اغلاق

أوجاع وأشواق .. آلام وآمال، بقلم: إبراهيم عبدالله صرصور

في هذا الزمان الذي انجذب فيه اغلب الناس الى المادة (الدنيا)، فتدافعوا اليها كالفراش حينما يتدافع الى نار الشمعة، حتى جرفتهم في طوفانها،


الصورة للتوضيح فقط

فظنوا انهم ما خُلقوا الا لأجلها، والحقيقة ان الله ما خلقها الا لتكون تحت تصرفهم، أما هم فخُلقوا لمهمة أسنى ووظيفة أعظم.. خلقوا ليعمروها بأمر الله، فهم الخلفاء في الارض بنص القرآن العظيم..
غلبة الميل الى الدنيا وزهرتها الفانية في هذا الزمان تدعونا لأن ندق ناقوس الخطر، حيث أدى هذا الاقبال غير المنضبط وغير الرشيد عليها الى تراجع القيم وتردي الاخلاق وانفلات الغرائز وطغيان الانانيات، فظهور الامراض الاجتماعية ومنها العنف والجريمة..
لذلك كله ارى انه لا بد من العودة الى تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية، فهي الضمانة لإصلاح اوضاعنا..
فالإصلاح يبدأ من إحياء الضمير (القلب) الفردي والجمعي، وتطهير النفس بما يجعلهما الحارس الامين على كل فضيلة، والقامع الشرس لكل رذيلة..
(2)
كلنا يعرف ان من لوازم النظام الديموقراطي الحقيقي وليس المزيف، وجود ثلاث سلطات اساسية فاعلة بينها فصل كامل: التشريعية، التنفيذية والقضائية..
السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا هو حال الديموقراطية في اسرائيل؟!
المتعمق في مشهد ما يسمى الديموقراطية الاسرائيلية سيصل حتما الى ان في اسرائيل سلطتان فقط هما:
اولا، السلطة الحاكمة، التي تنقسم إلى حكومة (تنفيذية) وكنيست (تشريعية).
ثانيا، السلطة القضائية.
من اللافت هنا أن الكنيست والتي من المفروض ان تكون السلطة التشريعية والرقابية لا تقوم بوظيفتها كسلطة تشريعية بعد أن تحولت الى أداة بيد الحكومة تشرع ما تريده الحكومة ونادرا ما تقوم بمراقبتها.

ماذا بقي إذا من هذه الديموقراطية؟

السلطة القضائية والتي من المفروض ان تقوم بدور (كلب الحراسة) للقيم الديموقراطية، والكابح القوي للسلطة الحاكمة التي اختزلت السلطتين التنفيذية والتشريعية..
ميراث هذه السلطة في اسرائيل يثبت انها تقدس (الأمن) وتجعله فوق الديموقراطية والقيم الديموقراطية وحقوق الانسان، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها في حماية الحقوق الاساسية للأقلية العربية في الداخل، والشعب الفلسطيني في الاراضي الفلسطينية.
ما قلت آنفا بحق السطات الثلاث، ينطبق تماما على ما يسمى بالسلطة الرابعة، أعنى سلطة الصحافة، فهي مجندة الا قليلا لخدمة (الأمن) وتجاهل الحقوق العربية، والانحياز الى الدولة أكثر من منظومة الحقوق التي تشكل الاساس في أي نظام ديموقراطي..
 (3)
ستظل سِيَرُ العلماء والقادة العظام والصالحين ملهمةً لكل الأجيال التي تبحث عن الخلاص في حياتها الخاصة وحياتها العامة على حد سواء.. الا ان الوقوف عند اعتاب هؤلاء العظماء والتغني بأمجادهم فقط، فيه من الظلم لهؤلاء والظلم للنفس ما يعطل حركة التاريخ واستمرار الإنجاز التراكمي الذي من المفروض الا يتوقف ولا ينضب.. العظماء لم يحققوا ما حققوا، ولم يحجزوا لأنفسهم مكانة رفيعة في تاريخ الإنسانية وذاكرتها، إلا بعدما اخذوا بالأسباب، وبذلوا الجهود، واستفرغوا الطاقة ما أهلهم للوصول الى ما وصلوا اليه من مراتب سنية في مجتمعاتهم..  
لذلك، لا تحدثني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – فقط، ولكن كن انت عمر بن الخطاب.. لا تحدثني عن عمر بن عبدالعزيز – رضي الله عنه – فقط، ولكن كن انت عمر بن عبدالعزيز.. لا تحدثني عن صلاح الدين الايوبي – رضي الله عنه – ولكن كن انت صلاح الدين الايوبي.. لا تحدثني عن المهدي فقط، ولكن كن انت المهدي.. وهكذا مع كل عظيم مضى الى الله بعدما ترك بصمته على المشهد الإنساني، وحجز مكانه في مقعد صدق عند مليك مقتدر في الآخرة.. 
(4)
قراءة سريعة فيما سمي ب - "فشل!!" الولايات المتحدة الامريكية في تمرير مشروع قرارها مؤخرا بخصوص حركة حماس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يضعنا أمام الحقائق التالية:
اولا - امريكا كدولة تدير شؤونها بالمنطق الاستراتيجي قد اخذت بعين الاعتبار امكانية فشلها في تمرير مشروع قرارها تصنيف حركة حماس كحركة ارهابية في الامم المتحدة، لكنها - بالتأكيد - ارادت ان تجس نبض دول العالم وعمق التغير في مزاجها اتجاه القضية الفلسطينية.. بهذا المنطق فقد حققت امريكا ما ارادت واثبتت ان تغييرا جذريا حصل في هذا المزاج يمكن البناء عليه في المستقبل..
ثانيا - تأييد 87 دولة لمشروع القرار الأمريكي، فيما عارضته 57 دولة، وامتنعت 33 دولة عن التصويت، يعتبر وبامتياز ناقوس خطر يجب ان يوقظ الشعب الفلسطيني والامة العربي والاسلامية من سباتها.. النتيجة صادمة بكل المعايير، فقد تعودنا في مثل هكذا تصويت ان يضع العالم الولايات المتحدة واسرائيل وبعض الدولة الصغيرة وغير المرئية بالعين المجردة في الزاوية، الا ان نتيجة التصويت الحالية ستعطي امريكا واسرائيل دفعة قوية في اتجاه اضعاف الدعم الدولي للقضية الفلسطينية..
ثالثا - اتفهم الفرح الفطري للشعب الفلسطيني ولكل المحبين للقضية الفلسطينية لفشل مشروع القرار الامريكي، إلا ان النظر المعمق في النتيجة يجب ان "يُطَيِّرَ" النوم من عيون الفرقاء الفلسطينيين والامة واحرار العالم..
رابعا - كشفت الاتصالات التي جرت قبل التصويت على مشروع القرار في الجمعية العامة ضعف موقف الكثير من الدول العربية التي لا استبعد انها عملت من وراء الكواليس لإنجاح المشروع، خصوصا وان بعضها قد وضع فعلا حركة حماس على قوائم الارهاب الخاصة بها، وتتعامل معها على هذا الاساس الى درجة دعم العدوان عليها وعلى قطاع غزة في أكثر من مرة..
خامسا - الدعم بالإجماع من دول الاتحاد الأوروبي للمشروع الامريكي ينذر بتطورات خطيرة في المستقبل، لا استبعد معها ان تقف اوروبا مع امريكا واسرائيل عند منعطف تكون القضية الفلسطينية فيه احوج ما تكون الى الدعم الاوروبي في وجه الضغط الامريكي المتصاعد.
سادسا - على الشعب الفلسطيني فصائل وسلطة وشعب ان يعمل وبشكل فوري على تجاوز حالة الانقسام التي يعاني منها منذ العام 2007، وان يسعى فورا الى تنفيذ ما تم التوقيع عليه من اتفاقات المصالحة من اجل الوقوف موحدا امام التحديات المستقبلية التي يمكن ان تعرض القضية برمتها الى خطر حقيقي..
(5)
الحل لأزماتنا كلها جاء في شهادة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب امير المؤمنين وخليفة المسلمين - رضي الله عنه - بين يدي الصحابي الجليل ابي بكر الصديق خليفة رسول الله - رضي الله عنه - بعد ان ولاه القضاء في المدينة..
بعد عام انقضى على توليه القضاء لم يختصم إليه فيها اثنان، ولم يعقد جلسة قضاء واحدة، جاء عمر معتذرا وطالبا إعفاءه من هذا المنصب. سأله أبو بكر عن السبب إذا ما كان زهدا في المنصب ام خوفا من تبعاته..
فقال عمر - رضي الله عنه: لا يا خليفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -
ولكن لا حاجة بي عند قوم مؤمنين، عرف كل منهم ما له من حق، فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه.. أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه..
دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيمَ يختصمون؟ ففيمَ يختصمون؟
أربع قواعد ذهبية لفتت انتباهي في جواب الصحابي عمر بن الخطاب في وصفه لحال المجتمع المسلم في ذلك الوقت، وفيها الوصفة لبناء اي مجتمع صالح ومصلح:
الأول، مجتمع عرف كلٌّ من أفراده ما له، فلم يطلب أكثر منه، ولم يتجاوزه.
الثاني، مجتمع عرف كلٌّ من أفراده ما عليه، فأداه على الوجه الأحسن والأرقى دونما تقصير..
الثالث، مجتمع تخلق بأخلاق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يدع لضلال ان يتسلل، ولا للحَقِّ ان يضعف ويتقهقر..
رابعا، معرفة سر الدنيا وأنها ليست أكثر من لعبة اطفال مقارنة بالآخرة من جِدٍّ تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة.. لم تعد الحياة هي هدفهم، ولكن الآخرة، فعملوا في اعمار الدنيا طلبا للآخرة، وهانت عليهم الدنيا فلم تعد تستحق ان يتصارع الناس عليها وهي الفانية..
لا غرابة أذا في أنهم تحولوا الى سادة للأمم وقادة للإنسانية في مدة قصيرة، وما زالوا النموذج الارقى للأمة المثالية..
(6)
رحم الله شهيد القلم جمال خاشقجي.. مضى الى الله بعدما سجل بدمه الزكي صفحات نرجو ان تضعه في صفوف من اختاروا قول الحق في وجه سلطان جائر وهم يعلمون النتيجة سلفا.. كشف مقتل خاشقجي بالطريقة البشعة التي تجمعت تفاصيلها منذ نشر خبر مقتله وحتى الآن، قوة الدفع التي ما زالت تتمتع بها قطاعات واسعة حية في امتنا العربية والإسلامية من جهة، والوجه الشائه للنظام العربي الرسمي في أغلبه الساحق الذي يشكل العائق الرئيسي في وجه نهضة الأمة... 
شاء الله سبحانه ان يكون مقال (جمال) الأخير وصيته التي وضعت النقاط على الحروف، ووصفت الداء والدواء على حد سواء، لما فيها من الحقائق المثيرة والهامة...
يقول الراحل خاشقجي في مقاله مخاطبا محمد بن سلمان:
"انتهى الدرس"، أنت الآن في الزاوية تماماً.. جداران متقاطعان عن يمينك وشمالك وأنت في عُنق المثلث، ليس بينك وبين السقوط سوى خطوةٍ تخطوها للأمام.. إن خطوتَها فقد وقعتَ في الفخ الجديد، وإن لم تخطُها فأنت محشورٌ بين متقاطعين!
انتهى الدرس
 لن أحدثك عن شعبك الذي أخرجتَه من المعادلةِ مبكراً!! كان بإمكانك أن تعتمد بعد الله عليه، ولكنك لم تَرَ في شعبك إلا عدواً مفترضَاً. ولكنك، بَدَأتْ في قضم جسدك قطعةً قطعة!! اسحب الخارطةَ الآن، وانظر حولك!!
.............
أنت لم تبصق في البئر التي تشرب منها؛ بل بصقت للأعلى فسقطت بصقتك على وجهك!!
وتبجُحك بالعقيدة الآن لن ينفعك كثيراً.. فالذين يحاربون مع الشيطان في الشمال لا يمكن أن يحاربوا مع الله في الجنوب!!
والعقيدةُ السمحة ليست(بِشتاً) يُرتدى في المناسبات أو سيفاً يُرقص به في (عَرْضة)!! ولو كان ذلك كذلك لقنع ابن عبدالوهاب رحمه الله بالدرعية، ولما أهدف نحره للسيوف ليُثبّتَ أركان التوحيد في جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم!!
...........
لو تغاضينا عن أساسك الحقيقي فماذا فعلت بأساسك المُدعى؟!
لم تترك معركة بين مسلمين وكفار إلا وخضتها في صف الكفار؛ فلا أنت حافظت على ما ادعيت، ولا أنت تركت غيرَكَ يبني على أساسِك المُدّعَى!! ما أشدّ غيظي منك وحزني عليك!!

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق