اغلاق

مَن شقّ القائمة المشتركة ؟ بقلم: سميح غنادري

كان للدكتور أحمد الطيبي، رئيس ومؤسس "الحركة العربية للتغيير"، دورٌ في طرح إمكانية إنشقاق "القائمة المشتركة". لكن البعض يحمّله ما هو فوق إمكانياته


الصورة للتوضيح فقط، تصوير simpson33 iStock

وأبعد عن نيّاته بالإدعاء أنه هو الذي شقّها. الذي شق "المشتركة" هي "الحركة الإسلامية الجنوبية" وحليفها حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" اللذين أبرما تحالفاً ثنائياً إنشقاقياً بينهما في الوقت التي كانت جهود الأطراف الأخرى ولجنتَيْ المتابعة والرؤساء ولجنة الوفاق الوطني – مستمرة لمنع الإنشقاق.
صحيح هو القوْل: تتعدد الأسباب والموت واحد. لكن هذه المقولة لا تعفي لا الطب البيولوجي ولا "التطبيب والتشريح" السياسي من تبيان السبب الأساسي الذي سبّب الوفاة. لا لم "يقتل" الطيبي "المشتركة". وكل ما أراده من وراء مطالبه والآليّة التي إقترحها لتنفيذها هو رفع أسهم وتمثيل حركته في المشتركة، لا شقها.
ظهرت في وسائل الإعلام العربية ومواقع التواصل الإجتماعي العديد من الأسباب التي أدّت إلى الإنشقاق. ومنها، أن "المشتركة" كانت محكومة بحتمية فشلها منذ ولادتها، واهتمت بالكراسي وتأسست أصلاً لعبور عائق نسبة الحسم التي ارتفعت من 2% إلى 3.5%. وهي لم تكن نتاجاً لإرادة شعب أراد أن يتوحّد. لم تتسلّح ببرنامج واضح ومحدد، ولم تهتم بالقضايا المطلبية الخدماتية وبتحقيق الإنجازات. وحافظت أحزابها على خلافاتها السياسية والفكرية، ولم تفتّش عن المشترك قبل الشراكة، دون أن تتوحّد. و...و... إلخ.

الشراكة المنشودة والوحدة الممقوتة
أختلف مع ما أوردته أعلاه من مواقف وحجج قالها البعض جاعلاً منها أسباباً قادت إلى الإنشقاق. لأنه، أولاً، لا يوجد أي عار في إقامة "المشتركة" لضمان عبور نسبة الحسم للتمثيل في البرلمان. وشعبنا وأحزابنا لم يحتكما لإرادة ليبرمان ونتنياهو بتشكيلهما "للمشتركة"، وإنما تحدّيا وأحبطا مخطط إقصائهما كلياً عن الكنيست. وما من عيب في سعي "المشتركة" لتحصيل أكبر عدد ممكن من الكراسي لعضوية البرلمان التشريعية والمنبر الهام لطرح قضايانا وللتأثير لصالحها.
بقدر ما يزداد تمثيلنا في البرلمان وإتقاننا للعمل فيه يزداد تأثير وإسماع صوت قضايانا محلياً وشرق أوسطياً وعالمياً. وما من عيب حتى في سعي كل حزب من أحزاب "المشتركة" لزيادة عدد كراسيه ضمن الشراكة. العار والعيب هو في جعل الكراسي أهم من الحفاظ على الشراكة ومن إجادة العمل البرلماني.
ثانياً، تقوم الشراكة على أساس المشترك بين الأحزاب التي أقامتها، لا على أساس الإنتماءات الفكرية/الأيديولوجية، ولا حتى على أساس الإتفاق الكلي على كل أطياف المواقف السياسية للأحزاب من شتى القضايا. ثالثاً، من التجنّي الإدعاء بعدم وجود برنامج محدد وواضح لدى المشتركة. يوجد برنامج كهذا اتفقت عليه وصاغته الأحزاب والحركات الأربعة معاً.
واقتصر جلّ عمل غالبية أعضاء الكتلة البرلمانية للمشتركة على قضايانا المطلبية والوطنية، ضمن ما اصطلحت أحزابنا على تسميته "السلام والمساواة" – "الكرامة والخدمات" – "الهوية القومية والمواطنة المتساوية". هذا عدا عن المسائل العامة بخصوص الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتصدي للعنصرية.
رابعاً، شعبنا هو الذي كان القابلة القانونية والقاعدة الجماهيرية الضاغطة لوجوب الشراكة بين أحزابنا ووقف عداواتها لبعضها البعض. وذلك قبل حتى عقود من سن قانون رفع نسبة الحسم. ومنح شعبنا "المشتركة"  بعد تشكيلها لغالبية أصواته.
خامساً، تأسست "المشتركة" قبل أربع سنوات بتاريخ 23.12.2015. أي هي ما زالت تجربة عذراء وطفوليّة من ناحية العُمْر. ومن الطبيعي أن ترافق التجربة الأولى بعض الأخطاء والهفوات بخصوص هيكلتها وتنظيم عملها. اللاطبيعي هو إشغالنا بقضايا ثانوية وسعي بعضنا إلى إلقاء الطفل مع الماء الذي استحم فيه... في البالوعة، بدلاً من تأصيل "المشتركة" وإصلاح ما يجب إصلاحه في بنيتها التنظيمية وفي إدائها البرلماني والجماهيري.
وأخيراً وليس آخراً، الأيديولوجيات ليست قاعدة للعمل المشترك. وتقوم الشراكة بين المختلفين فكرياً وموقفاً إجتماعياً; وتستمر الاختلافات حتى في بعض المواقف السياسية من بعض القضايا التي هي ليست من لُبّ وجوهر برنامج الشراكة. وتقوم الشراكة على قاعدة المشترك العام الأساسي للأحزاب في الزمان والمكان المُعْطى والقائم موضوعياً. وعلى الأحزاب المشاركة أن تلتزم في "المشتركة" بما توافقت عليه من برنامج جامع، إلى جانب المحافظة على استقلاليتها وخصوصيتها فيما يتعداه.
لسنا سردينات محشورات ومعلّبات ومتناسقات طولاً وعرضاً ومكبوسات بزيت الوحدة. وإنما نحن متشاركون رغم إختلافاتنا، ومختلفون رغم شراكتنا. وإذا ما كانت الشراكة ستفرض علينا أن نكون "سردينة" معلّبة بلا طعم او رائحة أو لون... لا نريدها.

تجمّع الأسلمة وتأسلُم الشرذمة
أنوّه بدءً أن ما سأورده أدناه من معلومات عن مسار شق "المشتركة" هو الحقيقة وفقط الحقيقة التي استقيتها ليس فقط من قراءتي وتحليلي لكل ما جرى نشره في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي الألكترونية، وإنما أيضاً من تحقيقاتي وإتصالاتي مع أشخاص من قيادات رباعيّة الأحزاب والحركات المكوّنة للمشتركة ومن بروتوكولات بعض الجلسات. وأتحدى أن يستطيع أحد أن يكذّبها. ولا أنصحه بأن يفعل هذا، لأن غالبيتها موثقة لديّ حتى بالصوت والصورة... أحياناً.
• كانت هنالك إمكانية جدية للتجاوب مع مطلب الطيبي – (العادل حسب رأيي) – بزيادة تمثيل حركته ضمن المواقع الـ 13 الأولى. دفعت "الجبهة" بهذا الإتجاه وتنازلت عن نصف المقعد الإضافي خاصتها. أما "الإسلامية" فطالبت بأربع مقاعد، أي بزيادة تمثيلها (؟!). هي تطالب، دون حق، بزيادة مقعد رابع لها وتتهم الطيبي بأنه يصرّ على زيادة تمثيل حركته ويشق "المشتركة" طمعاً "بالكراسي"! (هذه هي الحقيقة عمّا سمّي في وسائل الإعلام الخلاف على ترتيب المقاعد من رقم 12 إلى 14). وحتى التجمع "المبدئي" جداً جداً دعم مطلب الإسلامية أن يكون المقعد 13 مقعداً إضافياً لها، رغم علمه أن هذا مطلب غير عادل وسيقود إلى شق "المشتركة".
• لم تكن خلافات على من يرأس القائمة "المشتركة"، وغير صادقة – (حتى لا أقول كذّابة) – الإدعاءات بأن إصرار الجبهة والطيبي أيضاً على رئاسة القائمة قادا إلى شق "المشتركة". الجبهة لم تصر والطيبي لم يطالب بهذا، لا هو ولا المحامي أسامة السعدي الذي كان يفاوض باسم "العربية للتغيير".
• أعلنت "الجبهة" أكثر من مرة، وكرّرت الأمر في المفاوضات، أن الذي قرّر أن يكون رئيس قائمة الجبهة المرشح الأول في القائمة المشتركة في انتخابات عام 2015 هي "الرباعيّة" المكوّنة للمشتركة. وأنها لا تصرّ على رئاسة القائمة ومستعدة لقبول أي إقتراح بهذا الخصوص تتوافق عليه "الرباعيّة". تريدون معرفة مَنْ أصرّ على أن تكون الرئاسة له؟ هو نفسه الذي أصرّ أيضاً على زيادة تمثيل حركته من ثلاثة إلى أربعة أعضاء. أي مثل "المنشار" – طالع ناشر ونازل ناشر.
• تُعلن الحركات الثلاثة – (الجبهة والإسلامية والتجمع) – أنها جاهزة لخوض الإنتخابات كل لوحده. لكن "الجبهة" تواصل الإتصالات مع الجميع وتعرض على الإسلامية والتجمع إعلان خوض الإنتخابات في قائمة ثلاثية. وفسّرت أن مجرّد هذا الإعلان إلى جانب التواصل مع الطيبي، الذي كان قد أعلن خوضه للإنتخابات في قائمة لوحده، سيقود حتماً إلى تراجعه. خاصة إذا ما جرى تنازل الإسلامية عن المطالبة بما هو فوق ما تستحقه والموافقة على تخصيص مقعد إضافي للعربية للتغيير.
ترفض "الإسلامية والتجمع" هذا الأمر ويعلنان في مؤتمر صحفي لهما أنهما قرّرا خوض الإنتخابات في قائمة ثنائية تحالفية لهما ويقومان بدعوة الآخرين للإنضمام لهما، حتى يعود إحياء المشتركة عندها (؟!).
• يتفاخر "تجمّع الأسلمة" و"تأسلم الشرذمة" في مؤتمرهما الصحفي بتاريخ 20.2.2019 أنه لم تكن عندهما أية مشكلة في تقسيمة المقاعد لقائمتهما. فهما إتفقا على التقسيمة خلال خمس دقائق، لأن المقاعد لا تهمهما. غريب عجيب أن ينطلق بهذا مَنْ شرذم "المشتركة" إصراراً منه على عدد مقاعده. ثم هما لم يقسّما مقاعد بل اعتمدا بالضبط الحصة المتساوية التي كانت لهما في إطار "المشتركة" سابقاً – ثلاثة نواب لكل طرف والأولوية للإسلامية. وهذا سيتم إذا ما حصلت قائمتهما أصلاً على ستة مقاعد في الانتخابات القادمة.
أما للدكتور مطانس شحادة الذي أعلن أن تحالف التجمع مع الإسلامية هو "التحالف السياسي الطبيعي"(؟!)، وأن الواجب عدم السماح بالتشرذم لأنه يخدم نتنياهو، قام بدعوة الجبهة والعربية بالتحلي بالمسؤولية... فما من جواب لدينا على هكذا كلام سوى: يا أخ مطانس حاول أن تقنع أولاً قاعدة أعضاء حزبك والناخبين عموماً بهكذا تخرّصات...

السيد منصور عباس يناقض عباس منصور
أحصيتُ 12 تصريحاً وموقفاً متناقضاً للدكتور منصور عباس نائب رئيس الحركة الإسلامية ورئيس قائمتها البرلمانية، وذلك على مدى أقل من شهر. وأدلى ببعضها أحياناً في اليوم نفسه! هذا عدا عن التدوينات العديدة في صفحته الألكترونية الخاصة.
نعرف أن عقارب الساعة تحركها بطارية خفيّة. فمَن يشحنك يا دكتور منصور عباس، علماً بأنك صاحب مركز مسؤول في الحركة الإسلامية، ولا تمثل ذاتك فقط. لقد اشتقنا، بعد قراءة تصريحاتك وتغريداتك المتناقضة، للمواقف المبدئية والعاقلة والمسؤولة التي امتاز بها كل من السيدين والنائبيْن السابقيْن إبراهيم صرصور ومسعود غنايم.
لن أدوّخ القارئ بالإستشهادات من تلك اللامتناهيات في متناقضات تصريحات د. عباس منصور. أكتفي بالقول بأن عباس يصرّح: واجبنا الحفاظ على "المشتركة" وعدم الغرق في محاصصات الكراسي والمراكز، وأدعو الجميع إلى الإلتزام بالمشتركة وسيحصل كل طالب مقاعد على حقه وأكثر. فيردّ عليه منصور: نريد أربع مقاعد للإسلامية ورئاسة المشتركة. وحين يصرّح منصور أن الثلاثية – (الإسلامية والجبهة والتجمع) – ستحافظ على المشتركة وتوسيعها، يجيبه عباس: ستخوض الإسلامية الإنتخابات لوحدها لأن إصرار طرف ما على الانسحاب منها – (يقصد الطيبي) – يعني حلّها.
وحين يصرّ عباس على وجوب إقامة تحالفات ثنائية، يردّ عليه منصور قائلاً: إما المشتركة بأطرافها الأربعة أو قوائم مستقلة، ولن يكون هنالك أي تحالف مع الإسلامية إلا في إطار المشتركة. لكن حين يعقد منصور تحالفاً مع التجمع يصرّح عباس: هذا ما كنّا نحلم به منذ عشر سنوات. وعندما يقول منصور: أفضّل أن لا يخوض الطيبي الإنتخابات لوحده وأدعو "الجبهة" و"العربية للتغيير" إلى خوضها معاً، تثور ثائرة عباس فيقول: فوجئتُ من تحالف الجبهة والعربية للتغيير، هذا تحالف غير طبيعي. بناء عليه قل لنا يا سيد منصور عباس: أي شخص نصدق في هذه الدوّامة الإنفصامية: عباس أم منصور؟
أخطأ الثنائي الإسلامي والتجمعي بحق حزبيهما ومستقبلهما وشعبنا عموماً بشقهما للمشتركة. ولا أدعو بهذا إلى محاربتهما. ولكن لا يعقل أن تواصل الجبهة والعربية للتغيير الصمت عن كشف حقيقة ما حصل. من حقنا، نحن الناخبين، أن نعرف الحقيقة أمام هذا السيْل الفائض من المغالطات. ولا أطالب بهذا بالعودة إلى ماضي مشاحنات حزبية القبائل وقبلية الأحزاب، بل أدعو إلى تسليح الناخبين بالحقيقة وفقط بالحقيقة. وأرجو من الثنائي الإسلاموتجمعي أن يفنّدا إذا ما استطاعا أية حقيقة تضمّنها مقالي هذا. وللذي ينشغل بنشر "أفلام" ساقطة بحق النائب الطيبي، ننصحه بأن يزيل الحطب من عينيه قبل أن يدّعي وجود قشة في أعين الأخرين.
وأخيراً، وردَ في مقال سابق لي: كفانا طبطبة وغمغمة ومسايرة على حساب الجوهر. وأضيف الآن أن احترموا عقولنا وسلّحونا بالحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، واعملوا على توعيتنا لا تظليلنا. وأذكّركم بما ورد في الإنجيل المقدس: "أن اتبعوا الحق فالحق يحرّركم"، وفي القرآن الكريم: "وقل اعملوا وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". وأسألكم: هل العقل إلا بجناحيه يطير؟ وجناحاه هما إيثار الحق والإلتزام العملي به. بهذا نصبح وإياكم على إنتصار في العاشر من نيسان. وبغض النظر عن الموقف من التحالف "التجمعي الإسلاموي"، لا نريد له السقوط في الإنتخابات.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق