اغلاق

مقال:رحمة الله أنقذتني من الموت في اللحظات الأخيرة

يقولون عن الصحافة انها مهنة المتاعب، ومتعارف عليها في العالم الحر وفي الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها، انها (سلطة رابعة) لأنها وسيلة من وسائل دعم


الاعلامي أحمد حازم - تصوير موقع بانيت وصحيفة بانوراما

المواطن والبحث عن الحقيقة. والصحفي أيضا صاحب رسالة شريفة، وهناك العديد من الصحفيين - وأنا واحد منهم -الذين يجوبون العالم ويعرضون حياتهم للخطر من أجل تغطية صحفية صادقة. فالصحفي المتواجد في مناطق الأزمات والصراع، لديه مهمة لا تقل عن مهمة الجندي، وكثيراً ما قدمت الصحافة شهداء من أجل الكلمة والمعلومة تماما مثل الجندي الذي يستشهد من أجل الوطن.
منذ سنوات طويلة جداً وأنا أتنقل في بلدان هذا العالم من بلد إلى آخر جواً وبحراً، وأيضا كان لوسائل النقل البرية قسطاً من تنقلاتي على الصعيد العربي والدولي. لكن الرحلات الجوية ورغم مخاطرها، كانت المفضلة عندي، بسبب سرعة الوصول إلى المكان المنشود.
وبما أني أستعين دائماً بذاكرتي في الرجوع إلى الماضي البعيد - وذاكرتي لم تخونني أبداً لغاية الآن - أجزم بأن عدد الرحلات الجوية التي قمت بها حتى وقتنا هذا في رحلاتي المكوكية إلى مناطق في الكرة الأرضية تتجاوز المائتي رحلة طيران في مشارق الأرض ومغاربها وفي قاراتها، أي بما معدله على الأقل 800 ساعة طيران مما يعني أني بقيت في الجو معلقا بين الأرض والسماء ما يعادل أكثر من 33 يوماً.

العمل في برلين
القارة الأوروبية كان لها النصيب الأكبر في تجوالي في هذا العالم. فقد زرت كافة دولها الغربية والشرقية مرات عديدة بحكم عملي الصحفي، حيث كانت العاصمة الألمانية برلين في فترة عملي خارج العالم العربي، العاصمة التي أقمت فيها واحتضنتني مواطناً وإعلامياً سنوات طويلة، ومنها كنت أنطلق إلى دول أخرى.
في منتصف سنوات الثمانينات، قمت بتغطية صحفية لمهرجان سينمائي. وفي اليوم الأخير من المهرجان أي قبل السفر بيوم واحد،  ألقيت نظرة على موعد العودة، فرأيت أن الطائرة التي ستقلني ستقلع صباحاً، وهذا يعني أن علي الاستيقاظ مبكراً. وبما أنه كان يصعب علي ذلك بسبب السهرات واللقاءات والنقاشات التي كانت تدور ليلاً بين أهل الفن والإعلاميين، ذهبت إلى مكتب شركة الطيران، وفحصت إمكانية تغيير فأخبرتني موظفة مكتب شركة الطيران مع ابتسامة رقيقة: " أنت محظوظ جداً، يوجد مكان واحد لأن  صاحب المكان قام بتغيير الحجز قبل نصف ساعة فقط" .

" نظرات استغراب "
في اليوم التالي ذهبت كالمعتاد إلى مكتبي في وكالة الأنباء. وقد لاحظت أن الزملاء ينظرون إلي باستغراب داخل المكتب وخارجه وكأني فاعل لشيء غير مرغوب به. وبينما كنت أفكر في سبب هذه النظرات، قرع الهانف في مكتبي، وكانت سكرتيرة القسم على الطرف الآخر حيث استدعتني لمقابلة مدير القسم، الذي كان صديقا لي عمل مراسلاً في بيروت ودمشق سنوات كثيرة.  سألني مدير القسم عما إذا كانت رحلتي متعبة أو مريحة، خصوصا أن ظروف وتقنيات الطيران في منتصف الثمانينات لم تكن متطورة كما هي عليه الآن. فقلت له أن الرحلة كانت مريحة وأفهمته اني غيرت موعد الرحلة فنظر إلي معاتباً قائلاً: " كان يجب عليك إبلاغنا عن هذا التغيير" . تم استطرد قائلاً: " إن الطائرة التي كان من المفروض أن تكون على متنها قد سقطت ومات كل من كان على متنها، وبما أنك لم تخبرنا بتغيير الحجز، اعتقدنا بأنك من عداد الأموات".
بقيت ساكتاً، ولم يكن بوسعي النطق بأي حرف وكأني في حلم، ثم عدت إلى نفسي أستعيد مشهد الذهاب إلى مكتب السفر وتغيير موعد الرحلة،  وتساءلت: ماذا لو لم يكن مجالاً لتغيير موعد الرحلة. والجواب طبعاً موت محتم، لكن رحمة الله أقوى من كل شيء، وكل إنسان يلقى وجه ربه في الوقت الذي يريده الخالق. وهكذا ابتعد الموت عني في اللحظات الأخيرة.



صورة للتوضيح فقط - تصوير:Pollyana Ventura


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق