اغلاق

مركز معا: التغيرات المناخية تؤثر على الصحة النفسية

ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري على الصحة النفسية للإنسان، وذلك من منظور جديد يستند على الدراسات والأبحاث العلمية،


صورة للتوضيح فقط

التي تؤكد أن الإنسان هو المسؤول الأول عن هكذا تغيّرات مناخية أدت إلى ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بأكثر من نصف درجة مئوية ما يؤثر على التنوع الحيوي وينذر بكوارث بشرية واقتصادية. في هذا التقرير المعد من قبل المُختص بعلم النفس "نورس كرزم" سيتم دراسة تأثير التغير المناخي على الصحة العامة للإنسان، وتحديداً الصحة النفسية.

أولاً: الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة والصحة النفسية
لعل أحد أبرز الظواهر المنوطة بالاحتباس الحراري هي ظاهرة الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة، وهذا بدوره له تأثيرات على سلامة الصحة النفسية كما تشير الدراسات في هذا السياق.  تذهب بعض الدراسات –مثلاً- إلى القول بأن الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة يؤدي إلى تزايد السلوك العنيف لدى الإنسان.  إذ أنه تمت مقارنة عمليات الإجرام والعنف بدرجات الحرارة العامة للطقس، فخرج الباحثون باستنتاج مفاده أن هنالك علاقة إحصائية واضحة ما بين المتغيّرين.  ومن المثير للاهتمام أن بعض الدراسات الأخرى تربط ما بين الارتفاع الأخير في درجات الحرارة العالمية وبين حالات الانتحار بين الناس، إذ تعتبر هذه الدراسات أن معدل حالات الانتحار (وخاصة العنيفة منها) يزداد بازدياد درجات حرارة الطقس.
ومن جانب آخر، يربط الباحثون أيضاً ما بين الارتفاع في درجات الحرارة والاضطرابات السلوكية والنفسية.  تشير دراسة أسترالية على سبيل المثال إلى وجود علاقة بين الاضطرابات النفسية والذهنية وما بين معدلات حرارة الطقس عموماً، وتتزامن هذه العلاقة أيضاً مع اضطرابات جسدية (مثل تلك التي ترتبط بأمراض القلب والأوعية والكلى).

ثانياً: التداعيات النفسية والعقلية للكوارث البيئية المرتبطة بالاحتباس الحراري
تشير بعض الدراسات إلى أن عديداً من الكوارث البيئية المرتبطة بالاحتباس الحراري تساهم في تفاقم بعض الحالات النفسية والعقلية.  وتشمل هذه الكوارث البيئية: الفيضانات، الأعاصير العاتية، حرائق الغابات وسواها.  من المعلوم بين الباحثين أن الأفراد الذين تعرضوا لكوارث مشابهة هم أكثر عرضة لتداعيات نفسية جدية لاحقاً، من قبيل اضطراب ما بعد الصدمة.  وتشمل أعرض هذا الاضطراب ذكريات مزعجة راسخة من الحدث ومحاولات الشخص تجنب أي شيء مرتبط بالحدث، ويمكن أن تستمر هذه الأعراض على مدى أشهر وسنوات بعد اختبار الشخص للحدث (والذي هو الكارثة البيئية في هذه الحالة).
ويمتد تأثير مثل هذه الكوارث البيئية ليشمل اضطرابات نفسية أخرى من قبيل اضطراب التوتر والقلق العام، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى تطوير أنواع من الذهان العقلي.  ونظراً لأن العديد من الأفراد في مثل هذه الظروف البيئية الكوارثية يفقدون بيوتهم، أقاربهم وأغلب ممتلكاتهم، فمن المرجّح أن يُعانوا أيضاً من الاكتئاب على أنواعه، بالإضافة إلى مجموعة من الاضطرابات والاعتلالات النفسية المصاحبة.. 

ثالثاً: الجفاف والتصحّر وعلاقته بحالات المزارعين النفسية
أضحى من المعلوم أن أحد المؤشرات المرتبطة بالاحتباس الحراري والتغيرات المناخية العالمية هو التصحر والجفاف.  ولعل ما يلفت الاهتمام هو أن بعض الدراسات العلمية تشير إلى علاقة وثيقة ما بين الجفاف والتصحر والحالات النفسية المتدنية للمزارعين، وخصوصاً تزايد نسب الانتحار بينهم.  إذا لاحظ الباحثون أن هنالك نزعة لتطوير اضطرابات نفسية جدية بين المزارعين الذين يعملون في مناطق تعرّضت للتصحر، ويشمل ذلك مناطق في الدول النامية والمتطورة على حد سواء.  وقد نفسّر ذلك بمجموعة من الأسباب كما يلي: أولاً، يؤدي التصحر إلى تدني المدخول المادي للمزارع، مما قد يعني أن المزارع معرّض للديون وعدم المقدرة على سدها.  ثانياً، تؤدي هذه الحالة إلى تزايد أسعار الغذاء في منطقة المُزارع، مما يشكل عبئاً مادياً إضافياً عليه.  ثالثاً، يؤدي العيش في منطقة تعاني من التصحر إلى التعرض لدرجات حرارة أعلى من المعدل الطبيعي، وهو ما يؤدي إلى اضطرابات نفسية متعددة (كما أشرنا أعلاه).  إذن، يقودنا هذا إلى تفسير بعض حالات الانتحار بين المواطنين وخصوصاً في مناطق الريف الفلسطيني في السنوات الأخيرة، وهو موضوع يتطلب مزيداً من البحث في السياق الفلسطيني نظراً لأهميته وندرة معالجته.

رابعاً: التغيرات الاقتصادية المرتبطة بالتغيرات المناخية وعلاقتها بالصحة النفسية
لعل أحد أبرز القطاعات التي ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالتغيرات المناخية هو القطاع الاقتصادي.  إذ أن ارتفاع معدلات الجفاف والتصحر تؤدي حتماً إلى أزمات اقتصادية ومالية مرتبطة بتدني مستوى إنتاج المحاصيل الزراعية في المناطق المتضررة.  ومن هنا، ترتبط هذه الأزمات والمشاكل الاقتصادية بمشاكل وتفاقمات نفسية للمواطنين عموماً.  فعلى سبيل المثال، لاحظ الباحثون أن هنالك علاقة ما بين الأزمات الاقتصادية الناجمة عن التصحر وبين احتمالية الإصابة باضطرابات ذات صلة بالتوتر والاكتئاب، وتعتبر فئة المراهقين الأكثر عرضة لمثل هذه التداعيات النفسية السلبية غير المحمودة.  كما يُلاحظ أنه بسبب المشاكل الاقتصادية التي أتينا على ذكرها سابقاً، يصعُب على المواطنين طلب الاستشارات الصحية والنفسية تحديداً، مما يعني أن العلاج النفسي يصبح أصعب في الفترات التي تعاني منها المنطقة من تداعيات بيئية مرتبطة بالتغيرات المناخية والاحتباس الحراري.

خامساً: المشاكل الجسدية المرتبطة بالاحتباس الحراري والتغيرات المناخية والصحة النفسية

من المعلوم أن المشاكل النفسية والعقلية إنما ترتبط أيضاً بالوضع الجسماني للإنسان، إذ أن أي إشكال جسدي قد يؤدي في كثيرٍ من الحالات إلى مضاعفات نفسية ذات صلة.  لا شك بأن للتغيرات المناخية غير الطبيعية تداعيات على وظائف الأعضاء الجسمانية لدى الإنسان، إذ أن درجات الحرارة المرتفعة، الجفاف وباقي العوامل المرتبطة تؤثر على صحة القلب، الاضطرابات المعديّة والمعوية، مشاكل الكلى وسواها.  ترتبط جميع هذه المشاكل الصحية بالنهاية بمشاكل نفسية مرافقة، والتي تتشكل بسبب ضعف قدرة الفرد على تحمل ظرفه الصحي. ومن هنا، يمكننا القول بأنّ للاحتباس الحراري والتغيرات المناخية المُصاحبة تأثيرات ضارة لا تقتصر على الصحة الجسدية بل تطال صحة الفرد النفسية كذلك، وبشكل واضح.
خلاصة
درجت العادة -لدى دراسة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية المرافقة- على دراسة الآثار الاقتصادية والبيئية العامة المترتبة.  إلا أن التوجه الحديث يأخذ صحة الإنسان بعين الاعتبار، وخصوصاً صحّته النفسية، وهذا شأن قلما طُرق في السياق الفلسطيني.  يعتبرُ الباحثون في الشّأن النفسي أن غالبية الأمراض والاضطرابات النفسية لدى الفلسطينيين إنّما تنشأ من الظروف الاجتماعية والسياسية أساساً، ولم نرَ أيّ اعتبارٍ لتأثير التغيرات المناخية على سلامة النفس والدماغ، وهو شأن تعيرهُ الجهات العالمية حالياً اهتماماً خاصاً.


لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق