اغلاق

مقال: اِستقلالية أم تسلق سياسي وابتزاز عفوي؟

أعترف، قد أبدوا صادما هذه المرة، وعلى غير عادة في مقالي، لكن الأمانة الأكاديمية والعلمية والمهنية تحتم علينا أن نُسمي الأمور بمسمياتها ووضعها في نصابها الصحيح

 
فالح حبيب - صورة شخصية

بكل صراحة وتجرد حتى وإن لم تُبقي لنا صديقا.
يبدو أن صرعة جديدة تداهمنا لتكون هي صرعة المرحلة وواحدة من الصرعات التي تطل علينا وتداهمنا أبان كل منافسة اِنتخابية، هذه المرة أسم الصرعة هو التمثيل المستقل ضمن القائمة المشتركة، "المستقلون".
المسمى المُستخدم، "المستقلون"، هو مصطلح مطاطي فيه ما فيه من التحميل التسويقي، من جهة فيه توسيم اِيجابي للمستقلين من خلال فرض فصل كامل بين الحزبيين وغير الحزبيين (المستقلين)، ومن جهة أخرى يتبعها توصيم، توصيم سلبي للأحزاب، هناك اِعتلاء للموجة واستغلال حالة الإستياء والإحباط من الأحزاب ولصق كل الفشل والإخفاقات لها اِلخ، بما في ذلك، ومن باب المبالغة، "ضياع الأمة".
بمعنى أن هناك من يريد تنجيم نفسه (جعل نفسه نجما) وتأمين مقعدا له على حساب ضرب الصورة الجماهيرية للأحزاب الفاعلة، في الوقت الذي نعلم فيه أن المنظومة والمنهاج السياسي السليم يقتضي أن تسبقه عملية "جتمعة" سياسية، تنشئة سياسية وتثقيف سياسي وهذا يتم من خلال التأطير السياسي والأطر السياسية الفاعلة.
أينعم، هناك تقصير لاعتبارات وأسباب كثيرة في هذا المضمار لدى الأحزاب ولكن يبقى "الحزب" أو "الحركة" أو "الجمعية" الخ... الأطر المناسبة والصحيحة لعملية التنشئة السياسية وبناء جيل سياسي صاحب فكر وأيدلوجية ومواقف ومن خلالها يمر بعملية أدلجة واكتساب الخبرات اللازمة وغيرها. قطعا ليس دفاعا عن أي حزب، بل اِنصافا لمنظومة عالمية أثبتت نفسها وتحافظ على الموازين المجتمعية والسياسية تقضي على العدم من العدم إلى العدم ومن الفراغ إلى الفراغ.

تأمين مقعد واِبتزاز سياسي أم نوايا صادقة، لكنها ساذجة لعدم درايتها السياسية
الآن نلاحظ أن مَن لم يجد مكانا له في الأحزاب الفاعلة ولم يتمكن من مزاحمة قياداتها على القيادة سرعان ما يخرج ضدها منقلبا عليها مقزما لإنجازاتها ومُشهرا بها مضخما لإخفاقاتها، وفي نفس الوقت نلاحظ أيضا، أن جميع مَن يلبسون ثوب " الإستقلالية السياسية " يطالبون بإعادة تشكيل القائمة المشتركة ويبالغون ويهولون من اِمكانية عدم قبولهم كمركب أساسي فيها، وقد فاتهم أو تناسوا بمعنى أدق، أن المشتركة، وما العمل؟! هي كتلة سياسية برلمانية مكونة من اِتحاد أحزاب ومَن يقرر تمثيل كل حزب وحزب فيها، وبالتالي في البرلمان، هي الأحزاب نفسها! ولماذا مِن خلال المشتركة؟! لأنهم يعلمون علم اليقين أن المشتركة شكلت وستُشكل رافعة سياسية كبيرة بحالة تشكيلها، بمعنى، ما يبذله الفرد لاقتحام الحقل السياسي، وبالتالي ضمان مقعد في البرلمان من خلال المشتركة، يكاد لا يُذكر مقارنة بالجهود الجمة والضخمة التي سيبذلها إذا ما قام بعملية الاختراق بشكل منفرد من خلال المنظومة السياسية المتبعة والقائمة، ونلاحظ أيضا أن جل النقاش يتمحور ويتقوقع حول اِعادة صياغة ترتيب المقاعد في القوائم، وعلى وجه الخصوص، المشتركة. بمعنى، تمردوا قولا على ما يرسخونه فعلا، فكيف بربكم إذا تريدون توسيم "أنفسكم" وتطرحون "أنفسكم" كالبديل المتجدد تستغلون جميع أدوات وآليات وأساليب المنظومة القائمة، إلا إذا كان الحديث يدور بكل تأكيد عن عملية اِبتزاز وتسلق سياسي ! هي قطعا عملية اِبتزاز وتسلق سياسي، والمقلق أنه بدلا من الإستفادة من الدروس واستخلاص العبر (هي عملية اِستخلاص عبر دائمة) كاستخدام اِستراتيجيات الدهاء السياسي و"الثعلبة السياسية" مثلا بدلا من الإستمرار "بالإستئساد السياسي"، الوقوف كالأسد مكشرا عن أنيابه واِستخدام أسلوب الحوار الصدامي مع المؤسسات الحكومية، بدلا من الحديث عن طرح جديد في النهج والعمل السياسي، وبالتالي البرلماني، يجدون أنفسهم يتحدثون عن محاصصة وتوزيع مقاعد! فكيف تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم! وأنتم مَن تعملون مِن أجل التجديد ولا أريد أن أكتب تدعون التجديد! كل ما يجري هو تحصيل حاصل، وأريد أن أحسن الظن، من عدم دراية سياسية وسذاجة وحماسة زائدة وطيبة قلب وحسن نوايا وليس خبث نوايا.

"جبن سياسي أم مراوغة مقصودة أو عفوية"
نقطة لا تقل أهمية أيضا من الناحية الاِستراتيجية التسويقية: من هو المستقل سياسيا؟ يبدو أنه هو ذلك الذي لا يريد صبغ نفسه بصبغة سياسية، لا يريد تأطير نفسه وأدلجة نفسه، لا يريد أن يكون دينيا ولا علمانيا ليبراليا ولا قوميا ولا إلى ما ذلك من أيديولوجيات، فكيف للمواطن العربي أن يصوت إلى مَن لا يجرؤ على حسم موقفه أو لا يقوى على طرح فكر جديد "بطعم ولون" جديدين. لهذا إذا اِجتمع التسلق والابتزاز السياسي (بقصد أو عفوية وحماسة زائدة) مع الخوف و"الجبن" السياسي بأقل توصيف، أفضل البقاء على المنظومة السياسية السليمة الوحيدة القائمة في مجتمعنا والعالم والتي تحافظ على الموازين السياسية والمجتمعية السليمة من الفراغ بعيدا عن أي تنطع بشبه التجديد، قالوا تجديدا، بل شُبه وُخيِّل لهم. ولا يوجد خيارات أمام المستقلين سوى الإنخراط في الأحزاب أو الإنخراط في الأحزاب أو اِقامة أطر سياسية جديدة بطعم ولون ومذاق آخر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فهناك الكثير من القدرات التي يمكنها خدمة مجتمعنا والمساهمة بتطويره فحبذا وحبذا لو تنخرط في العمل السياسي من خلال الأطر القائمة والمتعارف عليها أو اِقامة أطر جديدة، مع التشديد على أن ليس كل "مثقف" سياسي، ولكن حتما كل سياسي يجب أن يكون مثقفا.

قائمة مشتركة، رغبة أو مجبرا أخاك لا بطل
وختاما، المناخ العام والمعطيات إذا فرضنا أن الأحزاب إستخلصت العبر واِستفادت من دروس الإنتخابات السابقة، جميعها معا تدفع باتجاه تشكيل قائمة مشتركة رغبة من الأحزاب أو مرغما أخاك لا بطل، بكل الأحوال. وهنا لا بد أن أنوه أنه ليس المهم تشكيل القائمة فقط، بل جودة عمل القائمة، لهذا نريد أن نحسبكم جميعا وقلوبكم جمعا، ونسمو إلى أن يكون برنامج عمل مهني مدروس غير اِرتجالي يعتمد على مشورة المختصين، وعمل متواصل ضمن رؤية شمولية مهنية جامعة تحافظ على الثوابت، فهذه فرصتكم وهبة إلهية سماوية منحها الله لكم ولغيركم من الأحزاب فاغتنموها.
قد يبدو للبعض مقالا صريحا فيه من المكاشفة ما يجب، وللبعض الآخر صادما وغيرها، ولكن بكل الأحوال هو مقال يتحدث عن ظاهرة وليس أشخاص بعينهم.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق