اغلاق

مقال :قصور النواب العرب ينعكس سلبا على واقعنا !

- موظفو الأحزاب دخلهم الشهري لا يتجاوز الحد الأدنى من الدخل، بينما عضو الكنيست يتمتع بدخل مرتفع جدا، يقدر بـ 40 ألف شيكل عدا مصاريف


نبيل عودة

 أخرى بعشرات الاف الشواكل، ومستقبل آمن اقتصاديا.
- لا اكتب لأحرض، بل لعرض واقع سياسي بات يسود تنظيماتنا الحزبية، أي أصبح الحزب مركب من طبقتين، الفقراء المسحوقين والأغنياء.
-  سلطة تحترم نفسها وتغار على مستقبل السلام والأمن في المنطقة، ملزمة بإعداد وثيقة حول حقوق الأقليات وواجباتهم وليس قمعهم.

********
أعضاء الكنيست هم ممثلي أحزاب وتنظيمات سياسية ، وعلى الأغلب أصبحت الأحزاب جهازا تسويقيا لعضو الكنيست او الأعضاء من نفس القائمة الحزبية .
التنظيمات تتحول الى تنظيمات شخصانية (برسيوناليت) بصورة تنفي كل الفكر الحزبي الذي يدعون تمثيله . أي ان الدور السياسي او الفكري او التنظيمي للأحزاب يتلاشى امام الشخص . اذن يمكن القول ان ممثل الكنيست هو ممثلا لنفسه أولا ، لفكره وليس لفكر حزبه ، حتى لو كان على قناعة سياسية بما يطرحه، الجانب الشخصي اصبح هو الجوهر . طبعا يمكن ان نسمع تصريحات ما تتمشى مع الجهاز الحزبي ، وهو على الأغلب جهاز بالاسم فقط ، بالواقع هو مجرد هيئة جاهزة لتمجيد عضو الكنيست من حزبها.
هذا جانب واحد . الجانب الثاني عضوية الكنيست أصبحت تشكل مكانة اقتصادية بالأساس، اهم حتى من سياسة الحزب. عندما يتبين ان موظفي حزب ما، دخلهم الشهري لا يتجاوز الحد الأدنى من الدخل، أي ما دون الستة الاف شيكل، بينما عضو الكنيست من نفس الحزب يتمتع بدخل مرتفع جدا، يقدر ب 40 ألف شيكل قبل الضريبة، عدا 70 الف شيكل، لتغطية نفقات اقامة علاقات واتصالات مع الجمهور او استئجار مكتب ويتمتعون بخصم 80% على شراء كافة التجهيزات التي تلزمهم ، واستعادة المبالغ للسفر الى الخارج ، الى جانب حصول عضو الكنيست على سيارة فاخرة ، وغير ذلك من الخدمات . طبعا لا اتحدث عن معاش التقاعد والحصول على الأتعاب من عضوية الكنيست .. وهي مبالغ ضخمة جدا.
في السنوات الأولى كان عضو الكنيست من الحزب الشيوعي يسلم معاشه لمحاسب الحزب ، ويتلقى اجرة مشابهة للموظفين الحزبيين ، طبعا عدا الخدمات التي يحصل عليها وهي حق لا نقاش حوله ، محاضر جامعي فرنسي قال لي بحديث خاص ان ممثلي الحزب الشيوعي في البرلمان الفرنسي يدفعون نصف معاشهم لحزبهم . لا اعرف ما يجري في دول أخرى . لكني لا استوعب ان يكون برلمانيا مليونيرا، بفضل عضوية البرلمان ، وزملائه من نفس التنظيم يعيشون بحدود خط الفقر. من يقبل ذلك يكون اما مختلا عقليا او فاقدا لأي مبدأ سياسي او وطني.

" واقع سياسي "
لا اكتب هذا لأحرض ، بل لعرض واقع سياسي بات يسود تنظيماتنا الحزبية ، واقع يؤثر سلبا سياسيا واجتماعيا وتنظيميا على التنظيم نفسه . أي أصبح التنظيم مركب من طبقتين ، الفقراء المسحوقين والأغنياء . الفقراء يجب ان يكونوا متحمسين وهتافين حتى تبح أصواتهم ، وان يكونوا أقوياء العضلات لحمل الزعيم على اكتافهم . والويل لمن ينتقد زعيما حزبيا ، بإمكان أعضاء التنظيم انتقاد زملائهم ، لكن هذا هو الحد ، الزعيم لا يُنتقد .. بل يُمجد حتى لو كان اغبى خلق الله ، الكاتب حنا إبراهيم (شيوعي سابق) يطرح هذا الموضوع المثير في كتابه الرائع "ذكريات شاب لم يتغرب" ويقدم نماذج مثيرة عن تجربته.
ما يشغل نوابنا ، هو بضعة تصريحات للتأكيد انهم وطنيون ، معادون للحكومة اليمينة العنصرية ، ومتمسكون بحقوق شعبهم الفلسطيني ، بالمساواة داخل إسرائيل والتحرر من الاحتلال الإسرائيلي . هل هذا هو الدور المنوط بهم ؟ هل هنا تتلخص مسؤولياتهم عن جماهير شعبهم الغفورة (وليس الغفيرة)؟!
السؤال الأهم يقع بمجال التخطيط السياسي ، وبناء خطاب سياسي قادر على اختراق جدار الفكر السياسي التضليلي للسلطة العنصرية ، عبر اثارة انتباه الأوساط العقلانية بالمجتمع اليهودي ، وانا أقول انه لا شيء مستحيل ، ومن تجربتي في الندوات والمحاضرات التي شاركت فيها بالوسط اليهودي أقول ان هذا الأمر مطروح بكل قوة ، وهناك اصغاء كبير اذا أحسنا الطرح ، لكن للأسف ، الاسلوب الحزبي لكل احزابنا وتنظيماتنا السياسية ، متخلفة تماما عن الفكر الإبداعي في السياسة والطرح واختراق الفكر المسيطر على المجتمع اليهودي ، الذي يروج له اليمين العنصري ، وقوة هذا الفكر هو من ضعف الفكر المضاد للقوى العقلانية التي لا تطرح الخطاب السياسي السليم والقادر على طرح المواضيع بشكل يثير التفكير والانتباه ، حتى لو كان ذلك ضئيلا في البداية. هذا يفترض بقوة ان يكون عضو الكنيست العربي قادرا على التفكير، ويملك مقومات فكرية بمستوى عميق، وليس مجرد تصريحات نارية، وخطاب مليء بالشعارات الوطنية، قد تكسبه شعبية لدى جمهوره التقليدي ، المجند بلا وعي وبلا قدرة على فهم الواقع الذي نعيشه .

" تمييز واضطهاد "
ان التمييز والاضطهاد القومي للعرب في إسرائيل ، من قبل المؤسسة الحاكمة ليسا وليد الصدفة ، ولن يجري التغيير المرجو مع أعضاء كنيست منشغلون بأعداد الخطابات النارية فقط ، ان حل إشكالية التمييز والاضطهاد لن تكون بمجرد تصريحات ، او تحويل ميزانيات للمجتمع العربي ، معظمها مجرد وعود لا تنفذ . هذا الأمر يتطلب تغييرا جوهريا بكل مضمون السياسة التي تمارس ضد الأقلية العربية ، مما يتطلب تغيير في المضامين الخطابية لمجتمعنا أولا ، وهو وظيفة الأحزاب الغائبة عن دورها الجوهري ، ووظيفة نوابها البرلمانيين ان يطرحوا منطق سياسي ، فكري وانساني مقابل سلطة لا ترى بالعرب الا مجرد طابور خامس .
الطرح العقلاني هو مفتاح للوصول لأوساط يهودية عقلانية وديموقراطية، من يظن انه بدون دعم تلك الأوساط يمكن ان ينجح خطابنا السياسي يعيش بأوهام او مقتنع ان ما وصل اليه هو حلم حياته.
نشاط نوابنا يقتضي العمل بمواجهة السلطة (ليس بخطابات فارغة الا من الشعارات الحماسية) بل من اجل دفع السلطة لتعريف جديد للأهداف العليا التي تحدد فكرها السياسي بكل ما يخص الأقلية العربية ، وإعطاء تعبير واضح لمفهوم المواطنة للعرب ، وهو امر يتناقض طبعا مع قانون القومية وغيره من القوانين العنصرية . لا يكفي معارضة قانون القومية بالهتاف ، بل بالطرح الفكري الذي يعتمد على معطيات لا يمكن للسلطة تجاهلها ، وتثير على الأقل التفكير في اوساط عقلانية بالمجتمع اليهودي.
اعتقد ان سلطة تحترم نفسها وتغار على مستقبل السلام والأمن في المنطقة، ملزمة بإعداد وثيقة حول حقوق الأقليات وواجباتهم ، وهذا المنهج يسود كل الدول الديموقراطية التي اقرت المساواة للأقليات . لا ديموقراطية عبر سياسية ونهج السيطرة او التحكم العنصري بالأقليات. طبعا المساواة  ليست بالتجنيد العسكري، أنه لا يقع، في حالة العرب في إسرائيل، ضمن الواجبات، بل ضمن التنكر لمساواة المواطنين العرب في إسرائيل والقمع لأبناء شعبنا تحت الاحتلال.  وقد اقر اعفاء المواطنين العرب من اول رئيس حكومة في اسرائيل (بن غوريون) وما زال الاعفاء ساري المفعول.    
هناك واجبات مدنية اجتماعية يجب ان يجري تنظيمها، هذه مقدمة لما سأتناوله مستقبلا حول العديد من قضايا المجتمع العربي، وضرورة البدء بتفكير عميق، لموضوع انشاء قائمة للكنيست بمعايير مختلفة لتمثل الجماهير العربية، بطرح المواضيع الملحة والتي يجب طرحها ليس بتشنج سياسي، بل بعقلانية علمية، ومعطيات موثقة، الى جانب طرح الحلول الممكنة وليس الصراع والشعوذة السياسية.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
[email protected].

 
 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق