اغلاق

بين الدّاء والكلمة والدّواء ، بقلم : د. إياس يوسف ناصر

لقد انتدبني هذا العام عميد كلّيّة الآداب في الجامعة العبريّة لتدريس دورة عن الأدب العربيّ في كلّيّة الطّبّ والتّمريض في عين كارم، وذلك ضمن التّعاون بين كلّيّة الآداب


د. إياس يوسف ناصر - صورة شخصية

وكلّيّة الطّبّ في الجامعة، ليتسنّى لطلّاب العلوم أن يتذوّقوا طرفًا من الأدب العربيّ خلال رحلتهم الدّراسيّة بين الدّاء والدّواء.
أفتخر بهذا التّكليف وأعتزّ بأن أكون مع أبناء وبنات شعبي الذين اختارهم الله رسلًا لمداواة المرضى والمتألّمين في أجسادهم، كما أعتزّ بأن أقتطف لهم من خمائل الأدب العربيّ لنتشمّم أريج اللّغة العربيّة وعبق تاريخها، ونطوف بين إبداع أدبائها وبوح مفكّريها.

ثقافة الكلمة
لم يكن الأدب في نظري يومًا ورقةً مرصوفة بالكلمات، ولا قصّةً نريد أن نعرف نهايتها. الأدب في نظري هو ثقافة الكلمة، ثقافة التّفكير، ثقافة الحوار، ثقافة الرّأي، ثقافة النّقاش، ثقافة الحُبّ والمحبّة، ثقافة تأمّل الحياة، ثقافة النّظر في الإنسان وما يدفعه إلى الخير أو الشّرّ، ثقافة أن يكون الإنسان إنسانًا. هذه هي الثّقافة التي نصبو إليها في مجتمع تنهش في جسده أنياب الجريمة وتتخاطف الأشباح أبناءه في وضح النّهار وحلك الليالي النّابغيّة.
إنّ المجتمع يحتاج حقًّا إلى الطّبيب لكي يداوي الجريح الذي طعنه أحدهم بسبب نزاع على مبلغ ماليّ أو أرض أو موقف سيّارة، ولكنّ هذا المجتمع أشدّ احتياجًا إلى ثقافة الكلمة التي تردّ الإنسان عن ارتكاب الجريمة، الكلمة التي تدفعه إلى ثقافة اللّسان لا ثقافة الرّصاصة والسِّنان، الكلمة التي تسير بين النّاس وتبعث الاحترام، والقيم، والتّعاليم الإنسانيّة، الكلمة التي تداوي كلّ مشكلة وتفضّ كلّ نزاع، الكلمة التي لو استُخدمتْ لَما رُفعت السّكّين ولا حُمل المطعون إلى الطّبيب وهو يتمسّك بحبال الحياة.

أطبّاء الأجساد والنفوس
إنّنا نحتاج إلى أطبّاء الأجساد، ولكنّنا نحتاج أيضًا إلى أطبّاء النّفوس، لأنّ من يؤمن بحمل السّكين والخنجر والمسدّس يكون مرضًا على المجتمع ومرضًا في جسد المجتمع. الطّبيب يعالج الجريح، والجاني يُرفع إلى القاضي، ولكنّنا نحتاج قبل الطّبيب والقاضي إلى الكلمة التي تمنح النّاشئين والصّغار معنى الاحترام والنّقاش وحسن المعاملة.
هذا هو الأدب الذي أقرأه وأعلّمه وأبحث عنه في كلّ مكان، لأنّ الأدب ليس في الكتب والقصائد والرّوايات فحسب، بل هو في لقاء النّاس ومحادثتهم، في الاستماع إلى الموسيقا والغناء، في مشاهدة لوحة، في قراءة مشهد، في التّأمل، والسّفر، والتّنزّه، والانطلاق إلى الحياة واستكشافها. وطوبى لكلّ من يداوي جسدًا بدواء ونفسًا بكلمة.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق