اغلاق

قصة قصيرة...في غرفة التحقيق - بقلم: فيصل الهذلي أديب سعودي

سأله وقد اجتاح الحماس صوته:- هل قلت بأنك رصدت ذلك؟


صورة للتوضيح فقط


- وهل تظن بأنك الوحيد المبصر هنا؟
- لم أقصد ... هل رأيت تلك الأقدام؟ كنتُ منتبها إلى إيقاع تلك الأقدام الصغيرة. كانت تختلق شيئا ... عزفاُ ... لا أعلم.
- أما أنا فكنت أتأمل تلك الوجوه الضاحكة التي كانت ترتفع ثم تهبط وفقاً للإيقاع الذي تصنعه تلك الأقدام ... هاهو وجه يرتفع ... ثم يهبط. إن الصورة تتحرك ببطء . يمكنك تأمل عينيه. هل لاحظت ذلك؟ إنه ينظر إلينا. انظر إلى مسار بصره كيف يناور تلك الرؤوس الصاخبة بحركة عشوائية!
- بل انظر أنت إلى قدميه ... إن ذلك الطفل يتقدم نحونا.
- نعم أرى وجهه يتجاوز الحشود ...
- مابك؟ ما الذي أربكك؟
- لا أعلم، أتساءل ماهي أول كلمة سيتفوه بها!
- وما أدراك أنه يتحدث العربية؟ هو مجرد طفل إفريقي لا يعلم أن هناك عرب!
- هاهو يصل.
- مالذي قاله؟ ماهي هذه اللغة؟
- إنها إحدى لغات قبائل الهوتو الإفريقية.
- لكن ما الذي قاله؟
- لقد قال: أنتما تكثران الحركة، وأخشى أن تتجاوزا إطار اللوحة قبل أن أتم رسمتي.
... فأجاب قائلاً:
- نكاد نعبر إلى الماضي حين نسمع أغنية، أو نشاهد صورة ... نكاد نعبر لكن الجسر الذي امتد في تلك اللحظات ينهار فجأة ... فنسقط، بل نهوي من على عرش تلك اللحظات التي أقسمت أرواحنا اثنائها بأنها شاهدت فيها جسراً يمتد إلى الماضي المبارك، ورأت ماكنا عليه حين كنا أطفالاً...
قاطعه المحقق:
- لكنك لم تجب على سؤالي، لماذا قتلت ذلك الطفل؟
صمت طويلاً مطرقا برأسه وهو يتأمل قيدين معدنيين في يديه، ثم ارتفع رأسه وأجاب:
- ذات مرة شاهدت صورة احتشد فيها الماضي بلونيه (الأبيض والأسود) لم تكن تلك الصورة تخصني إطلاقاً ... لا أعرف صاحب تلك الصورة، لكنها لأحد المليارات من البشر الذين تقطعت بهم سبل العودة ... تأملتها طويلاً، ثم رفعت رأسي ونظرت يميناً فوجدت جسراً قد امتد إلى هناك ...
عبرت الجسر حتى نهايته، وفي الطرف الآخر الذي تفصل بيني وبينه هوة ساحقة رأيت ذلك الطفل الذي كنتُ عليه ... إنه أنا .. لقد كنت طفلاً ذات يوم!
كان جالسا وقدماه ممتدتان باتجاه الجسر... كان يلهو بحفر الأرض بين قدميه ... ناديته بأعلى صوتي، لكن رأسه لم يرتفع أبداً ..، لقد كان مستمراً في حفر الأرض حتى ابتلعته تلك الحفرة!
أرأيت؟ لم أقتل ذلك الطفل، بل ظل يحفر حتى ابتلعته تلك الهوة!

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق