كثيرة, يا سيّدتي. هل ذكرتني بشيء محدّد؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ألم يناديني أمّام أصدقائه "طارا" بالطاء وليس بالتاء؟
سكرتيــــــــــــــــر: لماذا فعل ذلك, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: حتى يشبهني بصورة البقرة التي على علبة حليب "طارا". أتريدني بعد ذلك أن أحبّه؟
شقــــــــــــــــــران: يبدو أنّه نسي أنّه دولفين اسمًا وشكلًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ضاحكة) على رأيك.
سكرتيــــــــــــــــر: ما هو موقفك, يا سيّدي, من المرشح كوكو والمرشح فوفو والمرشح توتو والمرشحة ســـوسو؟
شقــــــــــــــــــران: لقد خطرت في بالي فكرة, أيّها السكرتيــر.
تــــــــــــــــــــــــارا: منذ متى تخطر في بالك أفكار, يا شقــران؟
شقــــــــــــــــــران: أحيانًا الكراهية تجعلك تفكّر في أمّور ما كانت لتخطر لك ببال.
سكرتيــــــــــــــــر: مثل ماذا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: سأعطيك مثلا وليبق الأمّر بين جدران هذه الغرفة فقط.
سكرتيــــــــــــــــر: هل لديك شك في ولائي, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: اعذرني, أيّها السكرتيــر. أنت تعرف أنّ في السياسة خاصة وفي همليكا بالذات ليس هناك مكان للولاء والوفاء والصداقة والأمّانة. فالكلّ هنا يتصرف كالجرذان عندما تغرق السفينة. أنظر ما يحدث في قضية.....
سكرتيــــــــــــــــر: أيّة قضية, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ذكرني بها,غاب اسمها عن ذهني الآن.
سكرتيــــــــــــــــر: لا أعرف عن أيّة قضيّة تتحدث فقضايا السياسيّين عندنا لا عدد لها.
شقــــــــــــــــــران: تلك القضية المتورطة فيها امرأة اسمها يدلّ على الشيخوخة أو اللحية, لا أذكر بالضبط, المهم أنّها تصرفت بنفس أسلوب ونهج الجميع.
سكرتيــــــــــــــــر: كيف, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: تركت السفينة تغرق حتى تنجو بنفسها, والآن الجميع يستمع إلى تسجيلاتها.
سكرتيــــــــــــــــر: أتقصد أنّني سأصبح شاهد ملك مثلها؟ هذه إهانة لي إن قصدت ذلك, يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: "احترمه ولا تثق به" أليس هذا ما توارثناه عبر الأجيال؟
سكرتيــــــــــــــــر: (ممتعضًا) أجل, يا سيّدتي, لكنّني لن أفعل مثلها.
شقــــــــــــــــــران: (لنفسه) لنحيا ونرى، ربّما تكون أنت أوّل شهود الملك ضدّي أو ضدّ زوجتي، من يدري؟
سكرتيــــــــــــــــر: ماذا قلت, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: لا شيء, لا شيء. ماذا كنا نقول من قبل, أيّها السكرتيـر؟
سكرتيــــــــــــــــر: قلت إنّ فكرة خطرت ببالك, يا سيّدي, لكنّك لم تذكر ما هي.
شقــــــــــــــــــران: نعم, نعم, ذاكرتك جيّدة, أيّها السكرتيــر.
تــــــــــــــــــــــــارا: (لنفسها) هذا لا يطمئن.
سكرتيــــــــــــــــر: هل قلت شيئًا, يا سيّدتي؟
تــــــــــــــــــــــــارا: قلت إنّ عمل ذلك المخنث لا يطمئن.
سكرتيــــــــــــــــر: أجل, يا سيّدتي, ما كان عليه أن يدعوك "طارا".
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أقصده مع أنّني غاضبة عليه, لكنّني أقصد من ركبّ لي أظافر اصطناعيّة. أنظر كيف سقط أحدها.
شقــــــــــــــــــران: سأطرده عندما تقع عيناي عليه, ولمَ....
تــــــــــــــــــــــــارا: (مكملة الجملة المعهودة) أنتظر بلا بلا بلا.
سكرتيــــــــــــــــر: (ممتعضًا) ما هي الفكرة, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: الفكرة أن أدعو إلى تأجيل انتخابات الرئاسة أو حتى إلغاء منصب رئيس الدولة.
تــــــــــــــــــــــــارا: لماذا تكون سيّدة أولى أخرى؟ ألا يكفي أن أكون أنا السيّدة الأولى والأخيرة؟
شقــــــــــــــــــران: لماذا يقاسمني المجد رجل آخر؟ لماذا لا أكون أنا الرجل الأول والأخير؟
سكرتيــــــــــــــــر: هو لا يقاسمك المجد, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لماذا نحتاج إلى منصبه إذًا؟
سكرتيــــــــــــــــر: من أجل الشرف, يا سيّدي. (يقهقه شقــران) ما الذي أخرجك عن طبيعتك, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: تذكرت قول برنارد شو لشرشل "أنا أكتب من أجل المال", فقال له شرشل "وأنا أكتب من أجل الشرف", فأجابه برنارد شو "كل واحد يبحث عمّا ينقصه". وهل على الدولة أن تموّل منصب إنسان من أجل أن توفر له الشرف.
سكرتيــــــــــــــــر: اتّفق معك, يا سيّدي (مضيفًا لنفسه) على الأقلّ هذه المرّة.
شقــــــــــــــــــران: أعرف ذلك, أيّها السكرتيــر, (لنفسه) يعتقد الغبيّ أنني صدقته. هيّا, يا طارا...
تــــــــــــــــــــــــارا: (ترفع عينيها عن أظافرها) ماذا دعوتني, يا شقـران؟
شقــــــــــــــــــران: آسف, يا عزيزتي, زلة لسان. لعنك الله أيّها..., أنت السبب. هيّا, يا عزيزتي, لندخل غرفتنا, لقد أرهقنا العمل كثيرًا رغم أنّ اليوم يوم راحتنا الأسبوعية. لكن إذا كان الإرهاق من أجل همليكا فلا بأس في ذلك. إلى اللقاء غدًا, أيّها السكرتيـر.
سكرتيــــــــــــــــر: إلى اللقاء, يا سيّدتي, إلى اللقاء.
(يخرج السكرتيــر من باب واحد ويدخل شقران وتارا من باب آخر)

 

 

 

 

 


الفصل‭ ‬الثاني
المشهد‭ ‬الأول
(مكتب شقــران, شقــران في انتظار القائد العام يقوم بحركات راقصة. يظهر شبح أمّامه)
الشبـــــــــــــــــح: أترقص على دمائي؟
شقــــــــــــــــــران: (ينظر حوله مذعورًا) من هذا؟
الشبـــــــــــــــــح: ألا تراني, يا شقران؟
شقــــــــــــــــــران: (يرى الشبح فيتراجع إلى الوراء حتى يصطدم بالكرسيّ فينهار عليها) من أنت, وماذا تريد؟ إن كنت تعتقد أنّني هاملت, فاعلم أنني لست بهاملت.
الشبـــــــــــــــــح: أعرف أنّك لست بهاملت ولا تستطيع أن تكون مثله.
شقــــــــــــــــــران: بل أنا أفضل منه, فأنا لا أتردّد مثله.
الشبـــــــــــــــــح: صحيح أنّه كان متردّدًا, لكن في النهاية وصل إلى قرار, أمّّا أنت فستظل متردّدًا وتموت متردّدًا, وإن اتخذت قراراً كان الهدف منه كسب مصالح انتخابيّة خاصة, بالإضافة إلى قرارات أخرى كانت عواقبها وخيمة ليس فقط على شعبك بل وعلى العالم بأسره.
شقــــــــــــــــــران: دعك من هذا الهراء وقل لي من أنت.
الشبـــــــــــــــــح: أنا الذي تقتلني يوميًا منذ أن وصلتَ إلى الحكم.
شقــــــــــــــــــران: (ما زال خائفًا) أنا لم أقتل أحدًا, من أنت, أرني وجهك.
الشبـــــــــــــــــح: من يعش في الظلام تصعب عليه رؤيتي.
شقــــــــــــــــــران: لا أفهمك.
الشبـــــــــــــــــح: طبعًا لا تفهمني, فمن يخطط لحرب جديدة لا يقدر على فهمي, بل يهرب من وجهي.
شقــــــــــــــــــران: كيف يهرب مِن وجهك مَن لا يراكَ.
الشبـــــــــــــــــح: من يخاف من وجهي لا يراه.
شقــــــــــــــــــران: ولمَ أخاف من وجهك؟
الشبـــــــــــــــــح: لأن وجودك قائم على الحرب. تنتهي الحرب فينتهي وجودك.
شقــــــــــــــــــران: دعك من هذا الهراء وقل لي من أنت, هل أنا أعرفك؟
الشبـــــــــــــــــح: طبعًا تعرف من وجوده ينهي وجودك. أمّّا إن كنت تجهلني وهذا أمّر مستحيل أقول لك إنّني فكرة رائعة, رؤيا شجاعة وجريئة, نظرة واقعيّة, حلم جميل وأمّل راق ومثلي لا يروق لك, والأسوأ من ذلك أنّك تخطط لقتلي مجددًا. لذلك استبعد أن تفهمني أو تراني.
شقــــــــــــــــــران: لست أعمى حتى لا أراك.
الشبـــــــــــــــــح: أعمى البصيرة أسوأ بألف مرّة من أعمى البصر.
شقــــــــــــــــــران: سألتك من أنت؟ مستحيل أن تكون شبحًا, أرني وجهك.
الشبـــــــــــــــــح: كيف يكون الشبـح إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: أولًا لا يوجد أشباح في العالم, الأشباح موجودة فقط في الأساطير, ثانيًا الأشباح لا تتحدث في الفلسفة مثلك. هيّا أخبرني من أنت وإلّا..(يجبر شقــران نفسه على النهوض ويندفع نحو الشبـح فلا يستطيع الإمساك به فيصطدم بالحائط المقابل ومن ثمّ يرتد مذعورًا إلى كرسيّه.
الشبـــــــــــــــــح: هل اقتنعت الآن بأنّني شبح, أمّ أنك كالعادة لا تقتنع إلا برأي تـارا.
شقــــــــــــــــــران: (مندهشًا) هل تعرف تـارا أيضًا؟
الشبـــــــــــــــــح: بل وأعرفكم جميعًا، لقد جعلتموني شبحًا بدلًا من أن أكون حقيقة ينعم الشعبان بل والعالم بأسره تحت ظلاله.
شقــــــــــــــــــران: (مذعورًا) ماذا تريد مني؟ هل تريد قتلي؟
الشبـــــــــــــــــح: من يجد في الحرب وسيلة تنقذه من أزماته يقتل حتى نفسه في النهاية.
شقــــــــــــــــــران: لن أقتل نفسي أبدًا.
الشبـــــــــــــــــح: القتل الذي أتحدث عنه ليس ما تتصوره. إنّه قتلٌ يستخدم فيه سلاح من نوع آخر.
شقــــــــــــــــــران: طالما أنت شبح فأنا لا أهابك. من يهاب الموتى.
الشبـــــــــــــــــح: لست ميتًا, بل أنا حيّ والناس تنادي باسمي في جميع أنحاء المعمورة وترجو قدومي وحلولي. أمّّا أنت فحيّ ميت الآن وعندما تموت فعلًا ستظل ميتًا بالمعنى الذي أقصده.
شقــــــــــــــــــران: أنت الميّت ولا تقدر على حمل حتى سكين, ثمّ تأتيني لتتحدث عن سلاح خطير.
الشبـــــــــــــــــح: السلاح الذي أتحدث عنه سينال منك حتى بعد مماتك.
شقــــــــــــــــــران: ليكن الطوفان بعد مماتي.
الشبـــــــــــــــــح: هذا هو لسان حال الجبناء.
شقــــــــــــــــــران: عدت إلى فلسفتك الشبــحيّة إن صحّ التعبير.
الشبـــــــــــــــــح: طبعًا لا تستطيع فهمها, فمثلك لا يحسن فهم المواضيع العميقة.
(يقهقه شقران ساخرًا)
الشبـــــــــــــــــح: لا يليق الضحك بشفتيك.
الشبـــــــــــــــــح: وتعرف هذا أيضًا؟ يبدو أن الأشباح تعرف عني كلّ شيء.
الشبـــــــــــــــــح: والآن انتبه واسمع ما أقوله لك, فأنا لم أحضر لأثرثر معك.
شقــــــــــــــــــران: إذا كنت لا تريدني أن أنتقم من أحد أو أنتقم من نفسي, فلماذا ظهرت لي إذًا؟
الشبـــــــــــــــــح: كلّ ما تعرفه هو القتل والانتقام، لا تتقن صناعة أخرى أكثر إنسانيّة وحضاريّة.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تريد مني؟ قل أو انصرف!
الشبـــــــــــــــــح:أعرف أنّك تنتظر قائد الجيش, وأعرف ما تخطط له من شرّ تعتقد أنّه سيخلصك من أزماتك الداخليّة التي صنعتها بيديك. لتعلمنّ أنّ طريق الحروب لن تنجيك من شيء وبصراحة لا يهمّني أمّرك فأنا أعرف عقليّة أمّثالك, ما يهمّني هو خلاص الشعبين من الويلات والكوارث التي ستصيبهم بسبب عقلك الموتور.
شقــــــــــــــــــران: لن تصيب شعب همليكا أيّة كارثة فلا تقلق علينا.
الشبـــــــــــــــــح: وشعب ربليكا الذي تركته في الظلام , ألا أقلق عليهم أيضًا؟
شقــــــــــــــــــران: هذه مشكلتك ليست مشكلتي.
الشبـــــــــــــــــح: أنت تلعب بالنار ومن يلعب بالنار لا بدّ أن تكويه أيضًا, والمصيبة أنّني أعرف أنّها لن تكويك أنت بالذات, بل ستكوي شعبك الصامت المضلّل والمغيّب ومغسول الدماغ.
(يختفي الشبـح ويدخل السكرتيــر)
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) انتظر, قف مكانك, ارجع, تعال.
(السكرتيــر يقف ثم يرجع ثم يأتي ويبدو عليه التخبط والدهشة وعدم فهم ما عليه أن يفعله)
قلت لك ارجع, (يرجع السكرتيـر) لم تخبرني من أنت؟
السكرتيــــــــــــر: (لنفسه) من أنا؟ هل فقد ذاكرته حتى لم يعد يعرفني؟
شقــــــــــــــــــران: أين أنت؟ لماذا اختفيت؟
السكرتيــــــــــــر: (لنفسه) هل أصبح أعمى أيضًا؟ (رافعاً صوته) أنا ما زلت هنا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أنا لا أراك؟ اظهر, يا جبان.
السكرتيــــــــــــر: (لنفسه مندهشًا) أنا جبان. (رافعًا صوته) أنا خلفك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: خلفي! أتريد أن تغدر بي من الخلف؟
السكرتيــــــــــــر: أنا أغدر بك, يا سيّدي, مستحيل.
شقــــــــــــــــــران: قبل قليل, كنت تهاجمني, والآن تناديني سيّدي. هل تعرف الأشباح النفاق أيضًا؟
(تدخل تــــــــــــــــــــــــارا وتذهب إلى زوجها وهو ينظر إلى لا شيء.)
تــــــــــــــــــــــــارا: (تقف إلى جانب زوجها وتنظر إلى حيث ينظر) إلى أين تنظر, يا شقــران؟
شقــــــــــــــــــران: (ملتفتًا إليها ويقول مرتبكًا) إلى الخارج, يا تــارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: إذًا رأيته, ماذا ستفعل به؟
شقــــــــــــــــــران: (جالسًا على الكرسيّ منهارًا): بل وسمعته أيضًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: رأيته وسمعته وما زال في بيتنا, كيف؟
شقــــــــــــــــــران: (منهكًا) لا أعرف, لا أعرف.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) كيف لا تعرف وأنت تقول إنّك رأيته وسمعته. هل هذا كلام رجل عاقل؟
السكرتيــــــــــــر: لا أدري ما الذي حدث له في غيابي. يا سيّدتي. أنصحك بعرضه على طبيب نفسي قبل أن تستفحل حالته.
تــــــــــــــــــــــــارا: مرّة أخرى, لا, لا, لا. (لزوجها) على كلّ أنا طلبت منه القدوم إلى هنا حتى ننهي الأمّر.
شقــــــــــــــــــران: وأنا طلبت منه ذلك, لن يأتي, لن يأتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (حانقة) لن يأتي بعد أن طلبت منه.
شقــــــــــــــــــران: حتى بعد أن طلبت منه.
سكرتيــــــــــــــــر: دعني أتكلم معه, يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل تعرف عمن أتحدّث أنا؟
السكرتيــــــــــــر: لا، يا سيّدتي.
شقــــــــــــــــــران: هل تعرف عمن أتحدّث أنا؟
السكرتيــــــــــــر: لا, يا سيّدي.
تـارا وشقران معا: مع من ستتكلم إذًا؟
السكرتيــــــــــــر: مع القائد العام.
شقــــــــــــــــــران: القائد العام للجيش! لقد أنساني أمّره ذلك....
تــــــــــــــــــــــــارا والسكرتيـر معًا: من؟
شقــــــــــــــــــران: لا أحد, أين القائد العام, أيّها السكرتيــر؟
السكرتيــــــــــــر: في الخارج, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تنتظر, أدخله فورًا. (لتارا) هل تريدين البقاء معنا, يا تــارا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا, لا, لديّ ما هو أهم من الاستماع إلى حديثكم.
(تخرج تـارا, ثم يُدخل السكرتيــر القائدَ العام ويخرج)
شقــــــــــــــــــران: ما هي أخر الأخبار, أيّها القائد؟
القائد العام: للأسف لم نعثر على النور حتى الآن, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لقد مرّ على اختفائه عدّة أيام ولم تعثروا عليه، كيف؟
القائد العام: لم يبق حجر لم نقلبه, يا سيّدي, مع ذلك لم نعثر عليه, لكنّني واثق أنّنا عاجلًا أمّ آجلًا سنجده حتى نعيدهم إلى الظلام ثانية.
(يظهر الشبح ثانية)
الشبح: لن تجدوه.
شقــــــــــــــــــران: لن نجده!
القائد العام: أعدك أنّنا سنجده، يا سيّدي.
الشبح : لن تجدوه.
شقــــــــــــــــــران: (غاضبًا) اخرس.
القائد العام: (مستهجنًا) ماذا قلت حتى أخرس، يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لم تقل شيئًا.
القائد العام: إن لم أقل شيئًا فلماذا أخرس إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: لم أوجّه الحديث إليك.
القائد العام: لمن إذًا، يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: له (متداركًا نفسه) لا أحد، لا أحد.
الشبح: مهما تقتل مهما تدّمر لن تجد النور، لن تجده.
شقــــــــــــــــــران: وما أدراك أنّنا لن نجده؟
(ينظر إليه القائد العام متعجّبًا لكنّه يظلّ صامتًا)
الشبــــــــــــح : لأنّ النور الذي تبحثون عنه غير النور الذي أقصده.
شقــــــــــــــــــران: أيّ نور تقصد؟
الشبــــــــــــح : أقصد النور الإلهيّ الذي لا تستطيعون رؤيته إذ أنّه يُرى بالقلب لا بالعين، بالبصيرة لا بالبصر.
(يختفي الشبح)
شقــــــــــــــــــران: عد إلى هنا.
القائد العــــــــام: (مشدوهًا) ما زلت هنا يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (منتبهًا للقائد العام) اسمعني جيّدًا أيّها القائد. طبعًا أنت تسمع الأصوات التي تنادي بشن حرب على غرب ربليكا. هم يريدون استثمار الحرب للحصول على مكاسب سياسيّة, خاب فألهم. سوف أشنّها أنا بنفسي وسأضرب الوجه البحري ضربة قاصمة. أريدك أن تعبئ الجيش لذلك. هذه حربنا, أيّها القائد, أقصد حربي وحربك التي ستدخلنا التاريخ من أوسع أبوابه.
القائد العـــــــام: ألا ننتظر حتى نعثر على النور, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: عليك تعبئة الجيش والإعداد للحرب سواء أوجدناه أمّ لم نجده. سأشنّ حربًا لن تبقي ولن تذر, حربًا تحرق البشر والشجر والحجر, حربًا تنهي القضيّة الربليكيّة إلى الأبد. لقد أرادوا نورًا فلنعطهم نارًا.
قائد الجيش: لتكن الحرب إذًا, يا سيّدي.
(يحيّي قائد الجيش شقـران بالتحيّة العسكرية ويخرج. يرفع شقران سماعة التلفون ويطلب رقمًا)
شقــــــــــــــــــران: مرحبًا, يا سـوس, أعدّي لي فنجانًا من قهوة "المعجزة". (لنفسه) معجزة, أخيراً وصلت المعجزة.
(يمشط شقـران شعره بيديّه مبتهجًا ويبتسم لنفسه ابتسامة لم يعكرها سوى انتفاخ شفتيه وسقوطهما إلى الأسفل. تدخل سـوس حاملة صينيّة عليها فنجانان من القهوة. ترتب سـوس الجرائد المبعثرة على الطاولة لتضع الصينيّة)
شقــــــــــــــــــران: طلبت فنجانًا واحدًا وليس فنجانين.
ســــــــــــــــــوس: (امرأة في أوائل الأربعينات من عمرها لكنّها تبدو أكبر سنًا من سنّها الحقيقي) أضفت فنجانًا آخر لعلّ سيّدتي تأتي كعادتها.
شقــــــــــــــــــران: حسناً فعلت. (قبل أن تخرج سوس) تعالي, يا سوس.
ســــــــــــــــــوس: (واقفة مكانها) نعم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: تعالي, يا سوس. (تعود إليه سـوس فيقدّم لها فنجانه) اشربي قليلًا منه.
ســــــــــــــــــوس: معاذ الله, يا سيّدي, هو فنجانك, كيف لي أن أشرب من فنجان سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: أنا أسمح لك, اشربي قليلًا منه.
ســــــــــــــــــوس: ألا يعجبك طعمه, يا سيّدي, هكذا أقدمه لك كلّ صباح.
شقــــــــــــــــــران: ماذا أفعل كل صباح عندما تجلبينه لي؟
ســــــــــــــــــوس: تطلب مني أن أشرب منه قليلًا دون أنّ أعرف سبب ذلك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أنا هكذا, أحبّ أن يشاركني الناس بكلّ شيء حتى بما أشربه أو آكله.
ســــــــــــــــــوس: (تشرب قليلًا) أنت إنسان كريم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: كما قلت لك, أنا هكذا, والآن يمكنك الذهاب.
ســــــــــــــــــوس: (قبل أن تخرج يفتح الباب وتدخل تــارا) صباح الخير, يا سيّدتي, أحضرت لك فنجانًا من القهوة.
تــــــــــــــــــــــــارا: أتمنى أنّك وضعت فيه سكرًا وليس ملحًا هذه المرّة.
ســــــــــــــــــوس: كلّا, يا سيّدتي, نزعت اللاصقة المكتوب عليها "سكر" من على مرطبان الملح.
تــــــــــــــــــــــــارا: حسنًا, يمكنك الخروج.
تــــــــــــــــــــــــارا: (تجلس تـارا على الكرسيّ المقابل لكرسيّ زوجها, ترفع كأسها وتقدمه لزوجها) اشرب قليلًا منه, يا زوجي العزيز.
شقــــــــــــــــــران: هذا فنجانك, يا تارا, وأنا لا أفهم لماذا تطلبين مني أن أشرب منه قليلًا كلّ صباح. الآن فهمت, تريدينني أن أفحص فيما إذا وضعت سـوس الملح فيه بدلًا من السكر.
تــــــــــــــــــــــــارا: ليس لهذا السبب.
شقــــــــــــــــــران: ما السبب إذًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هو نفس السبب الذي جعلك تطلب من سـوس أن تشرب قليلًا من فنجانك قبل أن تشربه أنت بنفسك.
شقــــــــــــــــــران: أنا محقّ في ذلك, فخصومي كثيرون وعليّ أن أكون حذرًا في جميع الأمّاكن والمناسبات, ولكن أن تشكّ زوجتي بي وتتصور أنّني قد أضع السمّ في شرابها, فهذا أمّر مستهجن جدًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أتصوّر ذلك, لكنّ الحذر مطلوب, وكما قلت الآن, فخصومك كثيرون.
شقــــــــــــــــــران: لنفرض أن به سمّ, هل تريدينني أن أشرب السمّ.
تــــــــــــــــــــــــارا: أتريدني أن أشربه أنا وأمّوت؟
شقــــــــــــــــــران: بعد الشر عليك, يا عزيزتي, أمّوت أنا ولا أنت. هات أشرب منه قليلًا. الوداع, يا زوجتي, الوداع.
 تــــــــــــــــــــــــارا: يا لك من زوج "وفيّ" .
شقرا: يا لك من زوجة "مخلصة".
(يدخل السكرتيـر وبيده صحيفة يضعها في يد شقــران ويوجه انتباهه لخبر معيّن فيها)
شقــــــــــــــــــران: (يمرّر عينيّه على العناوين بسرعة فتنبسط أساريره) انظري إلى هذا العنوان, يا تارا. لقد باضت لي في القفص.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل لدينا دجاج دون علمي؟
شقــــــــــــــــــران: ليس لدينا دجاج, يا تــارا. أقصد أنّني وجدت ضالتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل كنت تبحث عن حاجة ما؟
شقــــــــــــــــــران: في الحقيقة كنت أبحث عن ضالتيْن ووجدتهما.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما هما؟
شقــــــــــــــــــران: الأولى تخلّصني من أزماتي الداخليّة, والثانية تخلصني منه, وحتى لا تسأليني ممن, اقرئي هذا العنوان.
تــــــــــــــــــــــــارا (تقرأ) "الشرطة تحقّق مع السيّد أفروري حول اتهام سيّدة له بالتحرش بها جنسيًا." أكاد لا أصدّق.
شقــــــــــــــــــران: لا تستغربي, يا تـارا. أصبحت تهم الاغتصاب والتحرش الجنسي أمّرًاً اعتياديًا في همليكا. من يقبع الآن في السجن؟ أنت تعرفينه طبعًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: أجل, أعرفه. ما لا أعرفه كيف أصبحت جرائم الاغتصاب في همليكا أمّرًا طبيعيًا. كلّ يوم وفضيحته, كلّ يوم وضحيّته.
شقــــــــــــــــــران: أفهم من ذلك أنّك تحزنين لقراءة خبر اتهامه.
تــــــــــــــــــــــــارا: أبدًا بل بالعكس, أنا سعيدة جدًا, حتى تعرف زوجته مقامها وتنزّل أنفها قليلًا, بل كثيرًا.
شقــــــــــــــــــران: تنزّله إلى أين؟ أنا أمّزح. أنا أيضًا سعيد جدًا, لقد أعطاني الحجّة كي لا أدعم ترشيحه للانتخابات الرئاسيةّ القادمة.
تالرا: هل كنت تنوي دعمه, يا شقران؟
شقــــــــــــــــــران: بالطبع لا, كنت أبحث عن حجّة وها هي تأتيني وحدها. هل هناك أروع من ذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ربما يكون بريئًا؟
شقــــــــــــــــــران: أرجو ألّا يكون. على كلّ, هذا لا يعنيني, فالعيار الذي لا يصيبك يدوشك, كما يقولون. يا سلام, كم أنا سعيد, كلّ المرشحين الذين توقّعوا أو أرادوا دعمي لهم سقطوا مثل حجارة الدومينو, ولكلّ منهم فساده الخاص وتهمته الخاصة. لقد أراحوني من اتخاذ قرار بشأنهم.
تــــــــــــــــــــــــارا: أصبحت السجون مقرًا لرجال المجتمع والسياسة. لمَ لا ننقل البرلمان إلى هناك حتى تسهل عملية إحضارهم.
شقــــــــــــــــــران: فكرة جيّدة, سأطرحها على أعضاء الحكومة. لكن مهلًا، إن فعلت ذلك فهذا يعني أنّني سأكون معهم أيضًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ناهضة) احذر إذًا.
شقــــــــــــــــــران: وأنت أيضًا عليك أن تحذري أكثر مني.
تــــــــــــــــــــــــارا: أنسيت الملفات التي يتهمونك بها. وبالآلاف.
شقــــــــــــــــــران: أنا عندي تهم بالآلاف!؟ كيف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أنت تفهم قصدي. على كلّ، أنا ذاهبة إلى الكوافير.
شقــــــــــــــــــران: ألم تذهبي إليه أمّس؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أجل, لكن هناك أمّر آخر أريد الاهتمام به, إلى اللقاء.
شقــــــــــــــــــران: إلى اللقاء.

 

 

الفصل‭ ‬الثاني
المشهد‭ ‬الثاني
(شقــــــــــــــــــران ببنطال قصير أسود وقميص داخليّ وفي رجليه شبشب جلدي يقف في الحديقة مع ملّــــول, مدير بيته, رجل في اوائل الستينات من عمره قصير ونحيف غطى رأسه شعر أبيض قصير. ثم يدخل السكرتيــر منفعلًا)
السكرتيــــــــــــر: لقد وصل, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أرى أنه قد وصل, لست أعمى. تعال, يا ملّــول.
السكرتيــــــــــــر: لم يصل بعد, يا سيّدي. ما زال في المطار.
شقــــــــــــــــــران: كيف لم يصل وهو واقف أمّامي, ثم ما هذا الذي تهذي به, ما علاقته بالمطار؟ هل كنت في المطار, يا ملّول؟
ملّــــــــــــــــــــول: كلّا, يا سيّدي. كنت في العمل طيلة اليوم حتى بعثتم في طلبي.
شقــــــــــــــــــران: أسمعت, أيّها السكرتيـر, كان هنا طيلة الوقت, ماذا جرى لك؟ هل جننت؟
السكرتيــــــــــــر: كلّا, يا سيّدي, وزير خارجية غمليكا...
شقــــــــــــــــــران: هل جنَّ جيــري, أيّها السكرتيــر؟
السكرتيــــــــــــر: لا, يا سيّدي, قصدت أن وزير خارجية "همليكا" قد وصل إلى المطار الآن وسيكون هنا بعد ساعتين تقريبًا؟
شقــــــــــــــــــران: ألم يكن هنا قبل أسبوعين؟
السكرتيــــــــــــر: كان, يا سيّدي, لكن طرأت أمّور أخرى استدعت قدومه.
شقــــــــــــــــــران: (موجهًا الكلام لملّول بينما يستمر بالنظر إلى السكرتير) قل لي, ما مشكلتك معي؟
السكرتيــــــــــــر: ليست لي أيّة مشكلة معك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لم أسألك أنت, بل أسأل من وظفناه ليكون مدير بيتنا.
ملّــــــــــــــــــــول: ليست لي أيّة مشكلة معك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (غاضبًا) لقد اشتريت علبة قهوة "المعجزة" حمراء بدلًا من خضراء, والآن أمّرت العاملين بعدم ريّ الحديقة, كيف تصل بك الوقاحة حتى تأمّرهم بذلك؟
السكرتيــــــــــــر: (مناديًا) يا سيّدي!
شقــــــــــــــــــران: انتظر, أيّها السكرتيـر. (لمدير البيت) قل لي لمَ فعلت ذلك؟
ملّــــــــــــــــــــول: وفقا للقانون, يا سيّدي.
ملّــــــــــــــــــــول: هل يأمّرك القانون بأن تقتل حديقتي عطشًا؟
ملّــــــــــــــــــــول: القانون لا يسمح لي بريّ حديقة خاصة على حساب خزينة الدولة.
شقــــــــــــــــــران: (صارخًا) القانون لا يسمح لك أنت, هذا صحيح لكنّه يسمح لي فأنا رئيس الحكومة.
السكرتيــــــــــــر: (مناديًا مرّة أخرى) يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أسكت, ألا ترى أنّني في جدال صارخ مع هذا ال...
السكرتيــــــــــــر: ماذا بالنسبة لل.....
شقــــــــــــــــــران: (مقاطعًا) بالنسبة للحديقة, ألا ترى أنني أتحدث إليه بخصوصها؟ (لملّول) اذهب واطلب منهم ريّها فورًا.
(يخرج السكرتيــر متوترًا)
ملّــــــــــــــــــــول: قلت لك, يا سيّدي, إنّني لا أستطيع ذلك.
شقــــــــــــــــــران: كيف تعصي أمّري وأنا ملك همليكا؟
ملّــــــــــــــــــــول: أنا أقدم استقالتي, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لن أقبلها.
ملّــــــــــــــــــــول: (محتجًا) لماذا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: لأنّني سأطردك.
ملّــــــــــــــــــــول: لا يهمّني طالما النتيجة واحدة. (يخرج ملّــول ويدخل السكرتير)
السكرتيــــــــــــر: القائد العام يريد مقابلتك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أدخله بسرعة.
(يدخل القائد العام ويخرج السكرتير)
القائد العام: وصلني قبل قليل خبر مزعج, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هيا أخبرني به.
القائد العام: لقد عثرنا على الصناديق, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هل هذا خبر مزعج, أيّها القائد؟
القائد العام: وجدناها فارغة, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: فارغة!؟ اللعنة, كيف؟
القائد العام: علمنا أن اللصوص قد قاموا بتوزيع النور على الأهالي قبل أن نصل إليهم منتهكين بذلك حالة الظلام الذي فرضناه عليهم.
شقــــــــــــــــــران: على كلّ هذا لن يغيّر من الأمّر شيئًا, بل يعزّز قرارنا السابق بشنّ حرب ضدّهم لا هوادة فيها. عليهم أن يفهموا أن من يتحدّى إرادتنا عليه أن يدفع الثمن غاليًا.
القائد العام :الجيش على أهبة الاستعداد, يا سيّدي. ننتظر أمّركم بالهجوم.
شقــــــــــــــــــران: سأعلمكم به قريبًا.
(يحيي القائد التحيّة العسكرية ويخرج. يقوم شقـــران منتشيًا, يسير نحو صورته المعلقة على الحائط ويتأمّلها مبتسمًا)
شقــــــــــــــــــران: (لنفسه وهو يتأمّل صورته) سأدخل التاريخ من أوسع أبوابه, وستعلق صوري على طول وعرض همليكا وستسمى شوارع ومدارس ومستشفيات حتى جامعات باسمي. أجل, أنا الذي سأقضي على ربليكا وأسبّب انقراضها. (وهو يمرّر يده على صورته كمن يلاطف طفلًا) ستدخل التاريخ, يا شقـــران, ستدخل التاريخ فأنت ملك همليكا الأوحد والوحيد.
(يدخل السكرتيـر)
السكرتيــــــــــــر: أراك سعيدًا, يا سيّدي, ما الأمّر؟
شقــــــــــــــــــران: لقد وجدوا الصناديق فارغة.
السكرتيــــــــــــر: هل سرّك هذا الخبر , يا سيّدي, كيف؟
شقــــــــــــــــــران: لأنّه أعطاني الذريعة التي كنت أنتظرها لإنهاء القضيّة الربليكيّة. سأمّحو الربليكيّين من على ظهر البسيطة.
السكرتيــــــــــــر: ظننتك ستحقق السلام بيننا وبينهم.
شقــــــــــــــــــران : لم يكن السلام أصلًا هدف من اجتمعوا في عام 1907.
السكرتيــــــــــــر: أعرف ذلك يا سيّدي، إذ كان الهدف تمزيق البرعيليّين وفصل شرقهم عن غربهم ومنعهم من مواكبة الحضارة وما إلى ذلك.
شقــــــــــــــــــران: أجل، يا عزيزي، وقد أخذنا على عاتقنا أن نكون الأداة لفعل ذلك. فلا خوف علينا ولا جِناح.
السكرتيــــــــــــر: جُناح يا سيّدي بضمّ الجيم لا كسرها. أمّّا إذا كنت جائعًا فليكن جِناح كما قلت. قل لي يا سيّدي، إذا كان الهدف المخفيّ استسلام البرعيليّين فلماذا يقدم إلينا جيــري. سمعت أنّه قادم للحديث عن احياء عمليّة المفاوضات.
شقــــــــــــــــــران: نحن نميتها ونحييها حسب الظروف وبما يخدم مصلحتنا التي هي بالنهاية ما يهمّنا. أمّا بالنسبة للحديث عن السلام فما هو إلّا لذرّ الرماد في العيون. يعني كي لا نحرج الحكام البرعيليّين أمّام شعوبهم.
السكرتيــــــــــــر: وهل يخشى الحكام شعوبهم؟ لا أظنّ ذلك، يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أصبحوا اليوم لا يخشونهم بتاتًا. فالشعوب على دين حكامهم. وكما أنتم يولّى عليكم فمن يولّى على أمّوات؟ لا تخف ولا تقلق، ليأتي جيري وسنلعب معًا ونلهو كثيرًا.
السكرتيــــــــــــر: هي لعبة إذًا، يا سيّدي، أليس كذلك؟
شقــــــــــــــــــران: بل ملهاة، يا عزيزي، والبرعيليّيون يصدّقونها.
السكرتيــــــــــــر: المهم ألّا نغضب غمليكا. ألا تعطينا من رغيف الخبز إلى الفانتوم.
شقــــــــــــــــــران: سمعت مثل هذا القول في الماضي. على كلّ هم يحتاجون إلينا أكثر من احتياجنا إليهم. كلّ من يريد ترشيح نفسه لرئاسة غمليكا، يحتاج إلى جاليتنا هناك.
السكرتيــــــــــــر: لماذا لا يكون الرئيس منا إذن؟ ألسنا من نوصله إلى البيضة؟
شقران : نعم، لكن أفضل لنا أن يكون الرئيس عبدًا لنا، ينفّذ ما نأمره به.
السكرتير : وإن رفض أحدهم إطاعتنا؟
شقران: لا تخف، لن يجرؤ أحدٌ على ذلك إذ لدينا ملف خاص يقذف به خارج البيضة إن تمرّد علينا. لذلك هم يحتاجوننا.
السكرتير: الاحتياج متبادل وحكام الدول البرعيليّة بدورهم يحتاجون إلينا دعم بلدينا. المهم، يا سيّدي، أن جيري ينتظرك في الخارج.
شقــــــــــــــــــران: لم يبق لديّ حيل إضافية للإمساك به.
السكرتيــــــــــــر: حيل للإمساك به! أنا لا أفهمك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ألم تقل أن جيري يريد الدخول؟
السكرتيــــــــــــر: نعم, يا سيّدي, لكنّني لا أفهم الهدف من الحيل للإمساك به.
شقــــــــــــــــــران: للأسف أنت لا تجاريني في النكتة.
السكرتيــــــــــــر: النكتة, أقلت نكتة, يا سيّدي؟ غريبة!
شقــــــــــــــــــران: وما الغريب في الأمّر؟
السكرتيــــــــــــر: لم أعهدك تقول نكتة من قبل. المهم ما هي النكتة؟
شقــــــــــــــــــران: قلت جيري في الخارج, من يا تُرى يطارد جيـري باستمرار؟ توم, أليس كذلك؟
السكرتيــــــــــــر: فهمتك الآن, يا سيّدي, قصدت جيري الفأر الصغير.
شقــــــــــــــــــران: الآن بدأت تفهمني. ومن يطارد جيـري هذا, أليس القط توم. أنا توم وجيـري هو من ينتظرني في الخارج, سأعرف كيف أرهقه وأعيده إلى بلده بخفيّ حنيّن.
السكرتيــــــــــــر: هذه لعبتك, يا سيّدي, وأنت تعرف كيف تلعبها.
شقــــــــــــــــــران: سيعرف جيـري من أنا.
السكرتيــــــــــــر: لكن جيـري دائما يحبط مخططات توم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: سأعلّم من يخطط لجيـري كيف يكون التخطيط. في جعبتي خطط كثيرة لن يفلت منها.
السكرتيــــــــــــر: هل أدخله, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: انتظر حتى تبدأ الحلقة.
السكرتيــــــــــــر: أيّة حلقة, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: توم وجيري.
السكرتيــــــــــــر: سيّدي, أنا أتحدث عن جيـري المنتظر في الخارج.
شقــــــــــــــــــران: هل هناك فرق, أيّها السكرتير؟ على كلّ دعه ينتظر قليلا نكاية برئيسه حتى يعرف هو الآخر من أنا.
السكرتيــــــــــــر: لا داعي لإهانته، يا سيّدي. هل نسيت ساندويش الفلافل وكيف أساء إلينا.
شقــــــــــــــــــران: يبدو أن هناك أناسا يستحقون ذلك. على كلّ يمكنك إدخاله, فقد خطرت ببالي خطة جهنّميّة للإمساك به.
السكرتيــــــــــــر: بمن, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: بجيـري طبعًا.
السكرتيــــــــــــر: الفأر, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: جيـري الذي ينتظر في الخارج. هيّا أدخله وسترى كيف سأوقعه في الفخ.
(يخرج السكرتيـر فيظهر الشبـح)
الشبـــــــــــــــــح: سمعتك تقول إنّك ستدخل التاريخ. أجل, لكن كمجرم حرب.
شقــــــــــــــــــران: حسبتك لن تعود أبدًا.
الشبـــــــــــــــــح: لن أتركك, أيّها الأحمق.
شقــــــــــــــــــران: (مقهقهًا قهقهته السخيفة) من الأحمق, الحيّ أمّ الميّت؟
الشبـــــــــــــــــح: قلت لك إنّني حيّ أكثر منك.
شقــــــــــــــــــران: (مقهقهًا كعادته) كيف وأنا لا ارى لحمًا ولا دمًا أمّامي, كل ما أراه مجرد فراغ.
الشبـــــــــــــــــح: وهل اللحم والدم يمنحان الإنسان حيّزا؟ قد تشغل الفكرة حيّزا أوسع بكثير من صورة اللحم والدم, ثم إن الطبل ضخم خارجيًا وفارغ داخليًا, أليس كذلك؟
شقــــــــــــــــــران: عدت إلى فلسفتك. لماذا لم تنقذك فلسفتك هذه؟
الشبـــــــــــــــــح: قد تقتل الفلسفة صاحبها لكنه سيبقى حيّا في أذهان وقلوب الناس أبد الدهر. أمّّا أنت فستموت دون أن يُذكر اسمك وإن ذُكر فمن أجل السخرية. لن يسمع بك أحد بعد ذلك. ستكون مجرد ظلّ ما أن تشرق الشمس حتى يختفى.
شقــــــــــــــــــران: أنت تسلّي نفسك. إليك عني فأمّامي مقابلة مهمّة.
الشبـــــــــــــــــح: ستقابل جيري الآن.
شقــــــــــــــــــران: وهل الأشباح ترى أفلام توم وجيـري أيضًا؟
الشبـــــــــــــــــح: هكذا إذًا, تتّخذ من مصائر الناس لعبة تتسلّى بها.
شقــــــــــــــــــران: سئمت من الحديث إليك. إذا كنت لا تريد قتلي فقل لي ماذا تريد مني؟
الشبـــــــــــــــــح: اصغ لجيـري واتفق معه على خطة عمل شجاعة تضعكم على خارطة الشعوب الطبيعية بدلاً من أن تخطط لحرب ستكون أنت أول من يدفع ثمنها.
شقــــــــــــــــــران: يبدو أنّك أغبى ممّا تصوّرت. هل حقّا تصوّرت أنّ جيري قادم ليطلب مني شيئًا. ما زياراته المكوكيّة إلّا لذرّ الرماد في العيون. إنّها ملهاة كتبناها معًا والحكام البرعيليّون يا للسخريّة يعرفون ذلك ويتظاهرون بالاستهجان والشجب. دعهم يشجبون ويبكون ويصرخون فكل هذه الأمور لا تحرّك ساكنًا وهم يعرفون ذلك. دعهم يلعبون دور الكومبارس حتى يخدروا شعوبهم المخدّرة أصلًا. والأمر الذي يثير الضحك أنهم يروّجون لأفكارنا. ثمّ أنت حتى الآن لم تقل لي ماذا تريد مني.
الشبـــــــــــــــــح: أريدك أن تحقّق السلام.
شقــــــــــــــــــران: كي أُقتل مثلما قُتِل غيري.
الشبـــــــــــــــــح: حتى وإن قُتلت فستدخل التاريخ من أوسع ابوابه وستنال جائزة نوبل للسلام أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: عجبًا, الكلّ يريد أن يدخل التاريخ. هل يشتري التاريخ علبة قهوة سواء أكانت خضراء أمّ حمراء؟ وهل يروي لنا الحديقة؟ وهل يجعلنا نسافر إلى غمليكا كلّما أردنا ذلك؟ ثمّ من قال لك إنّي أريد جائزة نوبل للسلام. إنّها جائزة فارغة من أيّ مضمون وتعطى حتى لمن يطلق كلمة السلام على قطعة من الصابون ناسيًا أنّها ستذوب سريعًا ويذوب الاسم معها.
الشبـــــــــــــــــح: هل علبة القهوة أسمى ما تصبو إليه على أهميتها بالنسبة لتارا؟ هل كتب عليكم أن تعيشوا على السيف إلى الأبد؟ كن شجاعًا حتى لو قُتلت, ففي الشجاعة شرف لصاحبها ونجاة للآخرين.
تــــــــــــــــــــــــارا: (تدخل تـارا مرتدية ثوبًا أحمر يصل حتى الركبتين) أجل "المعجزة" أسمى من أيّ شيء آخر عندي. (ناظرة حولها) ثم أين هذا الذي يتدخل في شؤوني؟ أنا لا أرى أحدًا غيرك هنا, هل كنت تتحدث إلى نفسك كالعادة؟
شقــــــــــــــــــران: أجل, هي عادة سيئة, يا تارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: لكنّها كشفتك لي. ألا يكفي أنّهم اجعلوا علبتها حمراء؟
شقــــــــــــــــــران: لم أقل ذلك, بل هو. (متراجعًا) بل أنا.
تــــــــــــــــــــــــارا: من هو؟
شقــــــــــــــــــران: قلت لك أنا.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل عادت إليك الوساوس, يا شقـران؟ على كلّ ليس الآن وقت الحساب, انتظر منك ردًا على...
شقــــــــــــــــــران: ذكرتني, ذكرتني, هناك من ينتظرني في الخارج.
تــــــــــــــــــــــــارا: لينتظر قليلًا, أمّّا موضوعي فلا يتحمل التأجيل أو الانتظار.
شقــــــــــــــــــران: طالما أن الموضوع يخصّك, فقرّري كما تشائين.
تــــــــــــــــــــــــارا: هو يخصّك أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: لا يخصّني إطلاقًا. من طرفي ليذهب إلى الجحيم. لا أفهم كيف صاحبته.
تــــــــــــــــــــــــارا: من؟ (يهمس شقـران باسمه في أذنها) ما الذي ذكرك به الآن؟
شقــــــــــــــــــران: من ينتظرني في الخارج, هو الذي ذكرني به.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما علاقته بصاحبي السابق؟
شقــــــــــــــــــران: لا أحبّهما, لا أحبّهما, يا طارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (محتجة وغاضبة) لِمَ تنطق اسمي كما ينطقها الدولفين, لعن....
شقــــــــــــــــــران: (هامسًا) لا ترفعي صوتك, حتى لا يسمعك أحد.
تــــــــــــــــــــــــارا: ما الفرق؟
شقــــــــــــــــــران: الفرق كبير جدًا الآن, هل نسيت أنه انتخب رئيسًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لم أنس, لعن...
شقــــــــــــــــــران: هش هش هش, بهمس.
تــــــــــــــــــــــــارا: (بهمس) لعن الله .... (تتناول موزة وتقشرها ثم تذهب إلى حنفية ماء وتغسل ما بداخلها بالماء والصابون ثم تجلس بعصبيّة وتبدأ بتناول الموز)
شقــــــــــــــــــران: احذري حتى لا تكسري أحد أسنانك, يا تـارا.
(يُدق الباب ثم يدخل السكرتيـر)
السكرتيــــــــــــر: هل أدخله, يا سيّدي؟ لقد انتظرك طويلًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: قبل أن تدخله قل لملّول أن يشتري ما ينقصنا في المطبخ.
السكرتيــــــــــــر: لا أستطيع, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) لماذا لا تستطيع؟ هل هذا أمّر مستحيل؟
السكرتيــــــــــــر: كلّا,يا سيّدتي, لكنّه قدم استقالته.
شقــــــــــــــــــران: وأنا رفضتها حتى أطرده بنفسي.
تــــــــــــــــــــــــارا: أعتقد أنّ علينا طرد العاملين عندنا قبل أن نوظّفهم.
شقــــــــــــــــــران: قبل أن نوظّفهم, كيف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لأنّنا سنطردهم عاجلًا أمّ آجلًا، فلمَ الانتظار إذًا؟
السكرتيــــــــــــر: أجل لمَ الانتظار. هل أدخله, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: أدخله حتى أطرده في الحال.
السكرتيــــــــــــر: كيف تطرده, يا سيّدي, إنّه رجل مهم.
شقــــــــــــــــــران: (مقهقًا) منذ متى أصبح ملّـول رجلًا مهمًا, أيّها السكرتير؟
السكرتيــــــــــــر: أنا أتحدث عن جيري, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: الفأر؟
السكرتيــــــــــــر: وزير خارجية غمليكا.
شقــــــــــــــــــران: أمّا زال في الخارج؟ هيّا أدخله, وأنت يا تـارا, أتريدين البقاء هنا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: كلّا, لديّ ما هو أهم من ذلك. (تخرج)
السكرتيــــــــــــر: (داخلًا ومعلنًا) جيــري, معالي وزير خارجية غمليكا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (مصافحًا) أهلا وسهلا جيــري, أنا توم.
جيــــــــــــــــــري: توم!؟
شقــــــــــــــــــران: (مقهقهًا كعادته) أنا أمّزح, معاليك. تفضل بالجلوس. تفضل موز أمّ أنّك تريد أولا أن.....
جيــــــــــــــــــري: شكرًا, معاليك, أنا في الحقيقة أحبّ الموز ولن أفحصه طالما هو من عندكم.
شقــــــــــــــــــران: (مستغربًا كيف عرفت ذلك؟ طبعًا, لديكم وسائلكم الخاصة.
جيــــــــــــــــــري: كلّا, ليس من وسائلنا هذه المرّة, بل من وسائلكم.
شقــــــــــــــــــران: وسائلنا الخاصّة, معاليك؟
جيــــــــــــــــــري: كلّا, من وسائلكم الإعلامية, معاليك, فهي تنشر فضائحكم بشكل مستمر.
شقــــــــــــــــــران: حتى تعرف كم أنا وتـارا مظلومان, معاليك, حتى رئيسكم سوخاما يظلمني كثيرًا وأنت أيضًا. ماذا قلتم عني قبل أيام؟ على كلّ، انس الأمّر وكل موزتك أمّ تخاف أن تأكلها.
جيــــــــــــــــــري: ولم أخاف, معاليك؟
شقــــــــــــــــــران: (مقهقهًا كعادته) ربّما ظننت أنني وضعت فيها إصبعًا من الديناميت.
جيــــــــــــــــــري: (مبتسمًا رغم أنفه) جميل الدعابة, معاليك.
شقــــــــــــــــــران: لا تخف, يا جيري, إن أذنت لي برفع التكلفة بيننا.
جيــــــــــــــــــري: (مبتسماً رغم أنفه مرّة أخرى) تستطيع مناداتي بجيــري, معاليك, أشكرك على رفع التكلفة بيننا.
شقــــــــــــــــــران: يمكنك أيضًا مناداتي بدون ألقاب, يا جيــري.
جيــــــــــــــــــري: أشكرك, يا توم, آسف, قصدي.....
شقــــــــــــــــــران: هل نسيت اسمي؟
جيــــــــــــــــــري: كلّا, لكن فهمت أنه اسم ذم في لغتكم.
شقــــــــــــــــــران: نحن لا نسمّي أنفسنا, أليس كذلك؟
جيــــــــــــــــــري: وأنا لم أسمّ نفسي بجيـري, لو عرفت بأنني سأصبح بطل فلم من أفلام الكرتون لما وافقت عليه.
شقــــــــــــــــــران: بل بالعكس, عليك أن تفرح, جعلك شهيرًا, ليتني أصبح بطلًا من أفلام الكرتون مثل توم.
جيــــــــــــــــــري: أو مثل بنوكيو.
شقــــــــــــــــــران: ولمَ بنوكيو بالذات؟
جيــــــــــــــــــري:ليس لسبب محدّد, إنّه مجرد اسم خطر ببالي. المهم دعنا نعود لسبب زيارتي لكم.
شقــــــــــــــــــران: إذا لم يكن هناك سبب محدّد لاقتراحك اسم "بنوكبيو"، لماذا يكون هناك سبب محدّد لزيارتك؟
جيــــــــــــــــــري : طبعًا هناك سبب، معاليك. العالم يطالبنا بمحاربة الإرهاب.
شقــــــــــــــــــران: ألسنا من صنعهم؟ أليست هذه فوضتكم الخلاّقة؟ ثم نحن مرتاحون لذلك. ماذا نريد أكثر من أن يخوض أعداؤنا حروبنا بدلًا منا؟ أليس هذا ما نتمناه ونسعى إليه ونعمل من أجله؟
جيــــــــــــــــــري: أجل لكن علينا أن نظهر للعالم كأنّنا نقاوم الإرهاب ونطالب بالعدل والسلم والديموقراطيّة.
شقــــــــــــــــــران: حسنًا لنستمرّ إذًا باللعبة أو بالملهاة ذاتها. (مقهقهًا) أتعرف، يا جيري؟
جيــــــــــــــــــري: ماذا يا توم، أقصد معاليك؟
شقــــــــــــــــــران: جميعنا نعرف أن السلام أكذوبة نحن ألّفْناها وأَلِفْناها؟ (مستمرًا بالقهقهة)
جيــــــــــــــــــري: قهقهتك منطقيّة وأنا أفهمها.
شقــــــــــــــــــران: إذًا فهمتني. هل عرف التاريخ شعبًا أغبى من الشعب البرعيليّ؟
جيــــــــــــــــــري: مع ذلك علينا الحفاظ على كرامتهم.
شقــــــــــــــــــران: ليحافظوا أولًا على كرامتهم قبل أن يطالبوا عدوهم بذلك، ثمّ قل لي منذ متى تهتمّون بأمّر كرامتهم؟ كم مرّة دستم عليها. (يقهقه ثانية)
جيــــــــــــــــــري: ما الذي أثار قهقهة معاليك الآن؟
شقــــــــــــــــــران: تذكرت ردود فعلهم كلّما دستم ودسنا على كرامتهم.
جيــــــــــــــــــري: أيّة ردود؟
شقــــــــــــــــــران: توجّههم للمجتمع الدولي. ألسنا نحن المجتمع الدولي؟
جيــــــــــــــــــري: من حقّك أن تقهقه كما تشاء، يا توم.
شقــــــــــــــــــران: أصبحت تتقن الدور.
(يظهر الشبــح)
الشبـــــــــــــــــح: ما غرورك هذا إلا قناع تخفي ضعفك وجبنك وراءه.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) أنت الضعيف الجبان.
جيــــــــــــــــــري: ((مستهجنًا) أنا معاليك!؟
شقــــــــــــــــــران: لا لست أنت، معذرة.
جيــــــــــــــــــري : هل معاليك معي ألان.
شقــــــــــــــــــران: (ملتفتًا إلى جيـري) نعم, لا أنا معك, لِمَ تسأل؟
جيــــــــــــــــــري: رأيتك شارد الذهن.
شقــــــــــــــــــران: لا, لا, أنا معك. ماذا كنّا نقول؟
جيــــــــــــــــــري: كنّا نتكلّم عن الكرامة
شقــــــــــــــــــران: كرامة من؟
جيــــــــــــــــــري: كرامة البرعيليّين.
شقــــــــــــــــــران: على حدّ علمي لا كرامة لهم. من أين جئت بهذا الاصطلاح؟
جيــــــــــــــــــري: من القاموس السياسيّ، معاليك.
الشبـــــــــــــــــح: يقصد من قاموس النفاق الذي يخدم مصالحكم جميعًا حتى لو كان على حساب السلم العالميّ.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) ماذا نستفيد من السلم العالمي. سيدمرّنا السلم العالي، سيقضي على مصالحنا.
جيــــــــــــــــــري: أجل، معاليك، أجل الحرب تجارة كبرى لنا ولكم
الشبح : يا لكم من مجرمين!
شقران: أجل، نحن مجرمون، لا شأن لك بذلك.
جيري: لِمَ تخاطبني هكذا، معاليك؟ أنا لا أعارض قولك هذا.
شقران: لم أخاطبك أنت.
جيــــــــــــــــــري: على كلّ، علينا أن نخرج للعالم بتصريح يبعث الأمّل والتفاؤل في نفوس البرعيليّين خاصة
شقــــــــــــــــــران: أليس هذا ما نفعله دائمًا، لا بأس إذًا، لنخرج بتصريح، ماذا سنخسر؟
الشبـــــــــــــــــح: يا لكما من منافقيْن وضيعيْن.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) أنت المنافق الوضيع.
جيــــــــــــــــــري: أنا منافق ووضيع أيضًا! لماذا تقول ذلك؟
شقــــــــــــــــــران : لست المقصود يا جيري.
جيــــــــــــــــــري: من المقصود إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: انس الأمّر.
جيــــــــــــــــــري: حسنًا، هيّا نتفق إذًا على البيان الختاميّ الذي سنقدّمه للإعلام.
(يفتح شقـــران جارورًا ويخرج منه مجموعة كبيرة من الأوراق ويضعها على الطاولة.)
شقــــــــــــــــــران: أختر أيّ بيان منها، يا جيري
جيــــــــــــــــــري: أجل، يا توم .
(يقهقه شقــران طويلًا وعاليًا)
الشبـــــــــــــــــح: كم أرغب في قتلكما.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) أنت لا تستطيع قتل بعوضة....
جيــــــــــــــــــري: لماذا تظنّ ذلك, معاليك؟
شقــــــــــــــــــران: آسف لم أوجه الحديث إليك. (للشبح) لست خائفًا منك وإن كنت رجلاً اقتلني. (لجيـري) لم أوجه الحديث إليك.
جيــــــــــــــــــري: أعرف ذلك. لا بأس عليك.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تقصد.
جيــــــــــــــــــري: لا شيء.
الشبــــــــــــــــح: أتتحدّاني, يا شقــران؟
شقــــــــــــــــــران: أجل, لطالما تحدّيتك.
الشبـــــــــــــــــح: (يخرج مسدسًا من معطفه الأبيض ويصوبه نحو شقــران) أتريدني أن أقتلك فعلًا؟ لا مانع لديّ إن كنت لا تطيعني.
شقــــــــــــــــــران: (مقهقهًا) مسدسك لا يقتل بعوضة.
(يصوّب الشبـح مسدسه على الحائط خلف شقـــران ويطلق رصاصة مدويّة)
شقــــــــــــــــــران: (ينهض مذعورًا ويضغط على زر النجدة فيدخل ثلاثة حرّاس في الحال) اقبضوا عليه, اقبضوا عليه. (ينقض الحرّاس على جيـري وقبل أن يقيّدوه) ليس هو, ليس هو. (يترك الحرّاس جيري ويفتّشون في أرجاء المكتب دون أن يجدوا شيئًا)
الحارس الأول: لا نرى أحدًا غيركما, يا سيّدي. المكان آمن تمامًا.
شقــــــــــــــــــران: ألا ترونه؟ إنّه واقف أمّامكم وفي يده مسدس أطلق منه رصاصة نحوي حتى اسألوا جيــري.
الحارس الأول: (لجيــري) هل رأيت أحدًا، يا سيّدي؟
جيــــــــــــــــــري: لم أر أحدًا ولم أسمع شيئًا أيّها الحارس.
الحارس الثاني: اطمئن, يا سيّدي, كلّ شيء تحت السيطرة.
الحارس الثالث: لا داعي للخوف, يا سيّدي, كما لم يكن داعي للخوف من قبل.
شقــــــــــــــــــران: ماذا تقصد, أيّها الحارس اللعين؟
الحارس الثالث: لا شيء,يا سيّدي, فقط أردت أن اذكّرك بحادثة الحديقة.
شقــــــــــــــــــران: لا تذكّرني بتلك الحادثة, لا تذكّرني. اللعنة ما الذي ذكّرك بها الآن؟
الحارس الثالث: (لنفسه) شفتاك, (ثم بصوت مسموع) المهم أنّك بخير الآن, يا سيّدي. (ينسحب الحرّاس ويخرجون)
الشبـــــــــــــــــح: يا لك من جبان مغرور.
شقــــــــــــــــــران: نكاية بك شعبي دائمًا ينتخبني.
الشبـــــــــــــــــح: كما أنتم يولّى عليكم. لقد غسلت أدمغتهم والآن هم يدفعون الثمن وأنت ترقص على دمائهم وهم لا يدركون. لكن السحر في النهاية سينقلب على الساحر.
شقــــــــــــــــــران: أيّ سحر وايّ ساحر؟
الشبـــــــــــــــــح: الحروب التي تشنها والوعود التي تقذف بها في جميع الاتجاهات وبدون رصيد معتقدًا أنّها ستجلب لك المجد وتدخلك التاريخ.
شقــــــــــــــــــران: وجودك أصلًا مرتبط بالحروب.
الشبـــــــــــــــــح: لكنّها تنتهي دئما بتحقيق مطلبي.
شقــــــــــــــــــران: (لنفسه) حتى أقتل وأخسر الكرسي.
الشبـــــــــــــــــح: أعرف ما يدور برأسك الكبير بصغره, لذلك سأعود إليك لاحقًا. (يختفي الشبـح)
شقــــــــــــــــــران: (ساخراً) أنت تعرف ماذا يدور في رأسي, يا لك من غبيّ تافه. (يضغط على أحد الأزرار فيدخل السكرتيـر فورًا) اقترب, أيّها السكرتيـــر.
السكرتيــــــــــــر: أمّرك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: اتصل بأعضاء الحكومة المصغرة وادعوهم إلى جلسة طارئة في تمام الساعة التاسعة من صبيحة الغد.
(يخرج السكرتير ثم ينهض شقران ويسحب ورقةً من بين مجموعة الأوراق التي أمّامه بصورة عشوائيّة ويعطيها لجيري ثمّ يخرجان.)

 

 


الفصل‭ ‬الثاني
المشهد‭ ‬الثالث
(غرفة مكتب شقــران في البيت. يقف السكرتيـر في طرف من الغرفة وبجانبه مجموعة من الأحذية, ويقف شقران في الطرف الآخر وبقربه على الأرض انتشرت مجموعة أخرى من الأحذية. يقذف السكرتيـر الأحذية نحو شقران بينما يحاول شقران تجنبها)
شقــــــــــــــــــران: (بعد إصابته مرارًا) احذر أيّها السكرتير, لقد أصبتني بعدة أزواج من الأحذية.
السكرتيــــــــــــر: عليك أن تحذر بنفسك, يا سيّدي. أنا دوري أن أصيبك بالحذاء, آسف لم اقصد أن أصيبك شخصيًا, (لنفسه) مع إنّي كنت أريد ذلك, (لشقـران) بل أقصد أنّي أقوم بدور من قد يقذفك بالحذاء في يوم من الأيام وعليك أن تتجنبه. للأسف لا تفلح بهذا أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: كلامك منطقيّ, أيّها السكرتير, هيّا أطلق حذاءً آخر. (يطلق حذاء آخر يصيبه إصابة مباشرة) لقد أصبتني ثانية, ألا تحذر. تذكرت يجب عليّ أنا أن أحذر. أتعلم شيئًا, أيّها السكرتيـر؟
السكرتيــــــــــــر: ماذا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: إطلاق الأحذية خير من إطلاق الرصاص, أليس كذلك؟
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, فالحذاء لا يقتل كالرصاص.
شقــــــــــــــــــران: هذا ما قصدته, أيّها السكرتيــر.
السكرتيــــــــــــر: هل لي بأن أسألك سؤالاً صريحًا, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: تفضل اسأل, أنت تعرف أنّي أحبّ الصراحة, أليس كذلك؟
السكرتيــــــــــــر: أعرف ذلك جيّدًا, يا سيّدي, (لنفسه) لذلك لا تسمع إلاّ ما تحبّ سماعه. (لشقـران) لهذا الجميع يحبونك ولا يتركونك أبدًا. (لنفسه) مصالحهم تقتضي ذلك.
شقــــــــــــــــــران: ماذا أردت أن تسألني؟
السكرتيــــــــــــر: هل لفضيحة حذاء تارا علاقة بتدريبك هذا؟
شقــــــــــــــــــران: هل سمعت بها؟
السكرتيــــــــــــر: سمع بها الشعب كلّه, يا سيّدي. (يهوي بنطال شقـران القصير قليلًا) سيرى الشعب هذا أيضًا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أنا لا أخفي عن الشعب شيئًا.
السكرتيــــــــــــر: لا أعتقد أن الشعب معنيّ برؤيته, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (يرفع بنطاله) يبدو أنّني نحفت قليلًا, لقد تراجعت شهيتي بعد ظهور....
السكرتيــــــــــــر: جيـري, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: بل من هو أسوأ منه بكثير. على كل هذا موضوع آخر, اضربني بحذاء آخر.
السكرتيــــــــــــر: لقد أصبتك كثيرًا, يا سيّدي, وأنت لا تحسن اتقاء الأحذية. (لنفسه) لأنّك تستحقها.
شقــــــــــــــــــران: لا أدري كيف نشأت هذه الرياضة الغريبة. لم نلعبها في طفولتنا.
السكرتيــــــــــــر: هي لعبة جديدة, يا سيّدي, نشأت أول ما نشأت في بلاد ما بين النهرين ثم انتقلت إلى بلاد أخرى وعمّا قريب سوف تجرى لها مباريات دوليّة.
شقــــــــــــــــــران: ألهذه الدرجة أصبحت شعبيّة؟
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, وكلّما كان الهدف مقيتًا على الناس كان سعر الحذاء أكبر. أتعرف, يا سيّدي, وصل ثمن بعض الأحذية إلى آلاف الدولارات.
شقــــــــــــــــــران: هذا جنون, أيّها السكرتير. من يحصل على المال, الرامي أمّ الهدف؟
السكرتيــــــــــــر: الحذاء كما يظهر.
(تدخل تارا تحمل صندوقًا مزخرفًا)
تــــــــــــــــــــــــارا: الحذاء, أليس للناس حديث غير حذائي؟
شقــــــــــــــــــران: كان عليك ألّا تفقدي أعصابك.
تــــــــــــــــــــــــارا: كان على الخادمة أن تلمّعه أكثر.
السكرتيــــــــــــر: معك كلّ الحق, يا سيّدتي. لم يلمع بما فيه الكفاية.
شقــــــــــــــــــران: كان من الأجدر بك أن تشتري حذاءً جديدًا بدلًا من ارتكاب فضيحة جديدة كالفستان مثلًا.
السكرتيــــــــــــر: أنا شخصيًا أعجبني جدًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: أترى, يا شقران, هناك من أعجبهم فستاني ولا يهمّني رأي ذوي اللحى الحمراء. لقد غضّوا الطرف أمّام وسائل الإعلام فقط, لكنّهم كانوا ينظرون إليّ بعيون عقولهم, وهذا أكثر إثمًا إن كانوا يفهمون ما هو الإثم.
شقــــــــــــــــــران: كان عليك أن تراعي شعورهم على الأقل في ذلك اليوم.
تــــــــــــــــــــــــارا: لذلك اشتريت فستانًا آخر أجمل من فستان ميشو سوخاما الذي ظهرت فيه مع زوجها في التلفزيون. (تفتح الصندوق وتخرج فستانًا نصفه العلوي أصفر ومفتوح الصدر والظهر بينما النصف السفلي أسود مع ورود صفراء وحمراء ومفتوح من الخلف حتى الركبتين) ما رأيكما؟
شقــــــــــــــــــران: أكثر حشمة من الآخر.
السكرتيــــــــــــر: الله, كم هو جميل.
تــــــــــــــــــــــــارا: الجميل يقدر الجمال.
شقــــــــــــــــــران: لقد ظننتَ نفسك جميلًا, أيّها السكرتيـر, حتى اعتقدت أنّك تستطيع التحرش بأيّة امرأة حولك, فضحتَ نفسك وفضحتنا معك.
السكرتيــــــــــــر: لم أفعل شيئًا, يا سيّدي, هم يغارون مني ويحسدونني على حبّكم لي, كما كانوا يغارون منك ويحسدونك على حب النساء لك.
شقــــــــــــــــــران: أنا لم أحب امرأة في حياتي باستثناء زوجتي تـارا, ورغم ذلك اعتذرت لتارا أمّام جميع الهمليكيّين في التلفزيون, أليس كذلك, يا زوجتي العزيزة؟
تــــــــــــــــــــــــارا: طبعًا, طبعًا أنت اسم على مسمّى. ثم أنت استفدت من ذلك الاعتذار الكاذب كثيرًا.
شقــــــــــــــــــران: كيف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: اشرح له, أيّها السكرتير, كيف استفاد.
السكرتيــــــــــــر: حصلت على أصوات كثيرة في الانتخابات بسبب هذا الاعتذار.
شقــــــــــــــــــران: الصادق يصدّقه الناس, أليس كذلك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: طبعًا, من يعرف كذبك الصادق مثلي. أمّّا أنت, أيّها السكرتير فلا تهتم بهم, أنا أعرف كيف أدافع عنك, ليذهب جميعهم إلى الجحيم الآن وليس غدًا.
شقــــــــــــــــــران: هل بقيت لدينا تمور من النوع الذي أحبّه, يا تارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: كلّا, لأنّك تلتهمها التهامًا.
شقــــــــــــــــــران: أنا أحبّ التمور, لماذا يشكل هذا الحبّ فضيحة لنا أيضًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هو يشكل فضيحة لك فقط.
السكرتيــــــــــــر: مثل فضائحك الغراميّة,يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: هل نسيت نفسك, أيّها السكرتيـر. كم نستطيع الدفاع عنك وتكذيب الادعاءات عنك واعتبارها مجرد إشاعات.
السكرتيــــــــــــر: كما قلتَ, يا سيّدي, إنّها مجرد إشاعات من مغرضين وحاسدين وحاقدين تماما كما يشاع عنك.
شقــــــــــــــــــران: أطلب لنا المزيد من التمور حتى يروق بالنا وتتحسن أحوالنا.
السكرتيــــــــــــر: أنصحك, يا سيّدي, على الأقل مؤقتَا, أن تقلّل من تناول التمور حتى تهدأ حملات الإعلام. ثم من مثلك يعرف كم تدفع الدولة من خزينتها ثمنًا لها.
شقــــــــــــــــــران: أنا أشتري من نقودي الخاصة, ألم أدفع ثمن ساندويش الفلافل التي اشتريته أمّام الناس جميعهم.
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, جميعهم رأوا ذلك, فأنت ممثل بارع وتجيد لعب مثل هذه الأدوار.
شقــــــــــــــــــران: ما العالم إلّا مسرح كبير, أيّها السكرتيـر, ومن يلعب دوره جيدًا يكسب الجمهور.
تــــــــــــــــــــــــارا: هذا قول حكيم, يا شقران, لا أظنّك قلته من قبل.
السكرتيــــــــــــر: هذا القول لشكسبير, يا سيّدتي.
تــــــــــــــــــــــــارا: عرفت أنه لا يمكن أن يكون لشقـران.
شقــــــــــــــــــران: بل لي أقوال أروع منه.
تــــــــــــــــــــــــارا: أعطني مثالًا على ذلك, يا شقران.
شقــــــــــــــــــران: التمور تهدِّئ الأعصاب.
تــــــــــــــــــــــــارا: أقول حكيم هذا؟
شقــــــــــــــــــران: بالنسبة لي نعم, والآن, ألا تطلب لي المزيد منها, أيّها السكرتيـر.
السكرتيــــــــــــر: على حسابك, يا سيّدي, أمّ على حساب خزينة الدولة؟
شقــــــــــــــــــران: ليس هناك فرق بيننا, أيّها السكرتير.
السكرتيــــــــــــر: هذا صحيح, يا سيّدي, سأطلب المزيد من التمور الآن.
شقــــــــــــــــــران: على فكرة, هل أخبرت أعضاء الحكومة المصغرة بجلسة الغد.
السكرتيــــــــــــر: نعم, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: وهل أكدت لهم أن حضور الجلسة ضروريّ ولا عذر لمن يتغيّب عنها.
السكرتيــــــــــــر: حصل, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: شكرًا لك, بإمكانك الذهاب الآن ولا تتأخر كثيرًا فنفسي توّاقة للتمور.
السكرتيــــــــــــر: أمّرك, يا سيّدي. (يخرج وبعد قليل يعود مضطربًا)
شقــــــــــــــــــران: حقًا أنت سكرتيـر رائع, أحضرت التمور في ثوان معدودة. أين هي؟
السكرتيــــــــــــر: لم أحضرها بعد, سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: لم عدت إذاً؟
السكرتيــــــــــــر: قابلت في الخارج عددًا من زعماء الائتلاف الحكومي وهم قادمون إليك, فعدت في الحال لأخبرك بالأمّر.
شقــــــــــــــــــران: وضحيّت برغبتي في التمور من أجل ذلك.
السكرتيــــــــــــر: وهل كنت تتوقع مني أن أفعل غير ذلك؟
شقــــــــــــــــران: طبعًا, لينتظروا في الخارج حتى تصلني التمور. ألا تعرف أنني أفضّلها عليهم جميعًا.
السكرتيــــــــــــر: أعرف ذلك, يا سيّدي, وأعرف أيضًا أنّك بدون دعمهم لن تحصل على تمورك؟
شقــــــــــــــــــران: هذا أسوأ ما في الأمّر, لكنّني أعرف كيف أسيطر عليهم, أليس كذلك؟
السكرتيــــــــــــر: كالعادة هم يستغلون غضبهم حتى تستجيب لمطالبهم, وأنت كالعادة تدفع لهم. وهل تدفع لهم من جيبك أصلًا.
شقــــــــــــــــــران: لكن ما سبب غضبهم هذه المرّة؟
السكرتيــــــــــــر: مسألة المؤتمر الصحفي الذي عقدته مع جيـري, كما سمعت أحدهم يقول.
شقــــــــــــــــــران: فهمت, فهمت, اذهب وأدخلهم.
السكرتيــــــــــــر: (يدخل ومعه عدد من ذوي اللحى الحمراء) تفضلوا, يا سادة, تفضّلوا, السيّد رئيس الحكومة في انتظاركم.
شقــــــــــــــــــران: (يذهب لاستقبالهم) أهلًا وسهلًا, أيّها السادة, تفضلوا, استريحوا.
اللحية الأولى: لن نستريح حتى نفهم معنى بيانكما المشترك.
اللحية الثانية: لم تطلب رأينا بهذا الخصوص كما تنص الاتفاقية بين قائمتي وبينك.
اللحية الثالثة: هذا يخالف بنود الائتلاف الحكومي.
اللحية الرابعة: لا نستطيع السكوت على هذا التصرف أكثر من ذلك, ألا يكفينا ذلك الفستان العاري؟ كيف تسمح لنفسها بأن ترتديه؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (داخلة بثوب أحمر شفاف وحافية القدمين. تنظر إليها اللحى بمزيج من الرغبة والاستنكار) لقد نسيت فستاني الجديد, أين هو؟
شقــــــــــــــــــران: ها هو في الصندوق, يا تـارا. (للّحى) لقد اشترت فستانًا جديدًا أكثر تواضعًا, وصل قبل قليل من غمليكا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (واقفة أمّامهم حاملة الصندوق وهم بين ناظر وغاض للطرف) هل تريدون رؤيته، معالي لحاكم؟
اللحية الأولى: لقد رأينا ما يكفينا في الماضي والحاضر.
تــــــــــــــــــــــــارا: والمستقبل, ما رأيكم أن تروا هذا أيضًا, معالي لحاكم.
اللحية الثانية: أنا أفضل أن أرى مستقبلنا معًا.
اللحية الثالثة: لم يبق لنا مستقبل هنا.
تــــــــــــــــــــــــارا: لماذا تقول هذا, معالي لحيتك؟
اللحية الثالثة: هكذا لا يبنى المستقبل.
شقــــــــــــــــــران: وكيف يبنى المستقبل, معالي لحيتك؟
اللحية الثالثة: ببناء جدار من الثقة.
شقــــــــــــــــــران: ألا ترى أنني جاد في بنائه, معالي لحيتك؟
اللحية الرابعة: هذا جدار عزل وليس بناء.
شقــــــــــــــــــران: كيف تقول هذا, معالي لحيتك, وأنتم من طالبتم ببنائه وقد كلّفنا ذلك أمّوالًا طائلة.
اللحية الرابعة: لا تكفي هذه الأمّوال لسدّ احتياجات مدارسنا ناهيك عن موظفينا ومصاريفنا.
اللحية الأولى: ما نحصل عليه ما هو إلاّ فتات الفتات.
اللحية الثانية: هل تبنى الثقة هكذا؟ حتى حجر من الثقة لا يمكن بناؤه هكذا.
تــــــــــــــــــــــــارا: (ما زالت واقفة أمّامهم متناسين وجودها) هل أنتم متأكدون أنّكم لا تريدون رؤية الفستان.
اللحية الأولى: نريد رؤية مطالبنا مستجابة, معالي فستانك, أقصد معاليك.
تــــــــــــــــــــــــارا: (وهي خارجة) رغبت في أن تروه, لعلّ أحدكم يريد شراء فستنان مثله لزوجته, لكن يبدو أنّكم غير جادين.
اللحية الثانية: بل نحن جادون جدًا ونرفض ما صرّحت به في المؤتمر الصحفي.
شقــــــــــــــــــران: لم أصرّح إلّا بما سبق لي أن صرحت به عشرات إن لم يكن مئات المرّات، وأنتم تعرفون أنّني بكلّ ما يتعلّق بالسلام لا أعني ما أقول وأقول ما لا أعنيه. هل صدقتموني يومًا؟
اللحية الثالثة: لم نعهد عليك صدقًا.
شقــــــــــــــــــران: لماذا أنتم غاضبون إذًا؟
 (يظهر الشبح)
الشبـــــــــــــــــح: أعرف أنّك لن تصدق أبدًا.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) كيف أصدق وأنت ترى هؤلاء الطفيليّين؟
اللحية الثالثة: نحن الطفيليّون! هذه إهانة كبرى للحانا.
شقــــــــــــــــــران: آسف لم أوجه الحديث لمعالي لحيتك, بل إلى...
اللحية الأولى: وجهتها لي إذًا!؟
شقــــــــــــــــــران: ليس لك ايضًا, معالي لحيتك.
اللحية الثانية والرابعة معا : فهي لي إذًا!؟
شقــــــــــــــــــران: ليس لمعالي لحيتكما.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) أخرج من هنا, لا أريد رؤيتك هنا إطلاقًا، هيّا انصرف.
(تنظر اللحى نحو بعضها بعضًا مستهجنة ومستنكرة, ثم تنهض دون أن تغادر الغرفة )
لن أسمح لك أن تهدم ما أقمته من ائتلاف موسع, لن أسمح لك.
اللحية الأولى: أنت الذي تريد هدمه, بالأمّس البعيد بفستان عار وبالأمّس القريب ببيان صحفي.
شقــــــــــــــــــران: عار هو الآخر.
الشبـــــــــــــــــح: ستظل عاريًا إلى الأبد, أنا أعرف أشكالك فمثلك يظل عاريًا رغم البدل الفاخرة التي تلبسها.
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) وأنت ستظل مدفونًا إلى الأبد.
اللحية الأولى: أنا مدفون, ومن دفنني.
شقــــــــــــــــــران: لا أقصدك, معالي لحيتك.
اللحى الأخرى معا: أتقصدنا؟
شقــــــــــــــــــران: ولا أنتم، اطمئنوا.
(يجلسون ثانية)
الشبـــــــــــــــــح: ستموت ولن يذكرك أحد بكلمة طيّبة, وأوّلهم هؤلاء الذين سميتهم طفيليّين. لكنّك طفيليّ وجبان أكثر منهم.
شقــــــــــــــــــران: هؤلاء الطفيليّون هم من أجلسوك هناك وأجلسوني هنا, هذا هو الفرق بيننا, أنت هناك وأنا هنا.
(تنظر اللحى الحمراء حولها مشدوهة)
الشبـــــــــــــــــح: حتى الآن لا تستطيع التمييز بين الحيّ والميت.
شقــــــــــــــــــران: أنت الميّت, أنت. (للّحى) ليس أنت ولا أنت ولا أنت ولا أنت. (للشبح) أنت الميّت, هل تسمعني, أنت الميّت, لماذا لا تدرك ذلك, لماذا؟
الشبـــــــــــــــــح: يا خسارة, رغم أني أرغب في قتلك كما قتلتني وما زلت تقتلني.
شقــــــــــــــــــران: لن أخافك مرّة أخرى حتى لو قتلتني.
اللحية الثالثة: (ناهضًا) هيّا انهضوا, ماذا تنتظرون؟ أن يلقي القبض علينا بتهمة التخطيط لقتله.
اللحية الرابعة: لم يعد لنا بقاء هنا, لنخرجنّ الآن.
شقــــــــــــــــــران: لا تخرجوا, ابقوا, الكلام غير موجّه إليكم.
اللحية الأولى: كيف ولا يوجد أحد غيرنا في الغرفة؟
اللحية الثانية: هل تسخر منا؟ ألهذا الحد وصل استهتارك بنا؟
شقــــــــــــــــــران: اجلسوا رجاء, حديثي لا يخصكم.
الحية الرابعة: يخصّ من إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: يخصّني ويخصّه فقط.
اللحية الثانية: اجلسوا يا أصدقائي, طالما الحديث لا يخصّنا.
اللحية الأولى:يخصّ من إذًا؟
اللحية الثانية: يخصّ من يخصّه, لا شأن لنا بذلك.
اللحية الثالة: إذا كان الأمّر كذلك فلنجلس.
( يُسمع صراخ تـارا في الخارج, ثم تدخل وهي تجرّ خادمة من شعرها. تظلّ اللحى جالسة تراقب المشهد والدهشة تصعقها صعقًا)
تــــــــــــــــــــــــارا: هذا أمّر يجب ألاّ يُسكت عليه.
شقــــــــــــــــــران: أيّ ذنب اقترفته هذه التعيسة الآن؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لم تقم برش العطر في المرحاض.
شقــــــــــــــــــران: أيّة جريمة هذه التي ارتكبتها أيّتها التعيسة؟
الخادمة: (والدموع منهمرّة على وجنتيها) رششت العطر قبل عشر دقائق فقط, يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: إنّها تعترف بكلّ وقاحة.
شقــــــــــــــــــران: لماذا فعلت ذلك, أيّتها التعيسة؟
الخادمة: ليس من المعقول أن أرش عطرًا في المرحاض كل عشر دقائق, ومع ذلك أفعل ذلك, فأين أخطأت, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: إذا قالت سيّدتك إنك أخطأت فأنت قد أخطأت لا محالة.
الخادمة: كيف, يا سيّدي, وأنا أنفذ ما تأمّرني به.
تــــــــــــــــــــــــارا: لقد رششت العطر بعد إحدى عشرة دقيقة, هل هذا صحيح؟
 الخادمة: نعم, يا سيّدتي, تأخرت دقيقة فقط لأنّني اضطررت لإحضار قنينة جديدة بدلًا من الفارغة, فاستغرق هذا الامر دقيقة إضافية.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل يحدث هذا في قصر "باكنغهام"؟ أبدًا لا يحدث, لماذا يحدث إذًا في بيتي, لماذا؟
شقــــــــــــــــــران: ليس لك عمل عندنا, هيّا احملي أغراضك وارحلي.
(تخرج الخادمة وتلحق بها تارا)
الشبـــــــــــــــــح: هل انتهيت من حلّ مشاكل الدولة, يا شقـران؟
شقــــــــــــــــــران: حتى أستطيع حلّ مشاكل الدولة يجب أن أحلّ مشاكلي بيتي أولًا, وأنت ترى أيّة مشاكل تواجه عائلتي, أليس كذلك؟
اللحية الأولى: أجل, يا سيّدي, أرى ذلك بوضوح. على كلّ ماذا علينا أن نفهم من بيانك المشترك مع جيري, يا سيّدي؟
اللحية الثانية: لنعد إلى موضوعنا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: أمّا سألتكم عن أكثر خصالي شهرة؟
اللحية الرابعة: أجل, سيّدي, وذكرناك بها.
شقــــــــــــــــــران: إذا لماذا تسألونني مرّة أخرى؟
الشبـــــــــــــــــح: أنت كاذب مرضيًا. لا شفاء لك من كذبك.
شقــــــــــــــــــران: نعم, أنا مريض, أنا مريض, هل ارتاحت الآن؟
اللحية الأولى: أجل, يا سيّدي, جميعنا نرى ذلك بوضوح. لكن ماذا بالنسبة لمطالبنا؟
شقــــــــــــــــــران: أين هي مطالبكم, معالي لحيتك؟
اللحية الأولى: في هذه الورقة, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: (يتناول من يده الورقة, يفتحها ودون أن يقرأ ما جاء فيها من مطالب يوقّع عليها ويعيدها إليه) هل أنتم راضون الآن, معالي لحاكم؟
الحية الأولى: أجل, يا سيّدي, شكرًا لك. عافاك الله وشافاك.
اللحية الثانية: (لنفسه) بل لتبق مريضًا.
اللحية الثالثة: (لنفسه) مرضك يصب في مصلحتنا.
اللحية الرابعة: (لنفسه) ليدم مرضك, يا سيّدي.
(تخرج اللحى ويبقى الشبح وشقــران في الغرفة)
الشبـــــــــــــــــح: هل أنت راض عن نفسك, يا شقــران؟ لا أعتقد ذلك. (يختفي الشبح)

 

 

 

 

 

الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬
المشهد‭ ‬الأول
(مكتب شقــران ذاته. شقـران وأعضاء الحكومة المصغّرة مجتمعون)
شقــــــــــــــــــران: (مرتديًا بدلة سوداء متناغمة مع وجهه العابس) طلبت انعقاد هذه الجلسة الطارئة حتى نقرر كيف نردّ على قتل المخطوفين الثلاثة.
هنيبال: (رجل قصير القامة أصلع الرأس ذو ملامح تثير الاشمئزاز في النفس) علينا أن نحتل ربليكا بحري من جديد وأن نصفّيهم واحدًا واحدًا.
طبل- مان: (بكرشه الضخم ورأسه الكبير وعينيّه الجاحظتين) عدم ردّنا عليهم وبقوة يظهر ضعفنا. لا مجال للتهاون معهم. قلت ذلك مرارًا وقبل عمليّة السطو على مخزن النور. عليهم البقاء في ظلام دامس إلى يوم يبعثون.
عليلي: (بطول قامته وعظم كرشه ووجهه الأصفر وملامحه القاسية) أجل سنحرمهم من أيّ بصيص من نور وسنسحقهم سحقًا بدون تردّد أو تأجيل.
شقــــــــــــــــــران: هل بينكم من يريد أن يتكلم؟ لا أحد, إذًا لنصوت على قرار شنّ الحرب على ربليكا بحري. القرار بالإجماع. أشكركم وباسمكم جميعًا سأعلم قادة الجيش بقراركم هذا, واعتبروا الحكومة المصغّرة في حالة انعقاد مستمرّة.
(يخرج أعضاء الحكومة المصغّرة ويظهر الشبـح)
شقــــــــــــــــــران: انتهى الأمّر وانتهيت معه, أيّها الشبح.
الشبـــــــــــــــــح: أنا لا أنتهي أبدا فالعالم كلّه يؤمن بي وفقط ثلة من أمّثالك ترفضني.
شقــــــــــــــــــران: لنحيا ونرى. قل لي لماذا جئتني الآن بعد أن اتّخذ القرار وابتدأ المشوار.
الشبـــــــــــــــــح: تقصد مشوار القتل والدمار, فالحرب بالنسبة لكم مجرد مشوار, مع العلم أنّكم جربتم ذلك في السابق. على كلّ هل تذكر السؤال الذي وجهته لك من قبل؟
شقــــــــــــــــــران: أعده عليّ رغم أنه لن يغيّر من الأمّر شيئًا.
الشبـــــــــــــــــح: سألتك إن كنت راضيًا عن نفسك؟ (يختفي الشبح)
شقــــــــــــــــــران: (يتأمّل صورته المعلقة أمّامه على الحائط, ثم يدخل في حوار مع نفسه) هل أنت راض عن نفسك, يا شقــران؟ أصدق إن أكذب وأكذب إن أصدق. من سيذكرني بعد أن يُطاح بي وأخسر الكرسيّ؟ هل سيذكرني من لا يطيقون رؤيتي ولولا استفادتهم من بقائي في السلطة لما نظروا إليّ حتى بأطراف أعينهم؟ الشبح محقّ في كلامه, أنا أحيا حتى أمّوت, أو بالأحرى حتى أبقى في السلطة, أمّّا هو فمهما قتلناه سيحتاجه الناس دائمًا وأبدًا بل ويردّدونه كلّما يتقابلون. لقد كان الشبح صادقًا عندما قال إن الشعوب لا تحيا على الحروب فقط, لكن ألم يُكتب علينا أن نحيا على حدّ السيف؟ هل نحن ملعونون حتى نعيش على نقيض شعوب العالم؟ نظل نعمل ونكدّ من أجل الحرب القادمة, ننجب أولادًا, نكبرهم, نعلمهم, نثقفهم ونبنيهم ليصبحوا جنودًا يَقتلون ويُقتلون في حروب أبديّة. إلى متى سنظل نبني للدمار والخراب لنا ولغيرنا؟ هل حقًا لا يوجد سبيل يحقّق للجميع الأمّن والسلام؟ يقولون لو صدق العزم وضح السبيل, فأين هو السبيل؟
(يعود الشبـح للظهور مجددًا)
الشبـــــــــــــــــح: ما لي أراك مطرقًا, يا شقـران؟
شقــــــــــــــــــران: (رافعًا رأسه نحو الشبح) أفكر في الدنيا.
الشبـــــــــــــــــح: في يدك إصلاحها إن أردت.
شقــــــــــــــــــران: كيف والأصوات من حولي تطالب بالحرب؟
الشبـــــــــــــــــح: للأسف صوت الغوغائيّة أعلى من صوت العقلانيّة. والغوغائيّة تعيش على التطرف ومحو الآخر والتمسك بعقائد مدمّرة حتى لصاحبها. فمن يرى الحقّ والحقيقة في جانبه فقط, لا يستطيع مدّ يده للسلام. في النهاية لا يصحّ إلاّ الصحيح.
شقــــــــــــــــــران: (متأمّلًا) ما هو الصحيح, أيّها الشبح الفيلسوف أو الفيلسوف الشبح؟
الشبـــــــــــــــــح: لا تهمّني التسمية, ما يهمّني ما يجب عليك فعله, بكلمات بسيطة عش واترك الآخرين يعيشون أيضًا. لا سلام مع احتلال ولا احتلال بدون مقاومة ولا حرية للغاصب ولا طمأنينة لمستبدّ أو ظالم ولا راحة بال لمتطرف حتى وإن تظاهر أنّه ينعم بها.
شقــــــــــــــــــران: جميعنا ننعم بها وسوف ننعم بها أكثر وأكثر قريبًا.
الشبـــــــــــــــــح: هل تعتقد أن قتل وجرح وتشريد الآلاف منهم وتدمير عشرات الآلاف من منازلهم سيحلّ مشاكلك الداخليّة؟ في الحقيقة أنا أتساءل كيف يمكنكم أن تناموا قريري العين وأنتم تقذفونهم بآلاف الأطنان من القنابل؟ ما الذي جرى لكم؟ كيف أصبح قتل الربليكيّين أمّرًا طبيعيًا عندكم؟ كيف لا تشعرون بالألم أو الندم؟ كيف وصلتم إلى ذلك؟ هل قيمكم فعلًا تنادي بذلك؟ لا, مستحيل, لكن هذا ما يحدث طالما يظلّ الصراع قائمًا ولا ينتهي بمصالحة حقيقية وسلام عادل وشامل. الحروب المستمرّة تنجب الكراهية والكراهية تقتل في الإنسان إنسانيته فيصبح قتل العدو حتى لو كان بريئًا أمّرًا اعتياديًا بل ووطنيًا وبطوليًا بل وواجبًا مقدسًا. ألا ترى ما يحدث حولك كلّ يوم. أنتم تقتلون وهم يقتلون وأنتم تردّون وتنتقمون وهم يردّون وينتقمون وهكذا دواليك. الكراهية كرة ثلج تكبر وتكبر ولن تفيدكم كلّ وسائل القتل والتدمير والتهديد والوعيد. مهما قتلتم ومهما دمرتم لن تنتهي القضيّة, ابداً لن تنتهي طالما ظلت امرأة ربليكيّة قادرة على الإنجاب ونساؤهم الحمد لله مفعمات بالخصوبة.لذلك لن تموت قضيّتهم ولن ينقرضوا مهما حاربتموهم ومهما صمت البرعيليّون صمت أهل القبور، ولتعلم أنّ القويّ لا يبقى قويّا إلى الأبد والضعيف لا يبقى ضعيفًا إلى الأبد. قل كيف ترى وضع همليكا بعد مئة سنة أو مئتين أو حتى بعد ألف سنة. هل فكّرت في هذا؟
شقــــــــــــــــــران: نعم فكرّت.
الشبح: بماذا؟
شقــــــــــــــــــران: بالكرسيّ!؟
الشبـــــــــــــــــح: ( حانقًا) الكرسيّ, مرّة أخرى!؟ خذه معك إلى القبر.
شقــــــــــــــــــران: هل أفعل ما كان الفراعنة يفعلونه قبل آلاف السنين؟
الشبـــــــــــــــــح: افعل ذلك طالما لا تفكر إلّا بالمادّيات. حسبتك قابلًا للتغيير لكنّ أمّثالك وكل ّمن تربى على قيم عنصريّة متجذرة فيه تجذّر الجبال التي لن تميد إلّا يوم القيامة، لا يملك القدرة على تغيير نفسه فما بالك على تغيير مجتمعه أو محيطه ناهيك عن العالم بأسره. لقد سئمت منك لكنّني على يقين أنّني سوف اصبح حقيقة ولو بعد حين.
شقــــــــــــــــــران: إذاً لا تظهر لي مجددًا، سبق لي أن طلبت ذلك مرارًا.
(يفتح الباب ويدخل السكرتيـر) ما الأمّر, أيّها السكرتير.
السكرتيــــــــــــر: سفير غمليكا في الخارج يطلب مقابلتك, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ألم يكن عندنا جيـري قبل أيام؟
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, على كلّ لا داعي للتكهنات, دعني أدخله وليكشف بنفسه عن سبب هذه الزيارة المفاجئة.
شقــــــــــــــــــران: اللعنة, إنّ رأسي تنفجر وأنا في حاجة لمزيد من الراحة لا النقاش.
السكرتيــــــــــــر: أعرف ذلك, يا سيّدي, لكن لا بدّ مما ليس منه بدّ.
شقــــــــــــــــــران: ( ينظر إلى الشبح الذي لم يختف بعد) أصبحت مثله تفهم بالفلسفة, هذا ما ينقصني الآن.
السكرتيــــــــــــر: مثل من, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: الش...إنس الأمّر هيّا أدخله.
(يدخل سفير غمليكا, يصافح شقـران ويسلمه رسالة. يشير له شقـران بالجلوس فيجلس بينما يقرأ شقـران الرسالة)
السكرتيــــــــــــر: هل تريد مني البقاء, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: يمكنك الخروج, أيّها السكرتيـر, لكن أريدك أن تتأكد من وصول وجبة طعام تــارا التي طلبتها منذ أكثر من ساعتين.
السكرتيــــــــــــر: سأفعل ذلك, يا سيّدي. (يخرج)
شقــــــــــــــــــران: (بعد أن قرأ الرسالة) موضوع الأراضي هذا شأن داخلي, ونحن لا نتدخل بشؤونكم الداخلية, أليس كذلك؟
السفيــــــــــــــــــر: (رجل طويل القامة في أواخر الستينات من عمره ويرتدي بدلة رمادية ناعمة) يا سيّدي, الإعلان عن مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الربليكيّين بالإضافة إلى المصادقة على بناء آلاف الشقق الجديدة في المستوطنات التي هي بحد ذاتها غير شرعية دوليًا لا يساعد على دفع عملية السلام خطوة واحدة إلى الأمّام.
شقــــــــــــــــــران: هذه بلادنا ولنا الحقّ في أن نستوطن في أيّة بقعة فيها، وللمعلومة سوف نسنّ قريبًا قانونًا يؤكّد همليكيّة الدولة بكلّ ما تملكه هذه الكلمة من معانٍ وإجراءات ونتائج. وعلى ما اعتقد أنتم تؤيّدون ذلك فلمَ الازدواجيّة في المواقف.
السفيــــــــــــــــر: أجل، يا سيّدي، أجل
شقــــــــــــــــــران: ما الذي تغيّر إذًا؟
السفيـــــــــــــــــر: لا شيء، إنّما......
شقــــــــــــــــــران: إنّما ماذا؟
السفيــــــــــــــــر: لا داعي لسنّ قانون كهذا فأنتم تمارسونه على أرض الواقع منذ قيام همليكا. بسنّ قانون كهذا أنتم تستفزّون البرعيليّين خاصة حلفاءنا من بينهم.
شقــــــــــــــــــران: لا تخف، لا شيء يستفزّهم. سوف يحتجون يشجبون يعلنون معارضتهم بل ويتهموننا بما يحلو لهم من اتهامات، يعني كما يقولون بلغتهم "فشة خلق" ألا يفعل حكامهم نفس الشيء عندما يسمحون لهم بالتظاهر ضد موقف من مواقفهم الداعمة لنا في الخفاء والمعارضة في العلن.
السفيـــــــــــــــــر: على كلّ أريدكم أن تعرفوا أنّنا ربمّا نتحفظ عن سنّ مثل ذلك القانون أو نتغاضى عنه ونتجاهله.
شقــــــــــــــــــران: ليكن ذلك.
(يظهر الشبح)
الشبح: هذه البلطجة لن تستمر إلى الأبد. فعلّا أنت بلطجيّ بامتياز.
شقــــــــــــــــــران: أنت لا تفهم شيئًا، غبيّ وستظلّ غبيًا.
السفيـــــــــــــــــر: لمَ تشتمني، يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: (للشبح) أنا بلطجيّ! كيف تجرؤ على قول هذا لي؟ هل نسيت انّني ملك همليكا.
السفيــــــــــــــــــر: معذرة، يا سيّدي يبدو أنّك أسأت فهمي. لم أصفك بالبلطجة.
شقــــــــــــــــــران: لم أقل إنّك فعلت ذلك.
السفيــــــــــــــــــر: لمَ شتمتني إذًا؟
شقــــــــــــــــــران: لم أشتمك، معذرة، لقد شتمته.
(ينظر السفير حوله دون أن يرى أحدًا غيرهما في الغرفة)
 (في هذه اللحظة يُسمع صوت انكسار أغراض في الخارج. ثم يُفتح الباب بعنوة وتدخل تـارا ومعها مزهريّة, ثم يدخل السكرتير وخادمة أخرى)
الشبـــــــــــــــــح: يا إلهي, ألا تهدأ هذه المرأة للحظة؟
شقــــــــــــــــــران: ما الأمّر هذه المرّة, يا تـارا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أدري من أين يأتونني بخادمة غبيّة كهذه.
شقــــــــــــــــــران: ماذا فعلت هي الأخرى؟ اصبري عليها حتى تتعود عليك, فهي تشتغل عندنا منذ يومين فقط بعد أن طردت ضيّقة العينين.
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) اللعنة, هل من الصعب وضع المزهرية في المكان الذي أحدّده؟
شقــــــــــــــــــران: لماذا لم تنفذي أمّر سيّدتك, أيّها الغبيّة؟
الخادمة: لقد وضعت المزهرية كما أمّرتني , يا سيّدي.
تــــــــــــــــــــــــارا: هل تكذبينني؟
الخادمة: معاذ الله, يا سيّدتي, لكنّني وضعتها حيث أمّرتني بوضعها.
تــــــــــــــــــــــــارا: (تضع المزهرية على طاولة مكتب زوجها) عندما أقول لك ضعيها هنا, ضعيها هنا وليس هنا. (ترفع تــارا المزهرية وتضعها بعيدًا عن المكان الأول بسنتيمتر. ثم ترفعها من جديد) هنا وليس هنا, هنا وليس هنا. اللعنة, ما الصعوبة في ذلك؟ (وبثورة عصبية تلقي بالمزهرية أرضًا وتهشمها) هل يحدث هذا في قصر باكنغهام؟ لماذا يحدث في بيتي إذًا؟
السفيــــــــــــــــــر: بالتأكيد هذا لا يحدث في قصر باكنغهام (لنفسه) ولا حتى في مصحّة نفسيّة.
تــــــــــــــــــــــــارا: أسمعت, يا شقـران, قول معالي السفير؟ هو يدعم كلامي. (ترفع منفضة سجائر وتلقي بها على الأرض فتتهشم)
السفيــــــــــــــــــر: (ينهض مذعورًا خاصة عندما أصابته بضع شظايا زجاجية) آسف, يبدو أنّني جئت في وقت غير مناسب, على كلّ سلمتك الرسالة, أستأذن من معاليك. (يخرج السفير دون أن يودعه شقران)
تــــــــــــــــــــــــارا: (صارخة في وجه الخادمة) هيّا اجمعي زبالتك وارجعي من حيث أتيت. لا أريد أن أرى وجهك القبيح مرّة أخرى. (إلى زوجها شقـران) وأنت, أين الطعام الذي طلبته. هل عليّ أن أذكرك به ألف مرّة, لماذا تثير أعصابي هكذا؟
شقــــــــــــــــــران: أقسم لك أنّني طلبته منذ ساعتين, حتى اسألي السكرتيــر. الطعام الخاص يستغرق إعداده بعض الوقت. على كلّ ربّما يكون في طريقه إليك. استمتعي به.
(تخرج تــارا ويبدأ شقـران بإزالة شظايا المزهرية من على الأرض وإلقائها في سلة المهملات القريبة منه. للشبح) أمّا زلت مسمّرًا في مكانك؟ على الأقل كن مفيدًا وارفع معي هذه الشظايا. فهمت, فهمت, مثلك لا يصلح لرفع شيء.
الشبـــــــــــــــــح: ومثلك لا يصلح لفعل أيّ شيء.
شقــــــــــــــــــران: هذا ما أنت فالح به, أن تطلب من الناس ما لا طاقة لهم به, أمّّا أنت فسوف تبقى خاليًا من أيّة مسؤولية.
الشبـــــــــــــــــح: فعلاً كلام الناس عنك صحيح مئة بالمئة.
شقــــــــــــــــــران: ماذا يقول الناس عني وهل هناك أكثر ممّا قالوه عني؟
الشبـــــــــــــــــح: يقولون إن من لا يقدر على إدارة شؤون بيته يعجز عن إدارة شؤون دولة.
شقــــــــــــــــــران: ليقولوا ما يريدون قوله, لقد سئمت من أقاويلهم, ولمعلومتك فقط كلّما هاجموني أو هاجموا زوجتي ارتفعت نسبة تأييد الجمهور لي.
الشبـــــــــــــــــح: لأنّه جمهور يعيش في دوامة من الأوهام المتعاقبة, وقد جعلته يتألم بصمت وينزف بصمت ويموت بصمت.
شقــــــــــــــــــران: هراءٌ في هراء. كل ما تقوله لا يسمن ولا يغني من جوع. الناس راضون بحياتهم وأنت الوحيد الذي لا يعجبك وضعنا.
الشبـــــــــــــــــح: يا لك من غبيّ تعيس بل وأعمى. أنت لا ترى ما يمرّ به شعبك من هموم ومن أزمات ولا يسمعون منكم سوى الوعود الكاذبة. وكلّما تضعضع مركزك أدخلتهم في حرب عبثيّة من جديد وشحنتهم بالكراهية للآخرين لينسوا أو يتناسوا مطالبهم. هذه اللعبة لن تستطيع لعبها إلى ما لا نهاية, ففي النهاية ستدفع الثمن غاليًا وسوف ترى.
شقــــــــــــــــــران: (يرفع سماعة التلفون ويتصل برقم ما) شيف رامي, لم تصل الوجبة التي طلبتها لتارا حتى الآن, أنت تسبّب لي مشاكل أنا في غنىً عنها. ماذا تقول؟ وصلت, حسنًا, أنقذتني, شكرًا.
الشبـــــــــــــــــح: أنت مثير للشفقة فعلًا. (يختفي الشبـح ويدخل السكرتير)
 شقــــــــــــــــــران: هات ما عندك, هذا يوم راحتي, أترى ما يحدث لي في يوم راحتي؟
السكرتيــــــــــــر: أنت فعلًا محتاج إلى راحة من الراحة, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ليت الناس تدري ما أعانيه من أجل تأمّين رفاهيتهم, أتراهم يدركون ذلك, أيّها السكرتيــر؟
السكرتيــــــــــــر: بكلّ تأكيد, يا سيّدي, وهم يقدرون معاناتكم, لذلك أرجأوا بل وجمّدوا كلّ المظاهر الاحتجاجية التي كانوا يخطّطون القيام بها.
شقــــــــــــــــــران: الشعب موحّد من اليمين إلى اليسار, أليس كذلك؟
السكرتيــــــــــــر: عرفت كيف تخرس اليسار, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ما اليسار إلى دمية خرساء نعرضها أمّام العالم متى نشاء. هل تعتقد أنّ هناك فرق بين يميننا ويسارنا؟
السكرتيــــــــــــر: اللاعب الممتاز يستعمل يمناه ويسراه, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: صحيح, هذه أزمة اليسار عندنا.
السكرتيــــــــــــر: لليسار أزمات كثيرة, يا سيّدي, أيّة أزمة تقصد؟
شقــــــــــــــــــران: هم يتحدثون ولا يفعلون شيئًا, والأهم من ذلك أنهم منقسمون والمنافسة بينهم لن توحّدهم أبدًا, فكلّ واحد منهم يريد أن يكون رئيسًا للحكومة وحتى لو صار لن يفعل غير ما أنا فاعله. أمّا نحن فلا نتحدث ونفعل كثيرًا ونتوحّد بسرعة.
السكرتيــــــــــــر: أنت الوحيد الذي يقدر على ذلك، يا سيّدي
شقــــــــــــــــــران: من يمثل جيّدًا, يفعل كلّ شيء.
السكرتيــــــــــــر: كيف؟
شقــــــــــــــــــران: ألا يبكي الممثل, يبكي, ألا يضحك, يضحك, ألا يتظاهر بالحبّ, يتظاهر, ألا يتظاهر بالألم, يتظاهر, ألا يعزّي, يعزّي, إلى آخره. كل هذه أعمال وهميّة مجرد إثارة لعاطفة الضعفاء.
السكرتيــــــــــــر: الممثل, يا سيّدي, يقدّم إثارة لا تضرّ ولا تؤذي أحدًا, بعكس الممثل السياسيّ الذي بناءً على أدائه تعتمد الدولة كلّها. تخيّل, يا سيّدي, لو كان أداء الممثل السياسيّ كارثيًا, تخيّل أيّة ويلات سيجلبها إلى بلاده.
شقــــــــــــــــــران: الممثل البارع أداؤه بارع دائمًا.
السكرتيــــــــــــر: النتائج تتكلّم, يا سيّدي. أتدري, يا سيّدي, ما الفرق بين حرب لنا وأخرى؟
شقــــــــــــــــــران: طالما أصبحت تتحدّث مثله, قل لي ما هو الفرق؟
السكرتيــــــــــــر: الاسم الذي نطلقه على كلّ حرب. وأعتقد أنّنا قريبًا لن نجد أسماء نطلقها على حروبنا القادمة. عن اذنك, يا سيّدي, سأعود إلى مكتبي.
شقــــــــــــــــــران: تفضل.
(قبل أن يفتح السكرتير الباب ويخرج, يُفتح الباب بقوة فيجفل إلى الوراء متألمًا. تدخل تـارا حاملة فستانها الجديد وصندوقًا فيه طعام. ثم يخرج السكرتير متجنبًا المواجهة القادمة)
تــــــــــــــــــــــــارا: أنت السبب, أنت السبب.
شقــــــــــــــــــران: ما الذي حدث الآن؟ هل تنفست إحدى الخادمات أكثر ما ينبغي ولوثت الجو؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أكثر من ذلك.
شقــــــــــــــــــران: ما المشكلة الآن؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (غاضبة) أنت.
شقــــــــــــــــــران: أنا! كيف؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هل رأيت هذا الفستان؟
شقــــــــــــــــــران: رأيت فساتين كثيرة لك فخزانتك تتساقط منها الفساتين, فما الذي يميّز هذا الفستان بالذات عن بقيتها؟
تــــــــــــــــــــــــارا: جاءني هذا الفستان من غمليكا قبل أيّام وعرضته أمّامك عندما كانت لديك بعض اللحى, هل تذكر ذلك؟
شقــــــــــــــــــران: أجل, تذكرت الآن. ما به؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ضيّق عليّ كثيرًا.
شقــــــــــــــــــران: ضيّق عليك, كيف؟ ألم ترتديه هناك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: بل ارتديته وكان مناسبًا جدًا كأنه خيِّط على مقاسي.
شقــــــــــــــــــران: ما الذي تغيَّر إذًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: (ضاغطة على أجزاء مختلفة من جسمها بعصبية زائدة) البطن, الصدر, الفخذان, كلّي على بعضي.
شقــــــــــــــــــران: هل غيّرت بعض الأجزاء؟
تــــــــــــــــــــــــارا: هل أنت أعمى, أنظر جيّدًا.
شقــــــــــــــــــران: ذلك الإنسان أو من كان إنسانا اتهمني بالعمى وأنت الآن تتهميني به, هل حقًا أصبحت لا أرى؟
تــــــــــــــــــــــــارا: بالتأكيد, فأنت لا تنظر إليّ ولا ترى ما أشرت إليه.
شقــــــــــــــــــران: وهل هناك شيء يستحقّ النظر إليه؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أولًا أنا لست شيئًا, ثانيًا صحيح أنّ لك عيون لكنّها لا ترى بدليل لم تفهم أنّني سمنت كثيرًا منذ أن اشتريت الفستان حتى أصبح لا يلائمني.
شقــــــــــــــــــران: إن سمنت فما ذنبي أنا؟ من يأكل أنا أمّ أنت؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أنت تريدني أن أسمن حتى تنظر كعادتك لعارضات الأزياء. هل تتصور أنّني لا أقرأ ولا أعرف ولا أفهم.
شقــــــــــــــــــران: لم أقل ذلك وهذه فترة انتهت من حياتي واعتذرت, لكن لماذا أكون السبب في سمنتك؟
تــــــــــــــــــــــــارا: تقتلني بوجبات الطعام التي تطلبها لي, وجميعها تزيدني سمنة حتى أصبحت كالبقرة التي وصفني بها ذلك اللعين. كلّ فساتيني لم تعد تلائمني فأضطر لشراء فساتين جديدة باستمرار وللأسف لا يفهم الناس لماذا خزانتي مليئة بالملابس فيعذلوني ولا يعذروني, وأنت السبب.
شقــــــــــــــــــران: كيف أكون السبب وأنت قبل قليل جئتني ثائرة لعدم وصول وجبة الطعام التي طلبتها لك؟ والآن تهاجمينني على ذلك وتحملينني مسؤولية سمنتك. أليس هذا ظلمًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: ماذا سأفعل بهذا الفستان, يا شقران؟
شقــــــــــــــــــران: أفعلي به ما تشائين, فأنت لم تدفعي ثمنه. يمكنك أن تطلبي من أيّ مصمّم هنا أن يصلحه لك.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا أثق بمهارة أحد هنا.
شقــــــــــــــــــران: بماذا تفكرين إذًا؟
تــــــــــــــــــــــــارا: أفكر بإرساله إلى غمليكا حتى يعالجه من صمّمه. ما رأيك؟
شقــــــــــــــــــران: فكرة صائبة, طالما أن الأمّر لا يكلّفنا مليمًا.
تــــــــــــــــــــــــارا: ربما أسافر معه, هل تعتقد أنهم سيعتبرون سفري تبذيرًا للمال العام؟
شقــــــــــــــــــران: سافري معه, يا تــارا.
تــــــــــــــــــــــــارا: يمكنك أن تنضم إليّ وتطلب منهم كالعادة ترتيب محاضرة أو اثنتين لك هناك, وربّما ينضم الابن إلينا لاحقًا.
شقــــــــــــــــــران: كنت أودّ ذلك, لكنّني لا أستطيع.
تــــــــــــــــــــــــارا: لا تستطيع! منذ متى لا تستطيع؟ أكاد لا أُصدّق أذني.
شقــــــــــــــــــران: أنا مجبر على البقاء في البلاد, أمّّا أنت فمن الأفضل لكما أن تسافرا وتبتعدا عن البلاد خلال الفترة القادمة. ورجاء لا تسأليني لماذا. سافرا وتمتعا بوقتكما هناك.
تــــــــــــــــــــــــارا: إذًا احجز لنا تذكرتين في أقرب وقت ممكن.
شقــــــــــــــــــران: سأفعل ذلك. (تخرج تـارا ويبقى شقـران وحده. لنفسه) هل حقًا أنا سعيد؟ هل الملابس الفاخرة والسفر المتواصل والنزول في أرقى الفنادق والتي أختارها بنفسي ووجبات الطعام الملوكيّة والسجائر الفاخرة والإجازات في أجمل منتجعات العالم, هل كلّ هذه الأمّور تحقق السعادة للإنسان؟ ما الذي ستحققه لي بعد موتي؟ الموت, هذا الشيء الذي لا يفكر به البسطاء ولا يهابونه. هل سأصبح مثلهم نسيًا منسيّا, مجرد صفحة كانت وانطوت؟ أعرف أنّها صفحة غير مشرفة, لكنّني أريد أن أجعلها مشرفة, كيف, كيف؟ هل أستطيع تغيير نفسي أمّ كتب عليّ أن اظلّ وحيدًا عاجزًا وضعيفًا على غير ما يراني الناس أمّ تُراني صفحة مكشوفة أمّامهم؟ (يظهر الشبح ويقف دون كلام) ما لك صامت؟ ليس من عادتك أن تصمت, قل ما عندك (يظلّ الشبـح صامتًا) ألم تعد قادرًا على الكلام, أمّ أنّك لا تتكلم أصلًا وما كلماتك إلاّ صدى لأفكاري؟
الشبـــــــــــــــــح: أنت حالة ميؤوس منها, فلماذا أتكلم؟
شقــــــــــــــــــران: هل يئست مني فعلًا؟ ألا أستطيع ترك ميراث طيب بعد موتي؟
الشبـــــــــــــــــح: لم أعد أطيق رؤيتك ولا الحديث إليك.
شقــــــــــــــــــران: هل يمكن للإنسان أن يكذب على نفسه, ربّما على الآخرين, لكن على نفسه, هل هذا الكذب قابل للتصديق؟
الشبـــــــــــــــــح: أنت أكثر الناس خبرة بهذا الأمّر.
شقــــــــــــــــــران: أجل, أجل, لكن لدرجة أن يكذب الإنسان على نفسه.
الشبـــــــــــــــــح: كلّ شيء ممكن, ماذا تريد قوله, يا شقــران؟
شقــــــــــــــــــران: صدّق أنني أفكر بالموت, لا تفهم أنّني أخاف منه.
الشبـــــــــــــــــح: خوفك من الموت لا يضاهي خوفك من فقدان كرسيّك. لذلك يشغلك الخوف الثاني من التفكير في الخوف الأول.
شقــــــــــــــــــران: رجاءً لا تسخر مني, فالكلّ يسخر مني ومن زوجتي باستمرار رغم توسلاتي الكثيرة ألاّ يتعرضوا لها, ومع ذلك لا يبالون.
الشبـــــــــــــــــح: ماذا تريد أن تقول؟ اسألك للمرّة الثانية. ليس عندي وقت لأضيعه على محادثات عبثيّة.
شقــــــــــــــــــران: هل سمعت بها أيضًا؟
الشبـــــــــــــــــح: لا شيء تفعله خفيّ علينا هناك.
شقــــــــــــــــــران: هناك, أين, في شبح لاند؟ وهل يجتمع الأشباح أيضًا؟
الشبـــــــــــــــــح: نحن دائمًا نجتمع ونتحدث ونراقب ونبعث رسلًا لمن يحتاج توجيهًا لما فيه خير للبشريّة.
شقــــــــــــــــــران: ما هو هذا الخير الذي بمقدوري أن أغمر العالم به؟
الشبـــــــــــــــــح: السلام.
شقــــــــــــــــــران: السلام!؟ لقد ناديت من أجله كثيرًا ولكن لا يوجد شريكًا لي في الطرف الثاني.
الشبـــــــــــــــــح: أنت تريد خادمًا وليس شريكًا.
شقــــــــــــــــــران: هو ليس على قدر المسؤوليّة.
الشبـــــــــــــــــح: تقصد ليس على قدر رغباتك الشخصيّة. واعلم أن السلام المفروض على الطرف الأضعف لا يعني إلاّ الاستسلام وتكريس الاحتلال، ولن يقبل أيّ ربليكيّ من الكبير حتى الصغير بإملاءاتك . وإن كنتم تعتقدون بأنّكم أحسن حالًا منهم فأنتم جميعًا واهمون.
شقــــــــــــــــــران: إنّه غير قادر على اتخاذ قرارات حاسمة.
الشبـــــــــــــــــح: وأنت تضع أمّامه شروطًا تعجيزية حتى يرفضها فتتهمه بالضعف والعجز بينما أنت الضعيف وأنت العاجز بالرغم من القوة التي تتظاهر بامتلاكها.
(يدخل السكرتيــر ويختفي الشبح)
شقــــــــــــــــــران: كيف الأوضاع في الخارج, أيّها السكرتير؟
السكرتيــــــــــــر: هناك توتّر ما, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ألم تهدأ تـــارا بعد؟
السكرتيــــــــــــر: لا أتحدث عن تــارا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: الحمد لله. أين التوتّر إذًا.
السكرتيــــــــــــر: قادة الجيش يريدون معرفة ما تمّ الاتفاق عليه في جلسة الحكومة المصغّرة.
شقــــــــــــــــــران: كنت على وشك استدعائهم حتى أخبرهم بقرارهم, لكن تـارا أنستني الأمّر. أين هم الآن؟
السكرتيــــــــــــر: في الخارج, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: اذهب وأدخلهم فورًا.
(يدخل السكرتير مع بعض القادة العسكريّين)
تفضلوا أيّها القادة بالجلوس. لقد حان وقت العمل لتثبتوا للعالم أن جيشنا لا يُقهر أبدًا.
القائد العام: أفهم من ذلك, يا سيّدي, أنّكم اتخذتم قرارًا بشنّ الحرب؟
شقــــــــــــــــــران: وبالإجماع, أيّها القائد, وبدون حاجة إلى الإقناع, فبعضهم كان يزايد عليّ ويتهمني بالتردّد وحتى بالجبن.
القائد العام: هل حدّدتم ساعة لبدء الهجوم, يا سيّدي؟
شقــــــــــــــــــران: لقد تركنا تحديد الساعة لكم, فابحثوا الأمّر فيما بينكم واتركوا الأمّور الأخرى لنا.
القائد العام: حسنًا, يا سيّدي, سنناقش الأمّر فيما بيننا ونعلمكم بما وصلنا إليه من قرار. شكرًا لكم.
شقــــــــــــــــــران: بالتوفيق, أيّها القادة, أعيدوا الظلام إلى ربليكا.
القائد العام: أعدك, يا سيّدي لن يروا أصابعهم أمّام أعينهم.
(يؤدّي القادة العسكريون التحيّة ويخرجون)

 

 

 

الفصل‭ ‬الثالث
المشهد‭ ‬الثاني
(ملجأ رحب مغلق تمامًا ليس له سوى باب حديديّ ثقيل يدخل عبره تباعًا عشرات من الهمليكيّين المذعورين، كبارًا وصغارًا، ذكورًا وإناثًا, من بينهم عجوز مريض يرافقه ممرضه الخاص حاملًا أنبوبة أكسجين, وامرأة حامل في شهرها التاسع، تستند على ذراع زوجها وتسير بتثاقل والألم باد عليها. يستقر كلّ واحد منهم في مكانه وعلى فرشته والمألوفة له من خلال الحروب السابقة التي قامت همليكا بشنّها هنا وهناك في العالم البرعيّ، حروب متعاقبة لا تفصل بين الواحدة والأخرى سوى بضعة شهور أو سنين ناهيك عن العمليّات العسكريّة اليوميّة)
همليكيّ أوّل: مرّ على هذه الحرب أكثر من أسبوعين ولم تتوقف بعد. هل هذه هي النزهة التي وعدنا بها شقـران؟ إلى متى سنظل كالجرذان في هذا الملجأ, إلى متى؟
همليكيّ ثــــان: بل اسأل إلى متى سنظل كالجرذان ننتقل من ملجأ إلى ملجأ؟
همليكـيّ ثالث: السؤال الذي يجب أن يسأل هو كيف ستنتهي هذه الحرب؟
همليكيّ رابــــع: أيّ سؤال سخيف هذا؟ طبعًا سنهزمهم هزيمة نكراء, بل سنسحقهم سحقًا.
همليكيّ أول: هكذا قالوا لنا مع بداية كلّ حرب قمنا بها والحروب عديدة, أمّّا النتيجة فهي أنّنا نحاربهم منذ أسبوعين ولا نرى نهاية لهذه الحرب.
همليكيّ رابــــع: علينا أن ندعم جيشنا في هذه الأيّام العصيبة لا أن نشكّك في قدراته. من يشكّك في قدرات جيشنا جبان وخائن.
همليكيّ ثــــان: على رسلك, يا أخي, لا أحد يشكّك في قدرات جيشنا, لكنّني أشكك في قدرات حكومتنا.
همليكيّ خامس: لقد سئمنا من الحروب, ألا توجد طريق أخرى لإنهاء هذا الصراع.
العجــــــــــــــــوز: (وهو يتنفس من خلال أنبوبة الأكسجين بين الفينة والأخرى) لقد اشتركت في....جميع حروب همليكا...ولم أقتل. هذه هي الحرب الأولى التي.... لا أشارك فيها...لكنّني أحسّ بأنّها ستقتلني.
همليكيّة أولــــى: أطال الله عمرك, يا جدّي.
العجــــــــــــــــوز: (وهو يتنفس عبر أنبوبة الأكسجين) أنا لا أهاب الموت...واجهته كثيرًا...أنا قلق على ...مستقبل هؤلاء الأطفال... يجب ألّا يعيشوا...كل سنين حياتهم...في ظل الحروب والملاجئ.
همليكــيّ ثــــان: كيف, يا جدّي, والصراع ما زال قائمًا؟
(ينتاب السعال الشديد العجوز فلا يستطيع الرد)
همليكيّة أولــــى: دعوه يرتاح ولا تتعبوه بأسئلتكم.
المـــــمــــــــرض: أنبوبة الأكسجين على وشك الانتهاء, نحتاج إلى أنبوبة جديدة.
همليكيّة ثانية: لمَ لمْ تحضر معك أنبوبة جديدة طالما تعرف أنّ الأنبوبة على وشك الانتهاء؟
المـــــمــــــــرض: هذه آخر أنبوبة في البيت.
همليكيّة أولــــى: لمَ لمْ تطلب أنبوبة أخرى من قبل؟ لمَ تنتظر حتى تنتهي هذه الأنبوبة؟ أتريده أن يموت؟
المـــــمــــــــرض: لا سمح الله, يا سيّدتي. طلبت له اثنتين قبل أسبوع وحتى الآن لم يصلنا شيء.
همليكـيّ أول: نحن في حرب, يا ناس, ألا تفهمون ما معنى حرب؟ مثل هذه الأمّور وأسوأ منها تحدث في الحروب. كلّ الحروب ممكن تجنبها إلاّ حروبنا التي دائمًا نقنع أنفسنا فقط بأنها مفروضة علينا.
همليكيّ رابــــع: ألا تصمت أيّها اليساري الحقير؟
همليكــيّ أول: لأنني أقول الحقيقة أصبحت يساريًا وحقيرًا أيضًا.
زوجة الهمليكيّ الأول: أنت الحقير وليس زوجي. أمّثالك لم يخدموا في الجيش, بينما زوجي خدم في عدة حروب وما زال مسجلًا في جيش الاحتياط, يعني من المحتمل أن يستدعوه للخدمة في كلّ لحظة إن لم تتوقف هذه الحرب اللعينة, وكلّ ما تفعله هو أن تتهم الآخرين بالخيانة وأنت, أيّها الطفيّلي, أول الخائنين.
همليكيّ خامس: هذه حرب مباركة بإذن الله؟
همليكــيّ ثــــان: لا توجد حروب مباركة. من أين أتيت بهذه التسمية؟ هل قتل وجرح ألاف الأبرياء وتدمير عشرات الآلاف من المنازل أمّر يباركه الله؟
همليكيّة ثالثـــة: وهل حشرنا في هذا الملجأ أمّر يباركه الله؟
همليكيّ ثــــان: طبعًا لا, أنا كإنسان لا أقبل بحشرنا هنا ولا بقتلهم هناك. لقد رأيتم مئات الأطفال والنساء بل وعائلات كاملة قتلى تحت الأنقاض وفي الشوارع, هل أنتم راضون بينكم وبين أنفسكم عمّا يحدث هناك؟ ألا تؤثر فيكم مثل هذه المشاهد؟ ألا تذكركم بمشاهد كنا ضحيتها؟
همليكيّة ثالثـــة: هل تريدنا أن نقتل مثلهم؟ من طرفي ليقتلوا هم لا أن نُقتلَ ويُقتلَ أطفالنا.
همليكـيّ ثــــان: لا أريدنا أن نُقتل ولا أريدهم أن يُقتلوا. يجب وضع حدّ لهذا الصراع. إلى متى سنظل نقتلهم ويقتلوننا.
همليكيّة ثالثـــة: هم البادئون وعلى البادي تدور الدوائر.
همليكــيّ أول: طالما يستمر الصراع, فمن الطبيعي أن تتواصل عمليات العنف المتبادل. واتهام هذا الطرف أو ذاك ببدء الهجوم لا ينهي الصراع بل يعقّده.
(فجأة تصرخ المرأة الحامل فينظر إليها الجميع بقلق وخوف وتعاطف.)
زوجــــــهــــــــــا: هل أنت بخير؟ ما الذي حصل؟
الـــــــزوجــــــــــة: لا أدري, فجأة شعرت بألم شديد.
زوجــــــهــــــــــا: والآن كيف تشعرين؟
الــــــــــــــــــزوج: لا أدري.
(تركت أمّ همليكيّة متوسطة العمر أطفالها الثلاثة وقامت إلى المرأة الحامل)
أمّ أولـــــــــــــــى: في أيّ شهر أنت, يا عزيزتي؟
الـــــــزوجــــــــــة: (متألمة) في الشهر التاسع.
أمّ أولـــــــــــــــى: متى تتوقعين الولادة؟
الـــــــزوجــــــــــة: خلال أسبوع.
أمّ أولـــــــــــــــى: (للزوج) يجب نقلها إلى أقرب مستشفى حالًا. هذه هي بداية الطلق عندها. قد يقدّم التوتر الذي نعيشه موعد ولادتها. هيّا اتصل بالإسعاف.
(الزوج يترك يد زوجته ويتصل بالإسعاف لكنّه يجد الخط مشغولاً)
الــــــــــــــــــزوج: الخط مشغول, سأحاول مرّة اخرى.
(الزوجة تطلق صرخة أخرى بعدها يسمع صوت انفجار قريب)
طفــــــــل أول: (يخفي رأسه في حضن أمّه) أمّي أنا خائف جدًا. هل سيقتلوننا؟
أمّ أولـــــــــــــــى: لا تخف, يا بني, لن يقتلوننا.
طفــــــــل أول: لماذا نحن هنا, يا أمّّي؟
أمّ أولـــــــــــــــى: حتى نكون في مأمّن, يا بني.
طفــــــــل أول: ممّن يا أمّي؟
أمّ أولـــــــــــــــى: من الشياطين, يا بني.
طفــــــــل أول: ماذا تريد الشياطين منا؟
أمّ أولـــــــــــــــى: لا شيء, يا بني.
طفــــــــل أول: سمعت الرجل يقول إننا نقتل أطفالهم, هل يقصد أطفال الشياطين؟
أمّ أولـــــــــــــــى: لا تخف يا بُنيّ.
طفــــــــل أول: هل للشياطين أطفال يا أمّي؟ هل هم مثلنا؟  لماذا لا نلعب معهم بدلًا من أن نقتلهم ويقتلونا؟
طفل ثانــــــي: أمّّي, أريد الذهاب إلى المرحاض.
أمّ ثانيـــــــــــــة: اصبر قليلًا, يا بني. سنعود إلى بيتنا قريبًا.
طفل ثانــــــي: أمّس قلت لي ذلك لكنّنا نمنا في الملجأ. أنا لا أحبّ الملجأ, أريد أن أنام في سريري.
أمّ ثانيــــــــــــة: ستنام في سريرك, يا بني.
(يسعل العجوز طويلًا رغم إسراع الممرض بوضع أنبوبة الأكسجين على أنفه)
طفل ثالــــث: ما به, يا أمّي؟
أمّ ثــــــالثــــــة: إنه مريض, يا بني, ليلطف الله به وبنا.
طفل ثالــــث: هل سيموت هنا, يا أمّي.
أمّ ثــــــالثــــــة: الأعمار بيد الله, يا بني.
طفل ثالــــث: هل سنموت هنا أيضًا؟
أمّ ثــــــالثــــــة: لا تفكر بالموت, يا بني. نم هنا بجانبي.
طفل ثالــــث: لا أستطيع, يا أمّي. أصوات الانفجارات تخيفني.
همليكـيّ أول: ليت أطفالهم يجدون ملجأ كهذا ينامون فيه.
همليكيّ رابــــع: كنت على حقّ عندما وصفتك بالخائن.
همليكـــيّ أول: من يحب الأطفال ويريدوهم أن يعيشوا بعيدًا عن القتل والتدمير والخوف ليس بخائن. كما أريد لأطفالنا الحياة أريدها أيضًا لأطفالهم.
همليكيّ رابــــع: أنت تدافع عن أطفالهم وهم يقتلون أطفالنا.
همليكــيّ أول: هل تعرف كم طفلًا من أطفالهم قتلنا وكم طفلًا من أطفالنا هم قتلوا؟ أعتقد أنّك تعرف ذلك لكنّ الحقيقة هذه لا تهمّك, فأنت وأمّثالك يعشقون الحرب والفرق بينك وبينهم أنّهم يعيشون في قصورهم وأنت تقبع في هذه الحفرة.
همليكيّة أولــــى: ألا تخجلان قليلًا؟ أولادنا يقاتلون هناك وأنتم تتجادلون هنا.
(يسعل العجوز بشدة ويزداد تمسك المرأة الحامل بذراع زوجها)
طفــــــــل أول: أمّّي أريد أن أذهب إلى المرحاض.
أمّ ثانيــــــــــــة: اصبر, يا بني, سنخرج قريبًا.
طفــــــــل أول: لا أستطيع, يا أمّي, لا أستطيع.
أمّ أولـــــــــــــــى: خذي هذه القنينة حتى يقضي حاجته فيها.
أمّ ثانيــــــــــــة: شكرًا لك. (تأخذ منها القنينة) لقد انطلقت صفارة الإنذار على حين غرة ولم تتح لنا فرصة لجلب أيّ شيء معنا. كما أنّني لم أتوقع أن يطول بنا المقام هنا.
أمّ أولــــــــــــــى: أجل, يا عزيزتي, طال الوقت كثيًرا هذه المرّة.
طفل ثالــــث: أمّّي, أنا جائع جدًا.
أمّ ثــــــالثــــــة: ليس لدي ما أقدّمه لك الآن. نحن أيضًا أسرعنا إلى الملجأ دون أن نأخذ معنا أيّ شيء.
همليكيّ خامس: (يرد على هاتفه الخلوي) ماذا تقول, يا رامي؟ لا أسمعك جيّدًا.
رامـــــــــــــــــــــي: وأنا أيضًا لا أسمعك جّيدًا, يا سامي؟ أين أنت؟
ســــــامـــــــــــــي: (يبتعد قليلًا) أنا في الملجأ, يا رامي. هل تسمعني الان؟
رامـــــــــــــــــــــي: أسمعك يا سامي, يؤسفني أن أخبرك بأن لصوصًا اقتحموا دكانك وسرقوا كلّ ما يحتويه من هواتف خلوية.
ســــــامـــــــــــــي: (صارخًا بغضب شديد) متى كان ذلك وكيف؟
زوجة سامـــــي: (قامت إليه قلقة) ماذا الذي حدث, يا سامي؟
ســــــامـــــــــــــي: سرق بعض اللصوص دكاننا, يا هيلانة.
هيــــــلانــــــــــــة: متى, كيف؟
ســــــامـــــــــــــي: انتظري حتى أفهم من رامي. أنا أسمعك الآن, يا رامي.
رامـــــــــــــــــــــي: استغلوا وجود الناس في الملاجئ واقتحموا عدة دكاكين من ضمنها دكانك.
ســــــامـــــــــــــي: هل علمت الشرطة بذلك؟
رامـــــــــــــــــــــي: أخبرت الشرطة، لكنّهم لم يصلوا حتى الآن.
ســــــامـــــــــــــي: حاول إغلاق الدكان حاليًا, وسوف أصل إلى هناك ريثما تسمح الظروف. (لزوجته) تم السطو على عدة دكاكين من ضمنها دكاننا. هذا ما فهمته من رامي.
همليكـــيّ أول: حتى تعرفوا ما تفعله الحرب بالناس. لا أخلاق في الحرب, حتى في أصعب الأوضاع لا يتورع بعض الناس عن ارتكاب جرائم بحق الآخرين.
همليكيّ سادس: هذه الحرب قضت على مصالح كثيرة, خاصة المصالح الصغيرة, فأنا لم أفتح مطعمي منذ بداية الحرب. كيف سأدفع مصاريف المطعم المتعدّدة؟
همليكيّ سابع: لي ورشة نجارة يعمل فيها ستة عمّال وعليّ التزامات كثيرة ولا أعرف كيف سأقوم بها أو كيف سأسدّد الكمبيالات التي حان موعدها؟
همليكيّ سابع: نصف الدولة وربما أكثر موجودة في الملاجئ, يعني الدولة مشلولة, لماذا؟
همليكــــيّ أول: لعدم وضوح الرؤية وانعدام الرؤيا, يا أخي.
همليكيّ رابــــع: (متذمرًا) عدنا إلى فلسفتك التافهة.
(يسمع دوي انفجار يرتعش له الملجأ وقلوب نزلائه)
المـــــمــــــــرض: (منتبهًا للعجوز الذي لا يتحرك. صارخًا) مات العجوز, مات العجوز.
(تصرخ الزوجة الحامل صرخة تجبر الآخرين على لفت أنظارهم إليها ونسيان أمّر العجوز.
أمّ أولـــــــــــــــى: (مسرعة إليها, للزوج) زوجتك على وشك الولادة ولم يصل الإسعاف حتى الآن.
الــــــــــــــــــزوج: حاولت الاتصال بهم مرارًا دون جدوى.
أمّ أولـــــــــــــــى: هل يوجد هنا ماء ساخن؟
أمّ ثانيــــــــــــة: يوجد هنا جهاز تسخين كهربائيّ, سيسخن الماء خلال دقائق معدودة.
أمّ أولـــــــــــــــى: حسنًا, اهتمي بذلك. أريد بطانية أو شرشفًا نظيفًا.
أمّ ثـــالثـــــــــــة: خذي بطانيتي.
أمّ أولـــــــــــــــى: شكراً لك, هل أعددت الماء الساخن؟
أمّ ثانيــــــــــــــة: الماء جاهز.
أمّ أولـــــــــــــــى: (لكليهما) أريد مساعدتكما. وأنتم جميعًا, أنظروا إلى الجهة الأخرى. أمّّا أنت, أيّها الزوج, فابق مع زوجتك واقبض على يديّها بشدة.
الــــــــــــــــــزوج: (للأمّ الأولى) هل أنت قادرة, أقصد هل تستطيعين..
أمّ أولـــــــــــــــى: أن أقوم بتوليد زوجتك؟ لا تخف, لقد أنجبت ثمانية أطفال, لم يبق معي سوى هؤلاء الأطفال الثلاثة. أعتقد أن من أنجبت ثمانية أطفال لم تبقِ لي الحروب إلّا هؤلاء الأطفال الثلاثة. أعتقد أنّ من أنجبت ثمانية أطفال تعرف شيئًا عن التوليد خاصة في مثل هذا الوضع, أليس كذلك؟
(طأطأ الزوج رأسه مذعنًا, فوجود امرأة ذات تجربة مثلها أفضل من إسعاف لم يصل بعد, وربما يتأخر كثيرًا أو لا يصل إطلاقًا)
 أمّ أولـــــــــــــــى: (فرحة جداً) مبارك, جاءكم صبيّ جميل.
(فرح الجميع لسماع الخبر السعيد وهنأوا الزوجيْن)
همليكـــيّ أول: أتمنى أن يكون ابنًا للحياة والسلام وليس للحروب والصراع.

 

 

 

 

 

الفصل‭ ‬الثالث
المشهد‭ ‬الثالث
(مكتب شقـران والستائر منسدلة على غير عادتها والمصابيح الكهربائيّة ميّتة كذلك. يجلس شقران وحده مدخنًا سيجاره بتوتر شديد)
شقــــــــــــــــــران: ما الذي حدث؟ كيف أفسر النتيجة للناس؟ منذ بداية الحرب توقفت الاحتجاجات والمظاهرات والمطالب على اختلاف أشكالها ومشاربها. حتى المعارضة واليسار جميعهم أوقفوا حملاتهم ضدّي وضد الحكومة والآن بعد فشلي في القضاء على الربليكيّين كما وعدت, من المؤكد أنّهم سيشهرون سكاكينهم من جديد. اللعنة, كيف حصل هذا؟ لقد قتلت وجرحت وشوّهت الآلاف منهم ودمّرت عشرات الآلاف من المنازل, ومع ذلك يحتفلون بالنصر. أيّ نصر أحرزوه هؤلاء الأغبياء؟ أنا لا أفهم هؤلاء البشر إن كانوا بشرا أصلًا. هل يعقل أن تزغرد أمّّ على موت ابنها أو زوجها أو أخيها؟ كيف يفرحون لموت أحدهم؟ لقد انتهيت, انتهيت. ليتني استمعت لنصيحة الشبـــح, ليتني قمت بعمل شيء مغاير لطبيعتي. لماذا لا أتغيّر؟ أريد أن أتغيّر لكنّني لا أستطيع. لماذا أرفض دائما ولا أعرف غير الرفض؟ كيف صرت إلى ما أنا عليه اليوم؟ كيف أصبحت أنا أنا؟ أنا تافه, جبان, ضعيف, معتمد على جيش ظننته قادرًا على فرض إرادتي على العالم كلّه، لكنّني سأصمد وسأجتاز هذه الأزمة أيضًا. سأعلن عن إقامة مستوطنات جديدة وبناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة في القائمة منها. أمّّا داخليًا فسأسعى لسنّ قوانين عنصرية جديدة حتى لو كانت عبثية, المهم أن أشغل شعبي بها. أجل سأقترح سنّها تحت مسميّات عديدة سواء أكانت دينية أو قوميّة أو كلاهما وهل هناك فرق بين النزعتين؟ أبدًا فكلاهما واحد. هكذا سأنجح في المحافظة على أعضاء الائتلاف الحكومي فجميعهم يحتاجونني مثلما أنا أحتاجهم.
(يظهر الشبح): القوة التي لا تعتمد على الحق والأخلاق ضعيفة جدًا. قلت لك ذلك مرارًا وتكرارًا, لكنّك أعمى وأصم وستتحمل النتيجة القاسية وحدك عاجلًا أمّ آجلًا, وهذه ليست نبوءة بل حقيقة ظاهرة لمن له عقل يعي. ألا تتعلم من دروس التاريخ؟ إمبراطوريات عظمى حكمت العالم في وقت من الأوقات وانقرضت وبقيت الشعوب الصغيرة التي كانت تحت سيطرتها وجبروتها. هل ترى ديناصورات عملاقة اليوم؟ كلّا, لأنها انقرضت فالفوة والجبروت والضخامة كلّها أمّور ليست ضمانًا للبقاء. لا يُبقي الشعوب إلاّ العدالة والتسامح والتصالح ونبذ العنف وليس مطالبة الطرف الآخر فقط بنبذه. لا تستطيع أن تكون حرًا وجارك محتلًا. لا تستطيع أن تكون آمنًا وجارك مهدّدًا. لا تستطيع أن تكون ظالمًاً ومستبدًا ومحتلًا وتطلب الخنوع والركوع والصمت والرضى من ضحاياك.
شقــــــــــــــــــران: أستطيع أن أطلب أيّ شيء.
الشبـــــــــــــــــح: أنت مثير للشفقة فعلًا.
شقــــــــــــــــــران: (مقهقهًا) أضحكتني, كيف أكون مثيرًا للشفقة وأنا أتحدى العالم.
الشيح: أترى؟ لقد أجبت نفسك بنفسك.
شقــــــــــــــــــران: فعلًا أنت شبح مجنون بل ومغفل أيضًا.
الشبـــــــــــــــــح: وأنت مريض بل وضحيّة أيضًا.
شقــــــــــــــــــران: أنا ضحيّة!؟ ضحيّة لمن؟
الشبـــــــــــــــــح: ضحيّة لنشأتك.
 (يدخل السكرتيـر متوترًا أيضًا)
شقــــــــــــــــــران: كيف الأوضاع في الخارج, أيّها السكرتيــر.
السكرتيــــــــــــر: هناك توتّر شديد, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ألم تهدأ تـــارا بعد؟
السكرتيــــــــــــر: لا أتحدث عن تارا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: الحمد لله. أين التوتر إذًا.
السكرتيــــــــــــر: في همليكا, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: فهمت, بالتأكيد أثارت تـــارا ضجّة هناك بسبب فستانها.
السكرتيــــــــــــر: التوتّر متعلق بأمّر آخر, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران أمّر آخر, غير الفستان!؟
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي. الأمّر متعلق بتعليقك الأخير.
شقــــــــــــــــــران: أيّ تعليق, لي تعليقات كثيرة.
السكرتيــــــــــــر: التعليق المتعلق بالقيم الغمليكيّة التي لا تؤيد مصادرة أراضي الربليكيّين والاستيطان فيها.
شقــــــــــــــــــران: أين المشكلة؟
السكرتيــــــــــــر: يمكن فهم التعليق على أن الزعامة الغمليكيّة الحاكمة اليوم يخالفون ما نصّت عليه القيم الغمليكيّة, أو على الأقل يجهلونها على أساس أنّك غمليكيّ أكثر منهم, فهم أصلًا قدموا إليها ولم يولدوا فيها ولم تكن لهم يد في صياغة قيمها.
الشبـــــــــــــــــح: أعرف أنّك مغرور, لكنني لم أتوقع أن يصل بك الغرور لدرجة أن تعلم الغمليكيّين درساً في قيمهم. على كلّ جميعكم غمليكيّين كنتم أمّ همليكيّين رضعتم من ثدي واحد، ثدي العنصريّة.
شقــــــــــــــــــران: اخرس أنت, لا شأن لك بهذا.
السكرتيــــــــــــر: آسف, يا سيّدي, إن تجاوزت حدود وظيفتي.
شقــــــــــــــــــران: لست المقصود, أيّها السكرتيــر.
السكرتيــــــــــــر: أجل هو, هو, يا سيّدي.
شقــــــــــــــــــران: ماذا يقصد ذلك الشخص بكلمة "غريب" التي ردّ بها على تعليقي؟
السكرتيــــــــــــر: لها عدة تفسيرات, يا سيّدي. ربّما تكون مقصودة أو غير مقصودة.
شقــــــــــــــــــران: كيف؟
السكرتيــــــــــــر: ربما قصد الاستغراب مما قلته أو الاستهجان أو الامتعاض.
الشبـــــــــــــــــح: أو ربّما قصد بكلمة "غريب" كحروف أولى لكلمات أخرى.
شقــــــــــــــــــران: من سألك أنت؟
السكرتيــــــــــــر: آسف, يا سيّدي, أنت الذي سألتني وأنا أعطيتك رأيي.
شقــــــــــــــــــران: لم أتوجه إليك بالسؤال. (للشبح) وأنت ماذا تقصد؟
(أراد السكرتير أن يجيب, لكنّه امتنع ونظر حوله مشدوهًا)
الشبـــــــــــــــــح: ربّما كانت كلمة "غريب" مكونة من الحروف الأولى للكلمات: غدّار, رفّاض, يميني, بليد. هل فهمت المعنى؟
شقــــــــــــــــــران: باستثناء رفّاَض, ماذا تقصد بهذه الكلمة؟
الشبـــــــــــــــــح: لأنك ترفض كثيرًا, أي لديك ميْل أو نزعة للرفض. هناك أناس مصابون بهذا المرض منذ طفولتهم. ألا تعتقد أن هذه الصفة بالذات هي أكثر صفاتك تميُّزًا.
شقــــــــــــــــــران: على كلّ سأعرف كيف أردّ لهم الصاع صاعين. سألتقي قريبًا أكبر عدو سياسي لهم.
الشبـــــــــــــــــح: لدي سؤال لك طالما لديك الجرأة لتنتقد منظومة قيمهم. هل فعلًا تطالب منظومة قيمكم باحتلال أراضي الغير وطردهم منها وإقامة المستوطنات عليها؟ لا أعتقد ذلك.
شقــــــــــــــــــران: لا شأن لك بمنظومة قيمنا.
الشبـــــــــــــــــح: أرأيت؟ لقد غضبت وثرت لقولي هذا وأنا شبح ضعيف. أمّّا أنت أيّها القوي الضعيف فعليك أن تفهم أن الصراعات التاريخية لا تحل بمزيد من الظلم والقهر والاحتلال والاستيطان. هل تتصور في أبعد نقطة يستطيع خيالك المشوّه الوصول إليها أنّك ستصحو ذات يوم لا ترى فيها ربليكيًا على وجه الأرض؟ لا عيب أن تكون جاهلًا للحقيقة, لكن العيب أن تظل جاهلًا لها حتى بعد أن عشتها ورأيتها وأدركتها. ثمّ قل لي: هل تعتقد أن ما فعله الغمليكيّون بهنود بلادهم ستستخدمه ضدّ الربليكيّين؟ هل هم هنودكم اليوم؟ لا وألف لا.
شقــــــــــــــــــران: لا أعرف سوى حقيقة واحدة, وهي أنّك ميّت وأنا ما زلت حيّا.
السكرتيــــــــــــر: الحمد لله, يا سيّدي, على سلامتك.
شقــــــــــــــــــران: شكرًا لك, أيّها السكرتيـر, أرجو أن يكون قد سمعك.
السكرتيــــــــــــر: (ينظر حوله) هو, هو, أعرف, يا سيّدي, أعرف.
شقــــــــــــــــــران: تعال نرى ما يحدث في الداخل.
السكرتيــــــــــــر: أجل, يا سيّدي, من الأفضل أن تذهب إليّها وتخفف من حدة توتّرها.
شقــــــــــــــــــران: وما الذي يحدث في الخارج, أيّها السكرتير؟
السكرتيــــــــــــر: يجهّزون السكاكين, يا سيّدي.

لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il


لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا


 

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق