اغلاق

هذيان الصمت... تجربة وعي، بقلم: عمر عبد الرحمن نمر

قرأت رواية الأديبة منى النابلسي (هذيان الصمت) أعجبتني حد الاندهاش، أقنعتني حد الارتواء... الرواية فيها تفرد، حيث تحدثت عن تجليات الحياة الفلسطينية: السياسية،


الصورة للتوضيح فقط

والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية... بلسان امرأة. تقع الرواية في 148صفحة، صدرت عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع.
سألت نفسي عند الانتهاء من القراءة عن جنس العمل الذي قرأت، هل هو رواية فعلاً؟  أم سيرة ذاتية؟ أم مجموعة من الخواطر والتأملات؟ أم هو رسالة؟ وأجبت في نفسي، بأن النص أقرب إلى الرسالة من أي جنس أدبي آخر. وكان زمن الكتابة في صيف 2013، وتاريخ النشر 2019، أما الأحداث فقد توزعت على عشرين سنة.
ولا أدري لم تمسكت الساردة بشهر كانون المطري البارد لتبرزه في النص، ففي كانون تم لقاءان بين البطلة وتامر، ( تامر الصدق الاجتماعي المخفي)، وفي كانون تحرر (محمود) أخو البطلة، وفي كانون كان برعم حي ينمو مع صاحب الجريدة، الذي اكتشف فيما بعد بأنه سبب قتل (محمد) أخي البطلة في السجن واتهامه بالعمالة... وفي موسم المطر أيضا كان استشهاد محمد أخي أيمن زوج البطلة، وفي المطر بدأ غثيان البطلة علامة على حملها...
تحدثت الساردة التي تطابقت مع البطلة عن معاناتها بالأصالة عن نفسها، وبالنيابة عن بنات شعبها على الأقل، إن لم نقل بنات جنسها بوجه العموم...
امرأة تواجه التحديات بصمت، وتتحمل الصدمات التي تخلف لها إعاقات نفسية واجتماعية، ثم تبدأ ترصد التحدي، وتتأمله، لتثور في وجه المفاهيم المتسلطة، والقوانين العفنة، والممارسات التي لا تقيم وزناً للمرأة... وتتمرد...
جاءت الرواية بصورة الرسالة، التي تتضمن الأحداث والصراعات بنوعيها الداخلي والخارجي... وأبرزت أماكن الأحداث، لما لها من دلالات في مسيرة البطلة الرئيسة وتطورها...
تولى الضمير (أنا) الأنثوي السرد بإسهاب وتسلسل، سارد كلي المعرفة جريء، يمتد ليضم في مجاله (نحن) معشر النساء، يقص السارد المسلسل اليومي للمرأة، ويتابع ممارساتها  وسلوكاتها بدقة متناهية، ويصف واقعها وردّات فعلها الصامتة، وتدين هذا الواقع، تفتح لنا الساردة باب بيتها فندلف العتبة لنراها في بيتها، ومطبخها، وحتى في غرفة نومها، ونرى صور حرمانها من أدنى حقوقها، كما تناغم مع الأنا بعض أصوات (الأنت)... و(هو)... وظهر في النص الأسماء الرجالية بينما لم يظهر اسم البطلة الرئيسة ربما للتدليل على العموم...
بنيت الرواية على ثنائيات، لبسط الواقع المؤلم، ومقارنته بالمثالي... أنا/ أنت، حلال/ حرام، حرية/ استعباد، جسد/ روح، كره/ حب، احترام/ احتقار، حياة/ موت، سعادة/ بؤس... ذكاء/ غباء، وفي هذه الثنائيات ارتسم الصراع، مبيناً ما تعانيه المرأة... وضرورة التمرد وعدم الانصياع للمفاهيم البالية. وقد انبنت أحداث كثيرة  على هذه الثنائية الضدية، مثل استشهاد محمد أخي الزوج الذي قتل بكرامة، بينما قتل محمد أخي الزوجة زوراً وبهتاناً بتهمة التجسس والعمالة... وموقفان ضديان تمثلا  في تعزيتها باستشهاد أخيه، وهو لم ينبس ببنت شفة... يعزيها بموت أخيها!.
السارد في النص منحاز، وضد الأنماط السلوكية السلبية للرجل، خصوصاً في خيمة الحب والزواج، والعلاقات الأسرية، ولم نسمع أي دفاع عن الرجل، على  طريقة (سماع أحد الخصمين)...، وبين النص لنا موقف المجتمع والأسرة والرجل من الزواج، والمرأة وواجباتها الأسرية، وميزات الذكر على الأنثى... ووضع الزوج والحماة وأهل الفتاة مفهوماً واحداً للزواج، مفاده: تعيش المرأة في ظل رجل، تضحي بأشيائها كلها من أجل سعادته، وتتلاشى تفصيلات حياتها الخاصة لأجله، هي لا شيء أمام أشيائه حتى التافهة منها، هي جاريته يأمرها فتطيع، يضربها فتسكت، وله الحق في انتهاك جسدها أينما شاء ومتى شاء، ولا يأبه بأي احتياج إنساني روحي يخصها... فهو على حق في ظلمه، وهي على باطل في عدالة قضيتها... وتعزو الساردة هذه المعتقدات إلى فهم بعض المتأسلمين للإسلام...
يبدو من النص سؤال مبرر، هل يستمر الحب بعد الزواج؟ هل يقوى أم يضعف، أم يتحول على أشكال حياتية أخرى؟ وفي ظل الإجابة السلبية لهذا السؤال، تعيش المرأة على هامش الحياة، تخدم زوجها، وتطيعه طاعة عمياء دون نقاش، وهي خادمة لأهله (حماتها وأسرتها)، وتقوم بأعباء أسرتها، علاوة على عملها خارج البيت، هذا كله مقابل أن يحافظ عليها الرجل، ويسترها، ويدافع عن شرفه وشرف عائلتين في ممارساتها... نعم فهي حاملة الشرف، وجينات الشرف، تنقلها إلى أولادها، ومنهم إلى أحفادها... هي رؤية النص، سواء اتفقنا معه أم لم نتفق، أم ادعينا وقلنا أن الكلام مبالغ فيه... أم هي الحقيقة بعينها...
تطرق النص إلى مواقف مختلفة، عاشتها البطلة، فهي المتعلمة، التي اختارت زوجها، وهي المعلمة التي كرهت مهنتها، وهي التي تمردت على العادات وكونت أصدقاء من الذكور، وأجابت عن سر خيانة الزوجات لأزواجهن، حيث جاء صديق الزوجة الغريب تعويضاً عن نقص اهتمام الزوج لزوجته، ولم تكن نشوة البطلة إلا (محرمة) كما أسمتها، إذ لم تعد خطا مستقيما بينها وبين أيمن، بل لا بد لها وأن تكون مثلثة، تبدأ بها وتمر بتامر وتنتهي بأيمن... وتطرقت الرسالة إلى الاحتلال، والحواجز، والاعتقالات والأسرى والشهادة، وبينت الرأي في ظلم أفراد الأسرة الممتدة للزوجة... وقد اختلفت محطات الأحداث، فظهرت (البيرة) أول منزل البطلة، وبيت أهلها وطفولتها وشبابها، وظهرت (بيت حنينا) وكفر عقب، مكانين للتعذيب الأسري، والزواج القهري، بينما كانت رام الله مكان لقاء الصديق الذي عوض هذه المعاناة، وكفرت الساردة بقيم أهل القدس، وكذبهم وزيفهم، وذلك كضربة مرتدة لما يقوم به الزوج (أيمن) من عذابات للزوجة... وظهرت فرنسا معقل الجواسيس الهاربين من عدالة الشعب، وسجن مجدو بيت الأبطال الفرسان المناضلين... وأمريكا بلد الغياب العلمي...
لا شك أن الفلسفة الاجتماعية التي ينتهجها المجتمع، والهيكلية الإنتاجية للنسيج الاجتماعي، وامتلاك وسائل الإنتاج، تتيح للمرء في المجتمع التصرف ضمن تقاليد ونماذج اكتسبها، حتى أضحت كاسمه، أو لونه، ولا مجال لنقاشها أو التمرد عليها، لأن في ذلك قلب للخريطة الاجتماعية بأكملها، وبناء نمط اجتماعي اقتصادي إنتاجي آخر، يؤمن بالذات وقيمه، كما يؤمن بالآخر، وحرية فكره...
لغة النص فصيحة بسيطة، ولاءمت الشخصيات، حيث كانت تظهر شخصية أيمن بلهجة المدينة ( بقلب القاف همزة) ، أما الشخصيات الأخرى فكانت أقرب إلى لهجة القرية، واللافت للنظر في النص، الإسهاب في السرد، وتوالي العبارات، تحت عنوان واحد، لكنك لا تشعر بالمعنى المكرور، إذ تنقلك الأحداث من زاوية إلى أخرى، وترسم لك الصورة إثر الأخرى... وهناك بعض الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية التي وقع فيها النص، وربما كانت أخطاء مطبعية...
لقد صبّت هذه الروافد جميعها في مصب واحد... كوّن عتبة النص كما يقولون، فمجمل الوصف كوّن جملة اسمية وصفت النص بتكثيفه في ثنائية ضدية( هذيان الصمت) فكما أن الصمت يشي بالسكون والسلبية، كان ذلك في تجرع صبر البطلة، والزوج يمارس طغيانه عليها، فإن الهذيان بداية السخط والتذمر والتمرد والثورة، ظهر ذلك في تحديها لأسرتها وزوجها، وتقبل طلاقها، وكأنها تحررت من كابوس مظلم، أحاط بحياتها، إحاطة القيد بالمعصم... وقد ذكر العنوان كاملاً، أو نصفه الأول أو الثاني، تبعاً لسياقات حياتية عاشتها الزوجة، أو تبعاً لحالات التجلي والتأمل والكشف التي أمدت الساردة بالعبارات المعبرة عن واقع أليم، وبالمجمل ذكر العنوان خمس عشرة مرة، في سياقات منوعة... كانت روافع للتفكير والتأمل، وتعزيز الوعي الاجتماعي بالمحيط، وما يملي هذا المحيط على المرأة.
السؤال الأخير الذي أرى أنه ضرورة، ما نسبة الصدق الحياتي في النص؟ بمعنى ما النسبة المئوية من النساء يمثلها النص؟ وما النسبة المئوية التي يمثلها قسيم النسيج الاجتماعي (الذكر) الذي يتطابق مع هذه الممارسات بكاملها، أو بعضها... وهل يمكن تعميم تجربة فردية (أنا الفرد، والمعنى نحن) زوجية فاشلة على تجارب النساء جميعهن، وتمثل العينة الفردية الجميع؟ هل تجنت بطلة النص على أيمن، وهي تعني صنف الرجال؟ هذا يحتاج إلى وقفات أخرى، تتابع فيها سيكولوجية الفرد، ضمن المسار الاجتماعي...
في النهاية... جهد كبير بذلته الكاتبة منى النابلسي، ورسالة واضحة وضعتها بين أيديكم للنقاش...مفادها " المرأة قضية".


 

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق