اغلاق

الفنان المسرحي محمود صبح يبهرنا بـ 3 مسرحيات

المسرحيات الثلاث تدخل السلة الثقافية من أوسع الأبواب وبتقدير التفوق


صور وصلتنا من  المخرج والكاتب محمود صبح

على مدار الأسبوعين الفائتين دعيت لمشاهدة مسرحيات للأطفال والشبيبة عمل جاهدا على إعدادها وإخراجها الفنان المسرحي الأستاذ محمود صبح، وهي من إنتاج مسرح سينمادراما طمرة بإدارة الفنان عدنان ذياب.
أقول الأستاذ محمود صبح لأنه وعلى مدار أكثر من عشر سنوات يقوم بتدريس موضوع الدراما والمسرح بالمدارس الثانوية ويقوم بتحضير الطلبة لاختبارات خارجية بمستوى خمس وحدات بجروت. وكان محمود أول أقام فرعا للدراما في المدارس الثانوية وأول من عمل على إقامة مشاريع مسرحية ثنائية اللغة مع طلبة المدارس الثانوية تم عرضها محليا وفي عدة دول أوروبية منها: فرنسا، المانيا، بريطانيا وسويسرا. لم يقف عند هذا الحد بل يقوم اليوم بتدريس موضوع إعداد الممثل لطلاب فرع المسرح التابع للكلية العربية للتربية في حيفا "دار المعلمين".
لم أتفاجأ بقدرات محمود الفنية المسرحية إذ نعرفه على مدار أكثر من 35 عاما يغرد على خشبات المسرح بأدوار متعددة ومهام إدارية مختلفة أتت ثمارها وسجلت في صفحات الإبداع والإنتاج.
لا ننسى مواقفه وإدارته لمسرح بيت الكرمة وفوز المسرح تحت كنفه مرتين بالجوائز الأولى في مهرجان عكا للمسرح الآخر ومشاركته في مهرجانات دولية عابرة للقارات، وكان أول من قام بإنتاج وإدارة "مسرحيد" مهرجان الممثل الواحد (للأسف قام بعضهم بنسب هذه الخطوة وبغير حق لأنفسهم).
ليس غريبا علينا أن يتم اختيار محمود صبح ليكون عضوا فعالا في اللجنة المهنية لوضع منهاج تعليم المسرح في المدارس الابتدائية والثانوية في إسرائيل وفعل ذلك بتألق بشهادة زملائه أعضاء اللجنة.
وكانت المسرحية الأولى التي شاهدتها خلال الأسبوعين المنصرمين "ثوب الإمبراطور" عن قصة كريستيان أندرسون كان قد كتبها للمسرح جورج إبراهيم فقام محمود صبح بإعدادها إعدادا جديدا مواكبا للعصر والحقبة الزمنية. وفي مقدمته ذكر محمود أن أندرسون كان قد اقتبس القصة من الأدب الشعبي المغربي.
قصة المسرحية: هناك، في تلك المملكة النائية التي يحكمها إمبراطور يحب المظاهر بجنون ومهووس بتغيير ملابسه، من اجل ذلك يفرض الغرامات والضرائب على قاطني المملكة اللذين انحنت ظهورهم تحت وطأته، وها هو يعلن عن جائزة كبرى لمن يخيط له ثوبا جديدا يليق بجلالته.
شابة ذكية وجريئة تقرر وضع حد لسياسات الإمبراطور ومهزلة الملابس الجديدة، فتقترح تفصيل ثوب جديد مصنوع من الحرير الخالص تزينه اللآلئ والجواهر وبه لمسة سحرية، إذ لا يستطيع أن يرى الثوب الجديد سوى الأذكياء والشجعان. تتوالى الأحداث ليقع الجميع في مطب سحر الثوب فيخرج الإمبراطور عاريا في مسيرة جماهيرية.
المسرحية من تمثيل: عدنان ذياب، محمد العامر، شروق حجازي صالح، سماح ياسين، شعبان عواد
موسيقى: معين شعيب
عندما نظرت للوهلة الأولى إلى الديكور شعرت أنني أمام صالة ملكية غنية بالألوان والمناظر والإكسسوار، ولكن المنظر تتوج بإبداع الممثلين في أداء أدوارهم الذي مازج بين الكوميديا بألوانها وأطيافها وبين الواقعية والرمزية وذلك ضمن خطة وهندسة إخراجية اعتمدها المخرج محمود صبح من اجل إظهار الشخصيات بأشكال وأساليب اعتمدت المغالاة والإفراط لإثارة الضحك من جهة وتأجيج الامتعاض والقرف من ناحية أخرى مستغلا الفضاء المسرحي بكل أدواته، واستطيع الجزم أن محمود كان شديدا في خلق "سينوغرافيا" العرض من خلال الموائمة والملائمة بين الفعل المسرحي وباقي المركبات من ديكور وملابس وإضاءة وموسيقى وأغان.  
على الرغم من أن المسرحية معدة للأطفال والشبيبة، إلا أنها وبرأيي جديرة بمشاهدة الكبارة لما فيها من مؤشرات ودلالات تحمل مفاهيم اجتماعية وخلقية تندرج في الإطار العام لحياتنا اليومية وبشتى المستويات. لقد استطاع أبو الصبح من تذليل أدوات ومركبات العمل المسرحي في سبيل خلق جوهرة فنية مرسومة الحركة موسومة الدقة كللها الممثلون جميعا جمال الأداء وسلاسة الإيقاع من خلال التكامل والتكافل في الأفعال وردودها.

والمسرحية الثانية كانت بعنوان " الساحر وبنت الطحان"
كثيرا ما تردد هذا العنوان في مسارح عدة، وقصة المسرحية تعود إلى الأدب الألماني من العصور الوسطى للأخوين غريم. ومن منطلق جمال الأسطورة في القصة الشعبية فقد اتخذت المسرحية وفي عدة مسارح أشكالا متعددة في اطر مختلفة وبرؤيا مسرحية جديدة.

قصة المسرحية: لم يستطع الطحان وابنته من دفع الضرائب فيجرهما كبير الوزراء إلى القصر أمام الملك. ومن كثرة إعجابه بابنته يذكر الطحان أن ابنته تستطيع أن تغزل من القش ذهبا. يقرر الوزير الانتقام منهما فيطلب من الفتاه أن تغزل من القش ذهبا حتى صياح الديك. تبكي الفتاة حظها فيظهر الساحر لينقذها مقابل أجرة باهظة كان منها أن تعده بمنحه ولدها الأمير، فتفعل...لم تعرف مريان خبايا القدر. يعجب الملك الشاب بمريان فيتزوجها. وبعد أن أنجبت ابنها الأمير يظهر الساحر ليأخذ ما وعدته به، إلا أن حنكة الطحان الجّد تحول دون ذلك، وتنقذ الأمير وتحافظ على وحدة العائلة.
وهنا يشعل أبو الصبح مهاراته في الكتابة المسرحية معتمدا على القصة الأسطورة ويبحر في معانيها ومقاصدها ويشيد بنيانا دراميا مؤثرا.  واليوم نحن أمام تلك القصة قام بإعدادها محمود صبح بشكل مختلف اعتمد فيه القوة والذكاء، البساطة والرخاء مستغلا أشكال القوى الخارقة التي استمدت السينما منها قوتها وعظمتها. حيث يضعنا أبو الصبح أمام خيارات التماهي معها أو الوقوف ضدها وذلك لحاجة في نفس يعقوب (أبو الصبح).
و يضعنا المخرج أمام عرض يتخذ من المنظر والجوهر مكونات الفعل الدرامي ليصور لنا قصرا آخر من زمن آخر وأمام ملك شاب ووزيره الخبيث في مقابلة مع طحان بسيط وابنته الذكية الجميلة.
يفاجئنا المخرج بأنماط جديدة من الألعاب السحرية وتبديل متسارع في شخصية الساحر التي قام بها شعبان عواد بأداء مبدع ومبهر.
ومن ناحية أخرى يعتمد المخرج على كاريزما الفنان عدنان ذياب ليبهرنا بألاعيب الوزير ويفاجئنا بلعب دور الساحر بالقسم الثاني من المسرحية ليتفوق على نفسه بأدائه المتميز المبهر.
وسماح ياسين التي قامت بدور الفتاة بلباقة وذكاء متميزين، بين الفقر والبساطة مع عزة النفس والكرامة والمحافظة على أبيها بعد موت أمها. والطحان فقد أداه محمد العامر بليونة ولباقة تربط بين الراوي المتحدث والأب المعتز والمغتر بابنته والجد المحب لحفيده، وليس غريبا أن خاطر بحياته إنقاذا للابنة والحفيد.
  وكعادته يقوم أبو الصبح بتصميم الديكور والملابس واختيار المؤثرات الصوتية لتتلاءم مع رؤيته الإخراجية لينتج عملا مسرحيا راقيا يبهر البصر والبصيرة مستغلا أدوات ومركبات لغة المسرح لينبثق عمل مسرحي يستحق المشاهدة وبجدارة.

وأما المسرحية الأخيرة فقد شاهدتها قبل يومين وكانت تحت عنوان "ملك النهر الذهبي"
يقول أبو الصبح انه عندما قرأ القصة التي كتبها جون راسكين بقيت عالقة بذهنه سنين طويله حتى انبثقت لحظة كتابتها مسرحيا على الرغم من صعوبة بنائها الدرامي لاعتمادها حسب رؤيته على أحداث حالية تدور حولنا ليجد أسلوبا مميزا للإسقاطات في الرؤيا والتصرف والنتيجة.
قصة المسرحية:

على أطراف البلد يعيش ثلاثة إخوة يتامى، الأخ الأكبر سميح، الأخت شريفة، والصغير حمدون.
سميح وشريفة يسيطران على ورثة الأب وينتزعان من الأصغر أملاكه ما عدا كأس ذهبية عليها صورة كان الأب قد أهداها لصغيره. يعيش الصغير خادما ذليلا في ظل اخويه. يسيطر الأخان على ممتلكات البلدة ويصبح قاطنيها تبعا لهم، فتجف مياه النهر، وتنقطع الحياة في تلك الأرض.
تتدخل القوى الخارقة لصالح الأخ الأصغر فتجرد سميح وشريفة من أملاكهما، فيتآمران على إذابة الكأس الذهبية لبيعا ذهبا، إلا أن النار تحرر الصورة المطبوعة على الكاس فتخرج شخصية ملك النهر الذهبي الذي يقف إلى جانب حمدون ويعده بحياة رغيدة إذا قام بقطر المياه النظيفة في أعالي منبع النهر ليتحول إلى نهر من الذهب ليعم الخير على الجميع.

ماذا فعل الإخوة الثلاثة؟ من كانت مياهه نظيفة وكيف؟ وما هو مصير النهر؟
على هذه الأسئلة كانت الإجابة بعرض المسرحية، اعتمد من خلالها محمود صبح مرة أخرى تقنيات السينوغرافيا ليضعنا في صيغة المكان والزمان والحدث بواسطة مركبات العرض المسرحي ببراعة وإتقان ليخرج عملا مسرحيا جميلا يؤديه طاقم سينما دراما ببراعة وإتقان. 

دمت أيها الفنان الأصيل منبعا للأبداع الراقي

  

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق