اغلاق

الأمراض الوراثية في النقب - د. ابو ربيعة :‘أصعب شيء ان تقول للعائلة ابنكم مريض والقرار لكم !‘

تبذل د. رسمية ابو ربيعة ، من قرية مكحول في النقب ، جهدها الجهيد ، في كل يوم تدخل به مكتبها في عيادة استشارة الأمراض الوراثية، لاقناع الأزواج الشابة
الأمراض الوراثية في النقب - د. ابو ربيعة :‘أصعب شيء ان تقول للعائلة ابنكم مريض والقرار لكم !‘ -تصوير بانيت
Loading the player...

بتحدّي مفاهيم " العيب " و " الحياء " ، وإجراء الفحوصات الطبيّة ، في سبيل رفع مستوى الوعي الصحي لمخاطر الأمراض الوراثية المنتشرة في المجتمع البدوي في النقب . وهي تكاد لا تفوّت أي فرصة للشرح عن مخاطر تلك الأمراض التي بات العلم يوفّر حلولا لمواجهتها والحدّ منها .. فهي تتألم كثيرا حين ترى أولئك الصغار الذين يولدون مع مرض وراثي خطير يجعلهم لا يشعرون بالوجع والألم ، مما قد يدفعهم لإيذاء أنفسهم دون ان يشعروا بما يقومون به !
وتعترف د. ابو ربيعة بأكثر اللحظات صعوبة حين يجلس أمامها رجل وزوجته ، لتخبرهما بان جنينهما يحمل مرضا وراثيا صعبا .. في تلك اللحظات تشعر وكأن لسانها يعجز عن الكلام امام أزواج يتوقون لضم مولود معافى الى أحضانهم ، ولكنها تشدّد من الناحية الأخرى على تصاعد إقبال الأزواج الشابة على اجراء الفحوصات ولقاء المختصين ، وهو امر يدفعها لبذل مزيد من الجهد للتعامل مع هذا الواقع ولزيادة الوعي .

بطاقة تعريف : د. رسمية ابو ربيعة من سخنين أصلا وأم لأربعة
د. رسمية ابو ربيعة ، حاصلة على لقب الدكتوراة من جامعة بن غوريون في بئر السبع وباحثة في موضوع الأمراض الوراثية منذ عام 2006 ،  واليوم تعمل مركزة لموضوع الأمراض الوراثية في لواء الجنوب في خدمات الصحة الشاملة كلاليت. هي من مواليد مدينة سخنين،  متزوجة للدكتور محمد ابو ربيعة خريج جامعة بن غوريون بئر السبع في مجال طب الأطفال. ام لـ 4 أبناء أحدهم أنهى دراسة الطب في هداسا، والابنة تنهي دراسة الصيدلة في جامعة بن غوريون هذا العام.

ما هي ابرز الأمراض الوراثية في المجتمع البدوي في النقب ؟
أكثر الأمراض شيوعا في الوسط البدوي هي عدم الشعور بالألم (سيبا) وهو مرض وراثي يصيب خلايا معينة في الجهاز العصبي حيث يؤدي ان لا يشعر الولد بالألم .  من مخاطر هذا المرض ان يقوم المريض بايذاء نفسه وجسده دون أن يشعر ، مثل الحرق والسقوط عن علو، والجروح ومع إعاقة في المخ مع درجات متفاوتة من وسط إلى شديد. مرض ثاني الغدد وهي مشاكل الكالسيوم في الجسم، الأمر الذي يؤثر على نمو الطفل ، طبعا مع إعاقة في المخ.
المصابون بهذه الأمراض الوراثية بشكل عام لا يعيشون سنوات طويلة . هذه الأمراض هي الأكثر شيوعا في المجتمع البدوي ، ويتم فحص جميع الأزواج بغض النظر عن القرابة وغيرها .
هنالك أمراض وراثية خاصة بكل عشيرة أو عائلة، حيث نقوم بجمع معلومات عن جذور العائلة لكي نقرر كيفية التعامل مع هذه الأمراض ، ومن ثم نقوم بإجراء الفحوصات الطبية المناسبة ، مع العلم ان وزارة الصحة قامت بإدخال فحوصات جديدة عامة مجانية ، وهي: ضمور العضلات من نوع (sma) والفحص الثاني إعاقة في المخ " frax   " حيث يجرى الفحص للنساء فقط ، لكل سكان الدولة ، وهذه الفحوصات نقوم باجرائها بشكل دائم وروتيني.

هل يمكن الكشف عن جميع الأمراض الوراثية في إطار الفحوصات الوراثية  المتاحة اليوم ؟
ضمن الفحوصات الكثيرة التي نقوم بها بما يتعلق بالأمراض الوراثية لدى الأزواج، يمكن الكشف عن اذا كان الشخص حاملا لوراثة أحد هذه الأمراض. في حال تم الكشف عن هذه المرض يتم بعدها الاستشارة وتقرير المصير من ستكون شريكة حياته. مهم جدا ان لا تكون الزوجة أيضا تحمل نفس الطفرة الجينية التي ممكن ان تؤدي إلى إنجاب أطفال معاقين بنسبة 25% من كل حمل.

الى أي مدى يُقبل الرجل وزوجته في المجتمع البدوي على اجراء فحوصات وراثية ؟
في بداية  الأمر في عام 2006 كانت هنالك اعتراضات كثيرة بسبب خوف الناس من هذه الفحوصات ، وبسبب عدم وجود المعرفة والوعي الكامل لموضوع الأمراض الوراثية، وبسبب العادات والتقاليد وأسباب دينية غير واضحة.  بدورنا بالتعاون مع الكثير من الجهات منها وزارة الصحة ، وجامعة بئر السبع ومستشفى سوروكا و" كلاليت " ، قمنا بحملة توعية شملت المدارس الثانوية والمراكز الجماهيرية ورجال الدين ومحاضرات عامة وايام صحية للنساء والطلاب . من هنا بدأ التغيير عند الكثيرين، الأمر الذي دفعنا الى نقل الخدمات المناسبة من مستشفى سوروكا في بئر السبع إلى العيادات والمراكز الطبية في البلدات البدوية.
اما اليوم فنحن نشهد إقبالا كبير من قبل النساء ، والازواج على حجز الأدوار والالتقاء بالمختصات في هذا المجال. العمل الجاد والهادف في بداية المشوار بدأنا نقطف ثماره اليوم . لا يزال أمامنا الكثير من التحديات .

هل هناك من يخشى مفاهيم " العيب " ونظرات العائلة والناس ... ومن هذا الباب يستغنون عن هذه الفحوصات ؟
طبعا هنالك من يعيش مفاهيم  "الحياء" والعيب ومفهوم الممنوع دينيا واجتماعيا. نحن نحاول كثيرا تغيير هذه المفاهيم المغلوطة، وذلك عن طريق رجال الدين والمثقفين وأطباء مختصين من مجتمعنا العربي. تستمر التوعية الصحية في هذا المجال من أجل نمو أطفال بصحة ممتازة وليس حاملا للأمراض.

ما مدى تأثير زواج الاقارب على انتشار الأمراض الوراثية في المجتمع البدوي ؟ وهل حقيقة ان هذا الزواج يرفع من احتمالات الإصابة بالأمراض الوراثية ، تجعل الأزواج الشابة والعائلات تفكر بشكل عميق اكثر بهذا النوع من الزواج ؟
هنالك أسباب عديدة للأمراض الوراثية منها، البيئة ونمط حياة غير صحي وتعرض الناس لمواد سامة ومضرة ، اشعاعات وغيرها . اغلب أسباب الأمراض الوراثية تكمن في زواج الأقارب والذي يعتبر بارزا ومنتشرا في المجتمع البدوي في النقب.
لا يخفى على أحد أن حياة البدو في النقب هي عشائرية وأن الزواج بشكل عام يبقى داخل العشيرة . هنا تكون نسبة إلتقاء شخصين مع نفس الطفرة الجينية هي أكبر في زواج الأقارب بالمقارنة مع زواج غير الأقارب.
هنالك عائلات كثيرة تعاني من هذه الأمراض بسبب زواج الأقارب، الأمر الذي كان سببا في إجراء فحوصات بين الزوجين قبل الارتباط ، والأمر الاخر هو التفكير بل اتخاذ القرار بالزواج من خارج العائلة، مع التأكيد ان هذه النسبة قليلة جدا ويجب العمل على تشجيعها .

كيف تكون ردود فعل الأزواج الذين تُخبرينهم باحتمالية ولادة ابن مع مرض وراثي ؟ ما هو اصعب موقف تذكرينه بهذا الشأن ؟
حقا ان هذه من أصعب المواقف التي نمر لها من خلال عملنا، وخاصة عند إخبار العائلة بأن هنالك مشكلة لدى الجنين . لكن الاختصاص في هذا المجال وتوفر الطواقم لدينا يساعدنا في مواجهة العائلات. هنالك عائلات تبدأ باستشارة رجال دين أو طبيب آخر، ونحن نوجههم في اتخاذ القرار المناسب لهم. هنالك عائلات تكون الصدمة كبيرة بالنسبة لهم ، ويبدأ الرفض وعدم تقبل النصائح حتى ولادة طفل مريض للأسف الشديد. من جهة اخرى نلتقي عائلات تتفهم الوضع وتتعاون معنا بشكل سليم . ولكننا بحاجة إلى رفع نسبة الوعي والتعاون مع هذه الشريحة.

رسالة إلى الاهالي !
اوجه رسالة من القلب إلى جميع الأهالي في المنطقة، لا حياء بعد اليوم في المواضيع الصحية وهذه مسؤولية تقع علينا جميعا ، حيث لا نريد مزيدا من التعب والعذاب لنا ولاطفالنا ولمجتمعنا. نتوجه إليكم وننصحكم بإجراء الفحوصات الطبية المناسبة لأبنائنا وبناتنا قبل الزواج وقبل الحمل من أجل بناء عائلة سليمة وعيش حياة سعيدة.

 
د. رسمية ابو ربيعة - تصوير موقع بانيت وصحيفة بانوراما 

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق