اغلاق

لوبيانكا.. مبنى حولته الثورة البلشفية إلى مركز كي جي بي

يقف مبنى الـ«كي جي بي»، في واحدة من الساحات الرئيسية في العاصمة الروسية موسكو. مبنى يحظى بشهرة عالمية، تُخطط فيه أحداث تصلح لتكون حبكة لأفلام


صورة لتوضيح فقط - تصوير: iStock-demerzel21

بوليسية أو خيالية وحتى لأفلام رعب. ويسود اعتقاد بأن الحظ حليف كل من يدخله بصفة «من أهله» أو أحد «المقيمين» فيه، ما التزم بصرامة قواعد «الإقامة»، وعلى العكس فإن التعاسة تكون من نصيب من يدخله بـ«دعوة» إليه من «قاطنيه». والأمر دوما يُقاس بمبررات «الدعوة - الاستدعاء» وطبيعتها. يتميز بواجهة خارجية جميلة، منذ تشييده منذ أكثر من 100 عام، أما ما يجري في داخله، فإنه يمثل رمزا من رموز «هيبة الدولة»، ولدى العامة من الناس فإن مجرد ذكر اسمه يسبب الذعر.

يُطل على ساحة «لوبيانكا»، التي حملت طيلة 70 عاماً اسم فيلكس إدموندوفيتش دزيرجينسكي، الأب المؤسس لجهاز الاستخبارات السوفياتية. ويخطئ كثيرون بخلط هذا المبنى بواجهته الحجرية بنية اللون بـ«المبنى الرمادي»، الذي شُيد في الثمانينات، وتغطي واجهته أحجار من الرخام رمادية اللون، وأصبح منذ بنائه المقر المركزي للاستخبارات الروسية، مع بقاء مهام قيادية لهذا الجهاز في المبنى القديم.

رغم معرفة الكثيرين بجهاز الـ«كي جي بي»، ووريثه الحالي جهاز الاستخبارات الروسية، الذي يطلق عليه اسم «هيئة الأمن الفيدرالي»، فإن قلة ربما يعرفون أن المبنى على ساحة لوبيانكا، لم يشيد بداية ليكون مقرا للاستخبارات، وأن الثورة البلشفية عام 1917 هي التي حكمت عليه بذلك.

تبدأ قصة المبنى مع نهاية القرن التاسع عشر، في عهد روسيا القيصرية، وتحديداً في عام 1894. حين قامت شركة تأمين ضخمة تحمل اسم «روسيا»، ومقرها العاصمة الروسية بطرسبورغ حينها، بشراء قطعة أرض مساحتها 1110 أمتار مربعة وسط موسكو، مقابل 475 ألف روبل فضي. وسمحت سلطات موسكو لشركة التأمين بالتخلص من جميع المباني القديمة.

في البداية فكرت شركة «روسيا» في تشييد فندق ضخم. وبالفعل بدأت في عام 1897 محادثات مع شركة فرنسية لبناء فندق من تصميم المهندس الباريسي جان شيدان، وفي الوقت ذاته أعلنت الشركة عن مسابقة لأفضل تصميم يشارك فيها خيرة خبراء الهندسة المعمارية الروس. وفي النهاية وقع الاختيار على تصميم قدمه المهندسون الروس، لكن سرعان ما تراجعت شركة التأمين عن خيارها واتفقت مع الفرنسين على اعتماد التصميم الذي قدمه الفرنسي شيدان، على أن يتم التنفيذ بمراقبة المهندسين الروس. إلا أن خلافات نشبت بين الفرنسيين والروس بسبب بعض التعديلات، ما أدى في العام ذاته لإكمال المشروع من قبل المهندس الروسي ألكسندر إيفانوف. وبعد الانتهاء من تشييد المبنى الأول، قررت شركة «روسيا» الاستفادة من قطعة الأرض المتبقية على الجانب الآخر من شارع «ماليا لوبيانكا» وتشييد مبنى آخر، من تصميم المهندس إيفانوف أيضاً، الذي اعتمد في المخطط الجديد نمط «النيوكلاسيكية» مع بعض التفاصيل من نمط «زخرفة الباروك».

مع انتهاء أعمال تشييد المبنيين، عدلت شركة «روسيا» خطتها الأولية ولم تفتتح فيهما فندفا، وقررت على ما يبدو الاستفادة منهما للحصول على دخل أكبر ومستقر، لذلك صنفت العقارات فيهما ضمن فئات (شقق سكينة) من 4 إلى 9 غرف، ومحال تجارية. وعوضا عن بيعها قامت بتأجيرها للراغبين؛ حيث كان إيجار الشقة الواحدة أعلى بكثير من إيجار الشقق في المنطقة، وكذلك الأمر بالنسبة للمحال التجارية. وافتتحت هناك مكتبة ومخزنا لبيع «ماكينات الخياطة»، وآخر لبيع الأثاث المنزلي، والكثير غيرها. وكان المبنيان يدران على شركة التأمين دخلا سنويا زاد على 160 ألف روبل، وهو مبلغ ضخم وفق معايير الاقتصاد الروسي في تلك السنوات.

أحداث الثورة في روسيا عام 1917 قلبت الأوضاع؛ حيث قررت السلطات في عام 1919 حل كل شركات التأمين الخاصة وتأميم أملاكها، وهكذا أصبح المبنيان «ملكا عاما» للدولة. في مايو (أيار) من العام ذاته صدر قرار بمنح المبنى على عنوان «لوبيانكا 2» لمجلس اتحاد النقابات في موسكو، لكن بعد أيام انتقل إلى المبنى ما أطلق عليه إبان تلك الأحداث «لجنة الطوارئ لمكافحة الثورة المضادة» وهو جهاز أمني كان يلاحق أعداء الثورة، أسسه وترأسه فيلكس دزيرجينسكي: «الأب المؤسس» لمؤسسة الاستخبارات السوفياتية. لذلك أطلقت السلطات السوفياتية عام 1926 اسم «ساحة دزيرجينسكي» على ساحة لوبيانكا، كان يتوسطها نصب تذكاري له.

ومنذ عام 1919 تعاقبت الأجهزة الأمنية السوفياتية على المبنى بأسماء مختلفة، إلى أن استقر الأمر في الستينيات على تسمية «لجنة أمن الدولة»، واختصارها من الروسية «كي جي بي»، الجهاز الاستخباراتي التجسسي ذائع الصيت عالمياً.

وفي سنوات تفكك الدولة السوفياتية، أزيل تمثال دزيرجينسكي من الساحة، واستعادت اسمها السابق «ساحة لوبيانكا». تغير كذلك اسم جهاز الاستخبارات الروسية، وأصبح «هيئة الأمن الفيدرالي»، اختصارا من الروسية «في إس بي»، الذي ورث المبنى عن أجهزة الاستخبارات السوفياتية.

ورغم انتقال المهام المركزية للاستخبارات إلى «المبنى الرمادي» الذي شُيد في الثمانينات وتحول إلى رمز للمؤسسة الأمنية السوفياتية، فإن المبنى القديم على الطرف الآخر من الشارع، لا يزال مقراً مركزياً لهيئة الأمن حتى يومنا هذا، ويشكل معلما سياحيا يتعرف فيه السياح من الدليل السياحي على الأحداث التي شهدها المبنى ومحيطه، لا سيما عمليات التنكيل وحملات القمع والاعتقالات، فضلا عن الاحتجاجات الشعبية في التسعينات وإزالة تمثال دزيرجينسكي من الساحة، الحدث الذي يرمز إلى تحرر روسيا من القبضة الأمنية للدولة السوفياتية.


صورة لتوضيح فقط - تصوير: iStock-vladj55

لمزيد من صور ومناظر اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق