اغلاق

د. مصالحة: ‘المراهقة كالهزة الارضية، هناك من يصمد وهناك من ينهار في عصر لا يحتمل الصبر‘

تعتبر مرحلة المراهقة من اهم المراحل في حياة ابنائنا. وفي عصر العولمة الذي غير حياتنا، والمليء بالتحديات ، أصبح الكثير من الاهالي عاجزين عن التعامل الصحيح
Loading the player...

 والسليم مع الأبناء. موقع بانيت التقى الدكتور شفيق مصالحة وهو أخصائي نفسي ومحاضر في الجامعة العبرية والكلية الأكاديمية أور يهودا...

عندما نتحدث عن المراهقة ما بين الظواهر الطبيعية والافتراضات النفسية، عن ماذا نتحدث دكتور؟
نتحدث أولا عن زمن فيه تربية الطفل وإيصاله إلى أهدافه في الحياة أصبحت قضية صعبة جدا، وأصبحت تحديا كبيرا جدا في هذا العصر، والتحدي الكبير لكل عائلة، وهدفها الأسمى هو أن توصل ابنها للسكة التي تستطيع أن تقول من خلالها إنه يتقدم في حياته وأموره مستتبة، وتقول نستطيع أن نضع يدينا بماء بارد وابني مشى في الحياة، وهذه عملية اليوم أصعب بكثير مما كانت في السابق، لأن التحديات الموجودة في هذا العصر هي أكبر بكثير.
المراهقة هي مرحلة من مراحل العمر، فلدينا طفولة مبكرة، ولدينا طفولة في المراهقة، وهناك البلوغ. والمراهقة هي فترة فيها تحديات كثيرة، لأن الولد يريد أن ينمي شخصيته، ويريد أن ينمي هويته، ويريد أن يوضح إلى أين مساره، وإلى أين يذهب في حياته، فيواجه العديد من التحديات، وهو يريد أيضا أن يكون هوية مهنية، حول ماذا سيفعل في الحياة، وكل هذه تتراكم في فترة زمنية محددة وهي فترة المراهقة، والمراهق يمر فيها بضغوطات كبيرة وخاصة في هذا العصر التكنولوجي السريع الضاغط الذي يكون موجودا فيه، وأيضا موجود في أُسَرٍ كثيرة، فمعظم ارباب الأُسَر اليوم  "يركضون" لساعات طويلة يوميا كي يوفروا كل الإمكانيات لأبنائهم، ولكن، هم غير موجودين كفايةً على المستوى العاطفي والشعوري مع هؤلاء المراهقين، فيكون المراهق مضغوطا من جهة، ومن جهة أخرى الأمور المادية قد تكون متوفرة. ولكن الأمور العاطفية تكون غائبة، ليس لأن الأهالي لا يريدون ذلك، أو لأنهم لا يقومون بواجباتهم، وإنما لأن الأهالي أيضا يعيشون في عصر فيه ضغوطات كبيرة لتوفير جميع حاجيات الحياة وحاجيات أبنائهم.

هناك من يقول ان العائلة اليوم موجودة في صراع بسبب طبيعة الحياة والتاثيرات التكنولوجية التي نعيشها ؟
الأمر لم يعد سهلا في هذا العصر، لأن يضع الأهل يدهم في ماء بارد ويقولوا إن أبناءهم أصبحوا يسيرون في الطريق السليم.  جميعنا في صراع حول كيفية تحقيق هذا الهدف، وبالطبع لا أريد أن أدخل للأسباب المركبة حول سبب وجودنا في هذا التحدي، ولماذا نحن غير موجودين في هذا المكان الآمن؟. ولكن بشكل سريع، أستطيع ان أقول إن من الأشياء هو أن حياتنا تغيرت، الكل يقولون حول التكنولوجيا، ولكن التكنولوجيا أتت بأشياء كثيرة معها تصعب علينا الأمر على المستوى النفسي ... هناك مسارات في الحياة، والنتائج لا تأتي سريعا، ولا بكبسة زر، ويجب أن يكون لدينا الصبر والتحمل كي نمشي في مسار ما، من أجل الوصول إلى نتيجة إيجابية جيدة نريدها. وإذا أردتَ الشيء بسرعة فيبدو أن الأمر لن يكون جيدا على المدى الطويل، وهذا في سياق كيف يتوقع الناس أنه مثلا عند قدوم رئيس مجلس جديد وبعد أسبوع أو شهر علينا أنرى النتائج! لماذا نتوقع هذا الشيء؟ لأن حياتنا أصبحت لا تحتمل الصبر، والمسارات، وأصبحنا نريد نتائج سريعة! وهذا الوضع القائم على مستوى الحياة اليومية مع أولادنا، لكننا قديما، كنا ننتظر الرسالة – في جيل المراهقة – مع الفتاة التي كنتَ تحبها، لمدة شهر كي تصل! ولكن اليوم، لا يستغرق الأمر أكثر من ثانية، فقط ضغطة زر".
نحن بحاجة إلى أن نصبر في المراهقة كي نحصل على أي شيء، ولكن اليوم كل شيء يأتي بضغطة زر، إذن، لن تتخيلوا على المستوى النفسي كم هذا الشيء هدام، فالابن أصبح يريد كل شيء بأسرع ما يمكن، وأسهل ما يمكن أيضا، ودون بذل جهد ودون صبر! فأي شخصية سيكون؟ طبعا هذا صحيح في كل المجالات، وليس في مجال معين، وهذا أيضا في مجال الدراسة، أن الدراسة هي مسار وليست عملا أو ردة فعل.
إذا تحدثنا عن جيل المراهقة، إلى محورنا، أولا، دعونا نقبل أن جيل المراهقة لا يأتي من فراغ، وإنما من طفولة، أي هو ليس مرحلة معلقة في الهواء، وإنما هناك قبلها مرحلة مهمة جدا، وهي الطفولة، فالسؤال: بأي روح يدخل المراهق جيل المراهقة؟ وبأي شخصية؟ إذا اعتبرنا أن جيل المراهقة أزمة، فهناك من يعتبرون هذا الجيل أزمة، وإذا افترضنا أن هذه الأزمة كالهزة الأرضية، فمن الممكن أن تحدث هزة أرضية في المنطقة، هناك بيوت تُهدَم، وبيوت أخرى تبقى واقفة، وكذلك الأمر، هناك أبناء وبنات يهزهم الأمر، وهناك من تمر عليهم بسلام، وهذا يتعلق بأي وضع دخلوا جيل المراهقة؛ ولذلك أريد أن أنوه أن الطفولة هي أساس يُبنى عليه جيل المراهقة.
نحن اليوم نلوم أولادنا، وقد قلت إنه لم يعد لديهم صبر، ولكن الذنب ليس ذنبهم، وإنما هو ذنب ظروف الحياة التي جعلتنا في هذا الوضع، ولكن من المهم أن نكون واعين لما يحدث.

 لقد أصبحت كلمة مراهقة صعبة على العائلة العربية , هل لك من تعقيب ؟
كلمة المراهقة هي صعبة قليلا، ولا أعيش معها بسلام؛ لأنها في وقت من الأوقات يعدونها شتيمة، ولكن عندما أتحدث أنا عن المراهقة، فإنني أقصد مرحلة من مراحل الحياة، كالطفولة والبلوغ والشيخوخة، إذن فالمراهقة هي فترة تبدأ بين جيل 11-21 تقريبا، وهذه الفترة كلها مراهقة، وهي طويلة، عشر سنوات؛ ولذلك قسموها في علم النفس إلى فترتين، وهما: المراهقة المبكرة من جيل 11-14 عاما، والمراهقة المتأخرة من جيل 15-18، واليوم يتحدثون عن المراهقة لجيل 21، وليس لجيل 18 الذي يأخذ فيها المراهق هوية، ورخصة قيادة وهذه الأمور، وإنما إلى جيل 21.
سأستبق الأشياء وأقول إن العالم أصبح يغير قوانينه أنه بين 18-21 ما يزال الفرد مراهقا! والقانون يحاسبه كمراهق وليس كبالغ كما في السابق، لماذا؟ لأن الأبحاث حاليا ترجح أن المنطقة الأمامية من الدماغ، المسؤولة عن السيطرة وعن عدم الاندفاع، وعن التفكير بشكل منطقي، وما يسمى بضبط المشاعر، ما تزال في مرحلة التطور حتى جيل 21، فمن كان عمره تحت 21 عاما، فإن المنطقة الأمامية لديه ما زالت تتطور؛ ولذلك نقول إن المراهقين اندفاعيون، ولديهم فورات وغضب ولا يتحكمون بالمشاعر، ولا يتحكمون بشكل منطقي بقراراتهم، وكل هذه المهام هي نابعة من المنطقة الأمامية من الدماغ، وهذه تستمر في التطور حتى جيل 21 عاما؛ ولذلك قالوا في القانون: كيف نحاسب شخصا أقدم على عملية ما، وهو ما يزال مراهقا على المستوى الفسيولوجي؟ واليوم تأخذ المحاكم هذا الأمر بالحسبان، المهم لا أن تأخذه المحاكم بعين الاعتبار فقط، وإنما من المهم أن نأخذه نحن أيضا بعين الاعتبار، وأن نفترض أن أبناءنا وبناتنا في جيل بين 18-21 ما يزالون في جيل المراهقة، وحتى فسيولوجيا، ما يزالون ينمون القدرة على السيطرة على مشاعرهم، وعلى اندفاعاتهم وقراراتهم حتى على المستوى الدماغي".

هناك من يلومون أبناءهم في هذه المرحلة؟
لقد تحدثت عن أننا نلوم أبناءنا، فعلى زماننا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا هم كذلك الآن؟ وفي الحقيقة إنهم أيضا يتواجدون في أزمة، وأقول أعانهم الله على أولادهم في المستقبل، فأي تحديات ستضع أمامهم الحياة؟ أعانهم الله على هذا الزمن الذي فيه ضغوطات كبيرة، ففي زمني عندما كان الشخص ينهي الثانوية، كأنه أنجز شيئا كبيرا، ومن أنجز البكالوريوس كأنه أنهى التعليم! هكذا كنا قديما، ولكن اليوم، هل هذا ما نطلبه من أولادنا؟ اليوم حتى يكون أبناؤنا من أصحاب المهن، كم سنة يجب أن ينهي؟ وفي معظم المهن عليه أن ينهي عشر سنوات في الجامعة، كي يصل إلى مهنة ما، إذن أصبحت حياتهم مركبة بشكل أكبر، لأن من ينهي البكالوريوس اليوم عمله ليس مضمونا، وأصبحت متطلبات الحياة أكثر؛ ولذلك هم موجودون في ضغوطات كبيرة".

ماذا تنصح الأهالي والمؤسسات والمجتمع على إثر هذا الواقع؛ من أجل مساعدة هذه الفئة المركزية في المجتمع؟

أولا، المفتاح دوما هو الوعي، حيث يجب أن يكونوا على وعي أين نتواجد نحن نحن؟واين يتواجد أبناؤنا؟ وما هي الأشياء التي هم بحاجة إليها والتي يجب أن نوفرها؟ وأنا هنا أقصد الحاجة العاطفية وليست المادية، وأن نفتح وسائل للتواصل والحوار مع أبنائنا، وأيضا أن نعطيهم فرصة ليعبروا عما يدور في داخلهم وأن ننصت لهم، فالمرافقة على المستوى العاطفي والشعوري والحياتي اليومي هي مفتاح كبير جدا، وهناك أمور من الصعب أن نغيرها؛ لأن الحياة هي التي تجرفك، فلم يختر أحد أن تكون لديه التكنولوجيا الموجودة اليوم، ولكن الحياة فرضت هذه التكنولوجيا. علينا ان نعرف كيف نتعامل معها وكيف نستطيع أن نكمل المرافقة والتواصل والحوار والدعم للمراهقين.


الدكتور شفيق مصالحة - تصوير موقع بانيت وصحيفة بانوراما

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار محلية
اغلاق