اغلاق

حين تهدم وسائل التواصل البيوت العامرة وتفرق أهلها - بقلم: براءة مناصرة

في الوقت الذي قصَّرت فيه وسائل التواصل الإلكتروني المسافات، أصبحت أقصر الطرق المؤدية إلى الطلاق والخلافات الزوجية، وبعد أن جمعت بين الأحباب والغُيّاب بعد طول

 
الصورة للتوضيح فقط

انتظار، فرَّقت أفراد الأسرة الواحدة وساعدت في تفككها، إنها بحق مفارقة عجيبة!!
فكيف تحولت مواقع التواصل الإلكتروني من نعمة إلى نقمة؟!
لقَدْ غَيَّرَت الوسائل في السُّلُوك وأَنماط التعامل بين النَّاس، وأصبح الكثيرون يعانون في ظل ثورة التكنولوجيا من الوحدة والعزلة المجتمعية والاكتئاب، فالْبُيُوت الحية بِحَدِيثِ أَهْلِهَا صَمَتَتْ كَأَنَّهَا خَالِيَة منهم، وزيارات الأقارب والجيران في المناسبات والأعياد استبدل بها البعض رسالة أو صورة، وفي الوقت الذي كَانَت فيه الضوضاء تخرج من بيوت الأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ عند اجتماع الأولاد والأَحْفَاد ذهبت الحيوية والنَّشَاط والأُنس، فيأتي كل واحد منهم حاملاً جهازه فَيُسَلِّمُونَ على بعضهم ثُمَّ يتخذ كل واحد منهم زاوية من البيت ليَعِيش بِجَسَدِه مع الأسرة، وَأَمَّا روحه وعقله فغائبان!!
ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل أصبحت البيوت بلا أسوار وألغيت الخصوصية من حياة الأفراد والأسر، وأصبحت أسرار الكثير من البيوت مكشوفة للجميع، ونشرت تفاصيل حياتهم الخاصة، مما تسبب في العديد من المشكلات على صعيد الأسرة كالطلاق والخلافات الزوجية، وعلى صعيد المجتمع كذلك كالغيرة والحسد والنزاعات بين الناس.
وبحسب الدراسات والتقارير فإن مواقع التواصل الإلكتروني ولا سيما "الفيسبوك" "والواتس أب" هي المسؤول الأول عن ارتفاع نسب الطلاق العالمية، ولا يسعنا المقام لعرض هذه الإحصائيات جميعها ولكن دعونا نأخذ بعض الأرقام التي تظهر حجم المشكلة وتدق ناقوس الخطر، ففي فلسطين مثلاً تفيد بيانات المحاكم الشرعية إلى أن نصف حالات الطلاق تتم قبل الزواج بين الخاطبين، ويُرجع مختصون ذلك إلى أسباب عدة أبرزها وسائل التواصل الإلكتروني، ووفق الإحصائيات الصادرة عام 2016 فإن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت ارتفاعات ملحوظة في أعداد الطلاق في الأردن بحيث ترتفع في كل عام أكثر من 1000 حالة عن العام الذي يسبقه، مشيرة إلى أن وسائل الاتصالات الحديثة "الفيس بوك، الواتس أب" أبرز أسباب ارتفاع حالات الطلاق. وتشير الدراسات إلى أن مواقع التواصل سبب في 50% من "الطلاق" بالإمارات، ويقدر قسم التوجيه الأسري في دولة الإمارات أن حالات الخلافات الزوجية زادت عام 2015 عن 5000 حالة، بين 50 إلى 60% منها تتعلق بمواقع التواصل الإلكتروني، وانتهت 1000 حالة منها بالطلاق.

الأرقام مخيفة
إن هذه الإحصائيات والأرقام المخيفة تُري كيف أن هذه المواقع والتطبيقات على الهواتف الذكية قد حملت نُذُرَ الخلافات الأسرية لمن سمح لها بالاستحواذ على حياته، من جهة كونها تشغل الشخص عن أهل بيته وتجعله يقصر في واجباته تجاههم، ولا سيما حينما يدمن عليها ويقضي معها وقتًا طويلًا ينافس أو يزيد على الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أولادهما، أو يقضيه الزوجان مع بعضهما، وهو أمر مدمر على الصعيدين، فهذا الإدمان يجعل الوالدين يقصران في القيام بواجباتهم تجاه أبنائهم في التربية والتوجيه وفي إعطائهم العطف والحنان اللازمين والاستماع لهم ولمشاكلهم، وهو أمر قد يقودهم إلى منعطفات خطيرة ويجعلهم يسلكون سلوكاً خاطئاً، عدا عن الثقافة الدخيلة والمفاهيم المغلوطة التي يتعلمها الأبناء نتيجة قضائهم ساعات طويلة على هذه المواقع وآباؤهم غافلون عنهم.
أما على صعيد الأزواج فإن هذا الإدمان سيقود إلى الإهمال وضعف التواصل بين الزوجين، وتقصير كل منهما في أداء ما عليه من واجبات تجاه الطرف الآخر، وفي بعض الأحيان يجد أحد الزوجين في تلك الوسائل مهربًا من إمضاء الوقت مع الطرف الآخر بسبب وجود بعض المشاكل بينهما، مما يوسع الهوة ويزيد من حجم المشكلة.
ومن جانب آخر فإن هذه المواقع والتطبيقات سهلت الاتصال وإقامة العلاقات وتبادل الرسائل والصور بين الرجال والنساء - عند من غابت عنه تقوى الله ومخافته -، مما أدى إلى ارتفاع نسب (الخيانة الزوجية)، والتي تعد من الأسباب الرئيسية لارتفاع معدلات الطلاق، وهذا ما تؤكّده سجلات المحاكم التي تعجّ بدعاوى الطّلاق بسبب (الخيانة الزوجيّة)، الّتي باتت تنتشر عبر شبكات الإنترنت.
وقد أفقدت سهولة التواصل هذه بعض الأزواج الثقة المتبادلة بين الزوجين، التي هي من أهم الأسس التي تقوم عليها العلاقات الزوجية الناجحة، فجعلت البعض منهم يعيش في حالة من الشك والريبة تجاه الطرف الآخر، بل ربما تدفعه إلى تتبع ومراقبة كل ما يصله عبر هذه المواقع والتطبيقات، وتتبع الجهات المرسِلة.
إن الحديث في هذا الموضوع طويل وذو شجون، ولكننا نختم حديثنا بالقول إن وسائل التواصل الإلكتروني أحدثت ازدواجية وفجوة كبيرة في العلاقات الأسرية بين عالمين: أحدهما حقيقي والآخر افتراضي، فأثّرت سلباً على العلاقات الأسرية، وساعدت على اتساع الفجوة بين أفراد الأسرة، فغاب الدفء والتقارب بين أفرادها برغم الحضور الجسدي، حيث يمسك كل منهم بهاتفه في غفلة عمن يجلسون معه، حتى تداول الناس عبارات من قبيل: «وسائل التواصل ألغت التواصل»، وقد كان من نتائج هذه الازدواجية أن تقلصت العلاقات الحقيقية لصالح العلاقات الافتراضية، فتوسعت العلاقات والصداقات الافتراضية وتقلصت على أرض الواقع، كما ظهر النفاق والمشاعر المزيفة بين أفراد الأسرة الواحدة، بل بين أفراد المجتمع بشكل عام.
وكان من نتائجها أيضاً أن غابت الطمأنينة والسكينة عن البيوت، ونقضت عُرى الميثاق الذي وصفه الله سبحانه وتعالى في كتابه بالغليظ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾.
فلنجعل أيها الإخوة والأخوات من وسائل التواصل الإلكتروني نعمة تجمع وتقرب، لا نقمة تهدم البيوت العامرة وتفرق أهلها.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
 bassam@panet.co.il.

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق