اغلاق

حرب الروايات...بقلم: د. مصطفى البرغوثي

لفت نظري خلال متابعتي للأحداث الجارية في الجزائر، والكفاح الشعبي الذي يتصاعد فيها للمطالبة بالديمقراطية جهل


صورة للتوضيح فقط - تصوير : princigalli iStock

 
  الأجيال الشابة بإسم بطلة الثورة الجزائرية جميلة بوحيرد، بل سمعت أشخاصا يتندرون على هذه المرأة المسنة، التي لم يعرفوا تاريخها، وهي تشارك في المسيرات الشعبية الجزائرية.
وهذه الأجيال لا تًًُلام على عدم معرفتها بقدر ما يجب أن يُلام المسؤولون عن نشر وكتابة الثقافة، والتاريخ، ومناهج التعليم.
أكتب عن ذلك لأنني لمست الخطر الداهم على ثقافتنا الوطنية والسياسية من تسرب الرواية الإسرائيلية إليها، وإلى مصطلحاتها .
وهي رواية يحاول المروجون لها بإصرار ومثابرة، جعلها مقنعة، مكررة، متداولة، بحيث تحل محل الرواية الحقيقية والموضوعية للأحداث .
ولا يوجد وفد دولي أو أجنبي نلتقي به، إلا وتعرض أو تأثر بالرواية الإسرائيلية .
وسأعرض بإيجاز بعض الأمثلة  التي يجري الترويج لها، في اطار حرب الروايات التي تشنها المنظومة الصهيونية.
المفهوم الأول الذي يجري الترويج له ، أن الأمن المهدد هو الأمن الإسرائيلي ، وأن الفلسطينيين يشكلون خطرا على أمن الإسرائيليين .
ويُستخدم الأمن كمبرر ، أولي و أساسي لكل خروقات حقوق الإنسان التي تمارسها المؤسسات الإسرائيلية، ولإجراءات منظومة الأبارتهايد ببناء جدار الفصل والتمييز العنصري،  وفصل الطرق والحواجز ولحصار غزة، ولمنع الفلسطينين من حرية الحركة أو الوصول إلى القدس ولإلزام الجانب الفلسطيني بالتنسيق الأمني.
 وتتجاهل الرواية الإسرائيلية ليس فقط أن الفلسطينين ايضا بحاجة للأمن، بل وتخفي بإمعان معاناة الفلسطينيين  بسبب التهجير والاحتلال،  من فقدان كامل للأمن الشخصي، والإقتصادي، والإجتماعي، والسياسي، بل إن حياة كل واحد  منهم مهددة في كل لحظة بسبب مايمنحه الاحتلال لجنودة من شرعية لقتل الفلسطينين، وإعدامهم ميدانيا، كما حدث في الأسبوع الماضي لأربعة شهداء.
المفهوم الثاني الذي أصبح سائدا في الرواية الإسرائيلية أنه لا يوجد إحتلال، وقد تدرجت الرواية الإسرائيلية عبر العقود من إدعاء أن الضفة والقدس وغزة والجولان ليست أراضي محتلة ، بل أراض متنازع عليها، إلى القول بأنها أراضي دولة إسرائيل والتي تتكرم بالسماح للفلسطينيين بالبقاء فيها.
ولا يعبأ الإسرائيليون بأن روايتهم تناقض القانون الدولي وقرارات لا تُعد ولا تحصى للأمم المتحدة ، بل يحاولون كما فعلوا مع الإدارة الأميركية نفي صفة الإحتلال برمتها. وقد تبرع الرئيس الأميركي ترامب بمشاركة إسرائيل في مخالفة القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ، بإعلانه الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومن ثم إعترافه بضم الجولان المحتل لإسرائيل، ولا يُستبعد أنه يحضر مع سفيره فريدمان، وصهره كوشنير لمباركة ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.
وقد أكد الترحيب المفرط بقرار ترمب من قبل نتنياهو ومعسكره وكل معارضيه من غانتس ويعالون إلى لبيد ما قلناه في مقال سابق ، بعدم وجود أي فرق حقيقي بين معسكري نتنياهو وغانتس.
ورغم أن قطاع غزة ما زال فعليا تحت الإحتلال جوا وبحرا وبالحصار البري ، يواصل الإسرائيليون الإدعاء بأن إحتلاله قد انتهى ، متجاهلين كذلك أن ثلثي سكانه مهجرون من قراهم ومدنهم في أراضي ١٩٤٨،  ومحرومون ليس فقط من حق العودة إليها بل ومن مجرد زيارتها ورؤيتها.
المفهوم الثالث الإدعاء بأن حق الدفاع عن النفس وإستخدام القوة والعنف مشروع فقط للإسرائيليين، ومحرم على الفلسطينيين، وإن تجرأ الفلسطينيون على ممارسته مع تقيد كامل بما يقره القانون الدولي، فإنهم سيوصفون بالإرهاب، ولن يتعرضوا للقتل والإعدام الميداني والإعتقال فقط، بل ستلاحق المؤسسات الفلسطينية على مساندة عائلاتهم وتوفير الرعاية الاجتماعية لها، وهذا ما تجلى في قرصنة الحكومة الإسرائيلية وإقتطاعها لأموال الضرائب بحجة أن جزءا منها يذهب لدعم عائلات الأسرى والشهداء.
المفهوم الرابع والأخطر ، هو تزوير كل تاريخ فلسطين بالإدعاء أنها أرض تخص اليهود فقط منذ ثلاثة آلاف عام، مع إخفاء متعمد لأمرين ، الأول ان الفلسطينين وأسلافهم عاشوا على أرض فلسطين منذ أربعة آلاف عام، وأن معظم اليهود الحاليين ينحدرون كما أشارت مقالات تاريخية حديثة عديدة من أصول لا علاقة لها باليهود الفلسطينين الأصليين.
أما المفهوم الخامس فيرتبط بمحاولات حكام إسرائيل سحب الأنظار عن القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني، وتهميشها لصالح الصراعات مع القوى الإقليمية والدولية التي تتبدل من مرحلة لأخرى. فالخصم كانت مصر ثم سوريا، ثم الإتحاد السوفياتي سابقا، ثم العراق، وأخيرا أيران وفد تصبح دولة أخرى في المستقبل.
وهذا هو جوهر المحاولات الإسرائيلية فرض التطبيع مع المحيط العربي على حساب القضية الفلسطينية تمهيدا لتصفيتها عبر ما يسمى " بصفقة القرن" .
الأجيال الشابة الفلسطينية والعربية في أحوج ما تكون للتوعية أزاء محاولات التشويه والتزوير الإسرائيلية، إذا أردنا أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها وعن شعوبها.
 و ما من مبالغة في القول أن من يكسب حرب الروايات يكسب نصف المعركة.
 
بقلم د. مصطفى البرغوثي
الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق