اغلاق

ابراهيم ابو بكر يكتب: العرب واليهود يمكنهم العيش معا

شاءت الأقدار أن يعيش العرب واليهود في البلاد معًا على بقعة أرض واحدة وتحت رقعة سماء واحدة ولم يدع لهم أي مجال للاختيار. ومن الواضح وضوح الشمس


 ابراهيم ابو بكر

 في رابعة  النهار أن لا احد من الطرفين يعتزم  حزم حقائبه والارتحال في قادم الايام إلى لا عودة من هذا المكان.  فمن المنطق والصواب إذًا الاستفاقة من الأحلام الذّهبيّة والأوهام الوردية ليعيشوا هذا الواقع ويتكيّفوا معه، ومعنى ذلك أن يعي الطرفان أنّ لا خيار لهما إلّا التعايش معا ، وما دون ذلك ان هو لهو  في مسارح الخيال  لن يجدي نفعًا ولن يزيد الصراع بين الشعبين الا تعقيدًا والحياة معاناة. من هنا يتوجب عليهما "قلب كل حجر" لمحاولة  الوصول إلى صيغة توافق ركيزتها العدل والمساواة. 
ليس خفيًا على أحد أنّ العلاقات بين الشعبين مرت بمطبات وأزمات حادة نتيجة ظروف عدة لا يتسع المجال لذكرها هنا من  أهمها قيام فئات متطرفة من الجانبين ، لا همّ لها سوى التهييج والتحريض ليل نهار ضد الاخر وقد نجحت ، لشديد الاسف  ، إلى حدّ كبير في مهمتها  " الانسانية " اذ استطاعت تعكير الأجواء وبثّ روح الكراهيّة والعدائيّة بينهما فازدادت الفجوات اتساعًا والجدران الفاصلة ارتفاعًا . 

أوضاع متأزمة
في ظلّ هذه الأوضاع المتأزمة يتحتّم على دعاة السلام والتعايش السلمي بين الشعبين الخروج  للتو عن صمتهم  والإسراع لأخذ زمام المبادرة وعمل كل ما بوسعهم للتصدّي لحملات التحريض المغرضة والعمل على إعادة الأمور إلى سابق عهدها . لفد وجدت العصابات المتطّرفة الارض الخصبه لممارسة نشاطاتها التحريضيّة ومحاولة الايقاع بأي ثمن بين الشعبين " فالراقصون على الدماء" هؤلاء تصحبهم "ملائكة العذاب" يسعون بكل طاقاتهم الشيطانية  للعبث بمصائر الشعوب  وتقويض نسيج التعايش بين الشعبين .
من شبه المؤكد ان السّواد الاعظم من الشعبين ينشد العيش بسلام وأمان ويرفض العنف بجميع أشكاله والوانه ولهذا لزامًا على الفريقين "اقتلاع الاعشاب الضارة " والقاءها بعيدا عن مسرح الاحداث لتتحقق الامال بحياة أكثر وداعة وهدوءا.   أرى أن  احراز مثل هذه الاهداف ليست بالمستحيلة قطعيا اذا ما توفرت النوايا الصّادقه والإرادة الحقيقيّه لذلك .
ما من أنسان الا يخلق على سجية الطيبة والخير لا يحمل الكراهية لأحد لاختلاف لونه أو عرقه او دينه أو جنسه وإنما يكتسب ذلك ، كما يبدو ، من محيطه القريب وجاءت اقوال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو لتاكد  لنا صحة  ذلك ، مما  يدفعنا  جميعا بألا  نفقد الأمل  بغدٍ افضل للانسانية جمعاء ومن ضمنها  الشعبين العربي واليهودي.

" مد جسور السلام "
أود ان أنوه  بأن ألتقارب بين الشعبين في الدولة ومدّ جسور السلام والمحبة  بينهم  لهو هدف سام يستحق أن تبذل الجهود من أجله،  فبه تنتصر قوى النور على قوى الظلام . 
التربية هي "السلاح الاكثر فتكًا " لإحداث تغييرات جوهريّة وجذرية في المجتمع.  انها  "الوصفة " الناجعة لإبراء المجتمع من  كل علاته وآفاته.
لذلك نتمنى على جهاز التربية والتعليم في البلاد أن يحسن استغلال هذه الوسيلة بالغة الاهمية لما فيه مصلحة الشعبين ، كما بوسعه استعمال هذه  "العصا السحرية " لتوطيد العلاقات بطرق مختلفة كادراج خطط تعليمية تقوم على غرس قيم   التسامح وتقبل الاخر واحترام الانسان لكونه إنسانًا وغيرها من قيم إنسانيّة تدعو الى حسن الجوار بين  المعسكرين .
كما بوسعه تشجيع الزيارات المتبادلة بين الطلاب العرب واليهود  في المراحل الابتدائية والثانويّة  بهدف التقارب بينهم  لأن تعَرّف كل منهما  على حضارة الاخر قد يبطل  كثيرا من الاراء المسبقة والنمطية التي  تغذي مشاعر الريبة والشك  ألتي ينجم عنها التجاذب والتنافر .
اللغة ليست فقط اداة تواصل وتخاطب وانما انعكاس لحضارة شعب وثقافته، والأبحاث في هذا المجال تدل على أن الاطّلاع المباشر على حضارة شعب ما تحطم الحواجز النفسيّة حيال ذلك  الشعب. هذه الحقيقة تدفعنا لدعوة وزارة التربية والتعليم  للنظر مجددًا في إمكانية  إلزام  تعليم اللّغه العربية في المدارس اليهوديّة تمامًا كما هو الحال بالنسبة للعبريّة في المدارس العربيّة . 
اللغة عامل مؤثر جدًا ويمكن الاستفادة منه كثيرا في ترسيخ  العلاقات بين بني البشر عامة وإزالة الحواجز بينهم . ليس هذا فحسب بل من المهم جدا اختيار نصوص ادبيّة وفنيّة تؤيد السلام والتعايش وتنبذ العنف بجميع  أشكاله، فانه لا يؤدّي الا الى الخراب والدّمار والمآسي ولن يزيد الأوضاع  إلا  احتقانًا  وتوترًا.
لقد عاش العرب واليهود معًا على مر العصور في أماكنَ مختلفة من العالم ، وتعج كتب التاريخ  بالأمثلة الكثيرة على حسن الجوار بينهم ومن المفيد بمكان أن يتحدث معلمو التاريخ في المدارس عن تلك العلاقات المميّزة التي سادت بينهم في تلك الآونة لعلها  تكون مصدر  إيحاء وإلهام .
هناك مبادرة فرديّة محمودة تسعى في الآونة الأخيرة إلى تنظيم لقاءات عربية يهودية في القرى والمدن العربية يتناولون بها مواضيع شتى  للحوار.  من واجب الدولة الراغبة في الحياة دعم مثل هذه المبادرات الخيرة وتشجيعها . بمثل هذه اللقاءات تشقّ الطرق الى التقارب والتصالح .


صورة للتوضيح فقط - تصوير iStock-burakkarademir

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق