اغلاق

ثقافة السؤال....بقلم: د. محمد حبيب الله

من خلال زياراتي المكثفة للصفوف في التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي كان يغيظني رد فعل الطلاب حينَ كان المعلم يسأل

 
الصورة للتوضيح فقط

 بعد شرحٍ طويلٍ لمادة الدرس، شرحٍ يغلب عليه التلقين وأسلوب المحاضرة، ثُمَّ يسأل "مين عندو سؤال؟" والطلّاب وكأن على رؤوسهم الطير لا يحركون ساكنًا ولا يحرّكون لسانًا ولا يسألون... عندها يُتبِعُ المعلمُ محاضَرَتَه بالقول: "يعني فاهمين" فيجيب الطلاب بصوت واحد "نعم أستاذ! فاهمين". وهكذا يستمر المعلم بطريقة التعليم هذه والتي يفتقر إلى الإثارة وإلى عرض مادة التعليم بأسلوب السؤال والمسائلة والتشكيك والحيرة. لا تستدعي أي سؤال من قبل الطلاب، ونحن نعرف ان سؤال المعلم في الصف هو سؤال العارف وهو سؤال اصطناعي لأن المعلم يعرف جوابه، بينما سؤال الطالب يكون غالبًا سؤال غير العارف الذي يريد أن يعرف من المعلم جوابه... ويكون سؤال الطالب نفسيًا نابع عن عدم اتزان نفسي ونابع عن عدم معرفة وحب استطلاع... لذا على المعلم أن يكون فنّانًا في إثارة الطلاب في كل مادة يعلّمها، مخاطبًا بذلك طبيعة حب الاستطلاع والاستزادة بالمعرفة عندهم. لقد كثرت الأبحاث حول "السؤال في التربية" ومكانته في طريق بلوغ المعرفة وكُتِبَ كثيرًا حول كيف نسأل الأسئلة في الصف وخلال العملية التربوية التعليمية... السؤال ركن هام من أركان المعرفة والطريق القويم للوصول إليها... لقد قيل بأن "السؤال نصف العلم" ومن يعرف كيف يسأل وماذا يسأل يعكس بسلوكه هذا قدرة عل التفكير وحب الاستطلاع... وقد تناولت في أبحاثي حول "فهم المقروء" هذا الموضوع وعرضت فيها أحد الموديلات الهامة في جعل القراءة التي يقوم بها المتعلم قراءة ناجعة، وأعني بذلك موديل ال (SQ3R) حيث أن الحرف (S) هو الأول في كلمة (Survey) أي "تصفُّحّ"، والحرف الثاني (Q) هو الأول من كلمة (Question) أي "سؤال" والحرف (R) هو الحرف الأول في كل من الكلمات اقرأ (Read)، وردّد غيبًا (Recite) وراجع ما قرأت (Review)، والقارئ الماهر وكل من يريد قراءة مادة من أجل الاستزادة في المعرفة أو من أجل أَداء امتحان يسلك هذا الطريق، حيثُ يبدأ أولاً بتصفح المادة بشكل عام، الأمر الذي يثير عنده حب الاستطلاع والتفكير بالأسئلة التي إذا وضعها أمَامَهُ سيجد لها جوابًا في المادة وبهذا تتحول القراءة عنده إلى قراءة هادفة. بعد ذلك يبدأ المتعلم بقراءة المادة مدفوعًا لمعرفة الإجابة عن الأسئلة التي وضعها أمامه. ثم يعود بعد استكمال المادة المقروءة وإلى الأسئلة التي وضعها أمامه ويفحص نفسه إذا كانت قد حصلت عنده إجابة عن كل سؤال فإذا صادف سؤالاً وُضِعَ قبلاً ولم تَتَضِح الإجابة عليه عنده، يعود ويراجع المادة ليس كل المادة وإنما ما يتصل بالسؤال لكي تكتمل الإجابة عنده.
وهذه التقنيّة في التعلم الذاتي من خلال القراءة نقيد الصغير والكبير وتحوّل القراءة عنده لأي مادة يقرأها (كتابًا او مقالاً في صحيفة) إلى قراءة هادفة وناجعة، وباتباعها تحصل المعرفة الحقيقية للمادة المقروءة.
لقد تحوّل السؤال إلى أداة عملية وإلى ثقافة يجب أن يتحلّى بها كل إنسان في مجتمعنا المعاصر، فهو يحتاج إلى أن يعرف كيف يسأل ومن يسأل في أوضاع حياتية مختلفة، تشمل بالإضافة إلى ما مجال عرضناه في مجال العملية التربوية التعليمية وفي مجالات البيع والشراء ومجالات الحديث اليومي بين ومع الناس. نصادف أحيانًا في حياتنا اليومية حالات نضطر فيها، إلى سؤال البائع لماذا لا يضع السعر على السلعة التي يعرضها للبيع، سواء كانت ملابس أو بضائع تتصل بالغذاء والخضار والفواكه وكل مستلزمات البيت. القانون يلزم البائع وضع التسعيرة على السلعة، ويحتاجها الإنسان في حالات أخرى في النقاش الذي يلي ذلك بهدف "المفاصلة" وتنزيل سعر السلعة التي يود شراءها... لذلك فإن هذا الأمر صار من مستلزمات الثقافة العصرية التي يجب ان يتزَوّد بها كل فرد – وأعني "ثقافة السؤال" أمام الجشع وتضخيم الأسعار عند البائعين على اختلاف شرائحهم وإلى ميلهم وضع سعر على السلعة يكون أضعافًا لرأس مال السلعة... علينا ان لا نكون مؤدبين وأن لا نخجل في ذلك. لقد وصلنا إلى وضع وجبت فيه "المفاصلة" وإلا فسيكتشف المستهلك لاحقًا بأنه دفع كثيرًا بالمقارنة مع السعر الذي اشترى به شخص عرف كيف يسأل وكيف يشتري!
ان ثقافة السؤال أصبحت اليوم ضرورة ماسّة، يجب على الإنسان أن يتثقّف بها إلى جانب ثقافات أخرى كتبت عنها في الماضي وأقصد بها: ثقافة الحوار وثقافة التواضع وثقافة الاصغاء وثقافة التسامح وثقافة التعايش وثقافة السلام وثقافة الإطراء وثقافة القطيع وثقافة اللاعنف وسيجد القارئ في كل ما نشرت في الصحف وفي الكتاب الذي أنوي إصداره تحت عنوان "إنسان إن شاء الله" الثقافة التي يود الإلمام بها.
وفي نهاية مقالي هذا أود أن أشير إلى ما كُتب عن هذه الثقافة والتي يسمها زيجمونت بادمان (2017-2018) الثقافة السائلة وضرورة التزود بها في عصر يتوجب فيه فعل ذلك، عصر كثرت فيه الإغراءات من أجل شراء سلعة جديدة. لقد عجز الإنسان في هذا العصر عن مقاومة التيار الجارف والاستهلاك الطاغي في ظل انتشار النزعة الفردية الاستهلاكية... كما عبر عنها صديقي الشاعر رشدي الماضي (الاتحاد 1/8/2018)، لأننا نعيش في زمن زادت فيه الرغبة في الحصول على كل جديد وشراء الكثير الكثير لاستهلاكه.
وأخيرًا لا بدّ من تعزيز "ثقافة السؤال" عند أولادنا الصغار أباء ومعلمين، علينا تشجيع الولد على السؤال بدلاً من قولنا له: "خَلص بكفي تسأل" الأمر الذي يولد عند أولادنا إحباطًا ويجعلهم يكتسبون بدل ذلك "ثقافة اللاسؤال" هذه الثقافة التي تقف حاجزًا أمام الرغبة في المعرفة وحب الاستطلاع.

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق